لقد إخترت السقوط لأننا لم نقع في فخ الغربة بل سقطنا سقوطاً حقيقياً مروعاً فأنا وغيري كثيرون أما ولدنا خارج بلداننا أو غادرناها اطفالاً صغارأ .. أطفالاً لم تسعفهم ذاكرتهم الوليدة لحفظ أياً من ملامح تلك البلاد التي يحملون هويتها .
عندما كنت صغيرة وبدأت بالتعرف على العالم من حولي كنت الآحظ مدى إختلافي عمن حولي في كل شئ ولم أكن اعرف السبب كبرت قليلا وعرفت أنني مختلفة لأني لا أنتمي إلى هذا المكان في حقيقة الأمر فهذه ليست بلادي وهذا ليس مجتمعي وهم لا يشاركونني الثقافة ولا اللهجة ولا كثير من العادات التي كانت تطبق في منزلنا .. سألت والداي فكانت الإجابة أننا من بلد آخر ونحن هنا لأن أبي يعمل , وكان أول سؤال بدر مني لماذا لا يعمل في بلدنا ؟؟ فقالو لي أن هذا نصيبنا وكم كان الرد مبهما ومحيراً بالنسبة لي فسألت وهل سنبقي هنا دائماً فأجابوني أنها فترة وجيزة وسنعود إلى بلدنا .. كم كنت أحلم وأتمني أن تنقضي تلك الفترة الوجيزة لأعود لمجتمعي الحقيقي وأعيش كما يعيش رفاقي مع أعمامهم وخالاتهم وأجدادهم كم كنت أشعر بنقص شديد وألم أشد كلما حكت لي صديقة عن هدية مقدمة من عم أو زيارة ممتعة لبيت الخالة أو ليلة دافئة قضوها في منزل الجد ...ينفطر قلبي الصغير ألماً وهم يسألونني عن بلادي التي لا أعرف عنها شيئاً فكانت الأيام تمضي سريعاً بطيئاً وكلما سألت عن العودة جاءت الإجابة بأنها قريباً حتي بت أكره ذلك القريب الذي لا يأتي .. وكلما تخطيت مرحلة تعليمية كنت أهرب من سؤال الرفيقات الدائم إن كنت سألتحق بهن في المرحلة المقبلة ؟؟ وكانت إجابتي دوما بأني غالباً سأعود وتبدأ مرحلة وتنتهي أخرى ولا نعود ... ولدت في الغربة وأكملت بها كل مراحلي التعليمية وبدأت حياتي العملية وتزوجت وقررت أن أعود وقد تخطيت السابعة والعشرين عاماً وأنا لم أرى بلدي ولو لمرة واحدة ولا أعرف عنها إلا كل ما هو جميل فالناس في بلدي جميعهم طيبون والحق والعدل في بلدي أساس الحياة وحتى الماء في بلدي أعذب من كل ينابيع العالم هكذا كانت بلدي في مخيلتي فهكذا قد خبروني .... يتبع


ساحة النقاش