عام 2025 أورثنا الموت "موت"!
د. إبراهيم جلال فضلون
"كل حرب تبدأ بالكلمات… وتنتهي بالمقابر" – مثل قديم لخص حياتنا الواقعية، فلم يكن عام 2025 عامًا عاديًا في تاريخ الشرق الأوسط، بل بدا وكأنه خلاصة مركّزة لعقود من الفشل السياسي، فحين تفشل السياسة… تدفع الإنسانية الفاتورة، وكأنها مرآة دامية لكيف يمكن للقرار الخاطئ أن يتحول إلى قدر جماعي. وكما قال كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى".
فاتورة الأبرياء: لم يكن عامًا انتقاليًا، بل عامًا توريثيًا بامتياز؛ أورث الموت موت، وورّث الخسارة إنسانية مستنزفة، وترك المنطقة بأسوأ حالاتها وأكثر إنهاكًا مما دخلها، وكأن الحروب لم تعد أحداثًا استثنائية، بل نمطًا إداريًا لإدارة التوازنات، ولعبة في يد قلة يقتاتون على خيراتنا دون كلمة منا، فالأرقام وحدها تكفي لتجريد اللغة من أي زخرف. ليبدو العالم وكأنه عالق في حلقة مفرغة؛ صراعات تتبدل جغرافيًا، لكن آثارها الاقتصادية والإنسانية تتشابه حد التطابق، حيثُ تُشير تقديرات المنظمات الدولية والإنسانية إلى أن حروب الشرق الأوسط خلال 2025 ، مع استمرار النزاعات الكبرى (سوريا، اليمن، غزة، السودان)، أوقعت مئات الآلاف، وقفز عدد النازحين والمهجّرين قسرًا إلى ما يزيد على 15 مليون إنسان في المنطقة، بين من فقدوا منازلهم، أو مصادر رزقهم، أو الحد الأدنى من الأمان، إضافة للصدمات النفسية نتيجة للصراعات المستمرة منذ عقد مضى، لتزايد النزاعات وفق رصد تقرير حصاد الأمن 2025 أن الشرق الأوسط من أكثر المناطق تضررًا، مع استمرار نحو 1450 نزاعًا سياسيًا حتى سبتمبر 2025، وارتفاع عدد الحروب إلى 89 حرباً، فهذه ليست أرقام معارك، بل أرقام حياة أُخرجت قسرًا من مسارها الطبيعي، وكانت الطامة اقتصادية، فأدت أكثر من 20 عامًا من الحروب الأمريكية إلى مقتل ما يقدر بنحو 940 ألف شخص بشكل مباشر، وكلفت الولايات المتحدة 5.8 تريليون دولار.
جيوسياسيًا: لم تكن هذه الحروب معزولة عن السياق الدولي. الشرق الأوسط ظل ساحة تصفية حسابات غير مباشرة بين قوى كبرى، وتقاطعات مصالح إقليمية، وتحالفات قصيرة النظر. القرارات السياسية، في كثير من الحالات، اختارت إدارة الصراع بدل حلّه، وتغليب الردع العسكري على التسويات، وكأن تكلفة الدم أقل من تكلفة التنازل. هكذا تصاعدت النزاعات لا لأنها بلا حلول، بل لأن الحلول لا تجد من يتبناها بجدية.
وهنا لابد من التنويه للتكاليف المالية للحرب الأمريكية منذ 2001 حتى عامنا عام الموت:
|
البند |
المبلغ (دولار) |
ملاحظات |
|
إجمالي الإنفاق حتى الآن |
5,800,000,000,000 |
إنفاق لتمويل حرب استمرت أكثر من عقدين |
|
وزارة الدفاع (DoD) |
2,100,000,000,000 |
نفقات تشغيلية وبرامج دفاعية |
|
وزارة الأمن الداخلي (DHS) |
1,100,000,000,000 |
نفقات أمنية داخلية متعلقة بالحرب |
|
زيادة الميزانية الأساسية لوزارة الدفاع |
884,000,000,000 |
تعزيز الميزانية الأساسية للجيش |
|
الرعاية الطبية للمحاربين القدامى |
465,000,000,000 |
نفقات رعاية صحية للمحاربين القدامى حتى الآن |
|
فوائد القروض لتمويل الحرب |
1,000,000,000,000 |
مدفوعات فوائد على القروض المأخوذة لتمويل الحرب |
|
التزامات رعاية المحاربين القدامى المستقبلية (30 سنة) |
2,200,000,000,000 |
متوقعة على مدى الثلاثين سنة المقبلة |
|
إجمالي التكلفة التقديرية منذ 2001 (شامل الالتزامات المستقبلية) |
8,000,000,000,000 |
مجموع الإنفاق الفعلي والمتوقع |
بينما جدول تمويل الولايات المتحدة لإسرائيل
|
البند |
المبلغ (دولار) |
ملاحظات |
|
إجمالي المساعدات منذ 1959 (معدلة حسب التضخم) |
251,200,000,000 |
وفق معهد واتسون بجامعة براون |
|
الالتزام السنوي بموجب مذكرة تفاهم 2016–2028 |
3,800,000,000 سنوياً |
معظمها مخصص كتمويل عسكري أجنبي; الاتفاق يمتد حتى 2028 |
جدول التكلفة البشرية في غزة (إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية حتى 24 يونيو 2025)
|
البند |
العدد |
ملاحظات |
|
القتلى المؤكدون (إجمالي) |
56,077 |
حتى 24 يونيو 2025 |
|
المصابون (إجمالي) |
131,848 |
حتى 24 يونيو 2025 |
|
القتلى منذ 18 مارس |
5,759 |
بعد انتهاك وقف إطلاق النار |
|
المصابون منذ 18 مارس |
19,807 |
بعد انتهاك وقف إطلاق النار |
|
حالة إضافية |
آلاف يشتبه في وفاتهم |
يُخشى أن يكون آلاف آخرون مدفونين تحت الأنقاض |
التداعيات لم تتوقف عند حدود المنطقة. أسواق الطاقة ظلت رهينة أي تصعيد مفاجئ، سلاسل الإمداد العالمية تأثرت، وموجات اللجوء أعادت فتح نقاشات شائكة في أوروبا والعالم حول الهجرة والأمن والهوية.
ماذا تعلّمنا؟: وسط هذا المشهد، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله: ماذا تعلّمنا؟ الواقع يشير إلى أن الحرب في الشرق الأوسط لم تكن محلية يومًا، لكنها في 2025 أصبحت أكثر وضوحًا كعامل ضغط على النظام الدولي الهش أصلًا، فالدروس تُقرأ كثيرًا وتُطبّق نادرًا. فعام 2025 لم يورث الشرق الأوسط نصرًا، ولا استقرارًا، ولا حتى وضوحًا في الأفق. أورثه مقابر جديدة، ومدنًا مكسورة، وذاكرة مثقلة بصور لا تُمحى، وإذا لم يُكسر هذا المسار، فسيظل كل عام قادم يحمل الاسم ذاته، وإن اختلفت التواريخ، فالأرقام العالمية تؤكد هذا المسار القاتم. إذ توقع صندوق النقد الدولي، أن نمو الاقتصاد العالمي حتى عام 2026 لن يتجاوز حاجز 3 % سنويًا، وهو مستوى أدنى بكثير من معدلات ما قبل كوفيد19. والآن تعاني أكثر من 60 % من دول العالم مستويات دين غير مسبوقة، بينما أدت الصراعات الجيوسياسية منذ 2021 إلى رفع أسعار الطاقة والمواد الغذائية بنسبة تراكمية تجاوزت 35 في المئة. العالم لا ينمو بقدر ما يحاول البقاء متماسكًا.
ولعل حرب أوكرانيا تمثل المثال الأوضح على كلفة القرار الخاطئ. الاقتصاد الأوكراني انكمش بأكثر من 30 % خلال عام واحد، وتجاوز حجم الدمار في البنية التحتية 150 مليار دولار، ليضطرب العالم بأسره عبر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وارتفاع رسوم الفائدة والتضخم المميت. وفي المقابل، دفعت أوروبا ثمن الحسابات السياسية المتسرعة بتضخم تجاوز 10 % في بعض الدول، إذاً لم تكن الخسارة محصورة في ساحة المعركة، بل شملت منظومة اقتصادية كاملة.
وقفة: كما يقول المثل: "الحرب أولها كلام… وآخرها ندم". غير أن الندم، حين لا يُترجم إلى تغيير في طريقة صنع القرار، يصبح مجرد فصل أخير في مأساة مرشحة للتكرار.. فالإحساس بأن عام 2025 يشبه ما قبله ليس وهمًا بصريًا ولا ركودًا في الأحداث، بل نتيجة طبيعية لعالم لم يحسم خياراته بعد لتبقى الحقيقة البسيطة التي أثبتها التاريخ مرارًا: لا اقتصاد ينتصر في الحرب، ولا مجتمع يزدهر وسط الضباب. فـ"لا نجاح في الحرب، ولا سلام في الجهل"؛ لتظل الإنسانية تدفع الفاتورة… مرة بالمال، ومرة بالدم، ودائمًا بالمستقبل، ليكون عام أورثنا فيه وبعده الموت.



ساحة النقاش