إبراهيم أحمد

الأسرة، المعرفة، الحياة

لقد فاجأ شعب مصر العالم بثورة شعبية هى الأولى من نوعها، ثورة شعبية سلمية تطيح بالنظام الحاكم. التاريخ يقول أن الثورات الشعبية أمامها طريق طويل و مؤلم لكى تتحول إلى الديمقراطية، هل يفعلها المصريون و يتحدون التاريخ بطريقتهم الخاصة. هل يفعلها المصريون و يقطفون ثمرة ثورتهم و هى الحرية و الديمقراطية بثورة شعبية طاهرة تتوق إلى الحرية و الكرامة بدون فوضى.

 

الكثير منا يطمح بل يجزم أن ثورة 25 يناير 2011 سوف تؤدى حتما إلى نظام ديموقراطى حر. بالطبع هذا الطموح فى ثورة تؤدى إلى ديموقراطية، طموح رائع و ملهم لنا جميعا، و لكن بعيدا عن الطموحات و الآمال و المشاعر الملتهبة، وعلى أرض الواقع، ماذا يمكن أن ينتج عنه ثورة شعبية تطيح بالنظام الحاكم فى مصر؟

لا أحد يمكنه التكهن، و لكن ألم نتعلم أن التاريخ دائما ما يعيد نفسه؟ دعونا نرى ما آلت إليه ثورات أخرى مضت.

الثورات لا تؤدى حتما إلى الديموقراطية، بل لم يحدث أن تحولت أى بلد إلى نظام ديمقراطي عن طريق ثورة! فى القرن العشرين، الثورة الروسية و الثورة الصينية و الثورة الإيرانية - و هى ثورات شعبية و ليست إنقلابا عسكريا أدى إلى ثورة مجتمعية و سياسية و إقتصادية كما حدث فى ثورة يوليو52 - تلك الثورات الشعبية لم يولد منها نظام ديمقراطى حر بل استبدلت نظاما شموليا بنظام شمولي آخر.

هذه الحقائق التاريخية لا يجب أن نستعملها لدعم الرأى القائل ببقاء النظام مع إحداث تغييرات إصلاحية، ولا لكى ننتقص من حجم و أهمية الثورة و لكن فقط لاستقراء صعوبة الحصول على نظام ديموقراطى من خلال سقوط السلطة الشرعية للنظام الحالى و ما يستتبعه من فوضى - لا نعلم كم سوف تدوم - ناتجة من الصراع على السلطة.

لا ننسى أن الثورة تعطى قوة و سلطان للشعب، و هذا فى عالم مثالي أو المدينة الفاضلة شيئ رائع و مرغوب فيه و لكن فى الوقت الراهن من قال إن الشعب المصرى سوف يوحد كلمته و يدعم جهة واحدة و الدفع بها للحكم، هل يوجد دلائل على ذلك فى ظل الأحداث الجارية؟ من قال أن المصريين لن ينقسموا على أنفسهم و  لن تقوم ثورات لفئات من الشعب تدعو إلى سقوط الأنظمة المستقبلية و أن يستمر الحال فى فوضى من الثورات و المظاهرات المطالبة بسقوط هذا النظام أو ذاك. حتما سوف يحدث ذلك بعد أى ثورة شعبية و لكن هل تستمر هذه الفوضى شهورا أم سنوات لكى تستقر مصر فى نهاية الأمر. و هل تتحمل الفئات الفقيرة فى مصر - التى تمثل أكثر من 40 فى المئة ن الشعب المصرى - تدهور الإقتصاد الناتج من هذه الفوضى؟

الثورة الفرنسية بكل ما فيها من مثالية - الإخاء، الحرية، المساواة - استمرت فى فوضى عارمة من القتل و الإغتيالات و الدمار الذى حصد 2.5 مليون فرنسى من أصل 28 مليون فى خلال 25 سنة، و لم يحصلوا بعد هذه الثورة على نظام ديمقراطى بل على حصلوا على "نابليون".

الثورة البولشيفية فى روسيا استمرت فى فوضى 10 سنوات من سنة 1918 إلى 1928، عانى فيها الشعب الروسى من حروب و فوضى و ثورات مضادة أضنت حياة عشرات الملايين من الروس. ثم جاء "ستالين"!

الثورة تعنى بمعناها الحرفى - بخلاف شعاراتها المثالية و أهدافها الإنسانية - تعنى هدم النظام الحالى و الإطاحة بكل رموزه سواء بالتهميش، الإقالة، النفى، أو الإغتيال، و إحلال هذه الرموز برموز أخرى.

النخبة الحالمة المثالية المعتدلة التى قامت بالثورة غالبا ما تذهب هى الأخرى عقب الثورة مباشرة و تبقى رموز ذات فكر ثورى متطرف يغلب عليها الرفض التام للحوار أو المفاوضة و طبعا ترفض تماما التعايش السلمى من أجل إصلاحات بطيئة و لكن مضمونة.

الطريقة المثلى من أجل تغيير حقيقى فى نظام الحكم يستلزم تغييرات فى المجتمع على أن تكون التغييرات بطيئة و بإجماع الرأى العام لكى لا تحدث فرقة، و أن تكون التغييرات جدية و بضمانة الشعب نفسه سواء بالإعتصامات أو التظاهرات السلمية، و طبعا هذا يستلزم صبر و إصرار على الإصلاح و يستلزم أيضا نشر الوعى فى المجتمع المصرى بما نحن مقبلين عليه من تغييرات و إصلاحات سياسية لكى يتمكن الشعب من استيعاب تلك التغييرات.

التحول إلى الديمقراطية يستلزم إصلاح سياسى و أحزاب سياسية معارضة حقيقية، و مجتمع مدنى ناضج، جامعات و نقابات تمارس فيها حرية الإنتخاب، و فوق كل ذلك تتطلب قيادة قوية لها شعبية.

إذا لم يستوعب المجتمع التغييرات المطلوبة للتحول إلى الديمقراطية و كيفية التغيير السلمى بالإجراءات الشرعية سيدخل المجتمع فى حالة فوضى و إنعدام الأمن الذى سيتطلب - كضرورة حتمية - سيطرة قوة ديكتاتورية أخرى لتوفير الأمن الغائب.

لقد فاجأ شعب مصر العالم بثورة شعبية هى الأولى من نوعها، ثورة شعبية سلمية تطيح بالنظام الحاكم. هل يفعلها المصريون و يتحدون التاريخ بطريقتهم الخاصة. هل يفعلها المصريون و يقطفون ثمرة ثورتهم و هى الحرية و الديمقراطية بأقل خسائر و دون الدخول فى عصر من الفوضى و الديكتاتورية.

المصدر: إبراهيم أحمد
  • Currently 106/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
34 تصويتات / 1107 مشاهدة
نشرت فى 12 فبراير 2011 بواسطة ibrahim

الترجمة

عدد زيارات الموقع

685,297