محمد شهاب- المزارع السمكية Mohamed Shihab -Aquacultures

يعرض الموقع الأحدث من ومقالات و صور و مواقع تخص الاستزراع السمكى

 

زراعة الأعشاب البحرية "أسرع" مصادر الغذاء نموا في العالم
إعداد/محمد شهاب

تستقبل المرءَ المياه الزمردية الخضراء والقوارب المتمايلة في الطريق إلى جزيرة بامبان، والمعروفة أيضا باسم راميشوارام، وهي موقع حج مقدس في ولاية تاميل نادو. ولكن تحت سطح البحر مباشرة، هناك تغيير يجري من الممكن أن يغير النظام البيئي والاقتصاد وحتى المطبخ في المنطقة، فهذه القرى الساحلية هي موطن ازدهار الأعشاب البحرية في الهند. ورغم أن الأعشاب البحرية تستخدم في الطب الشعبي الهندي لآلاف السنين، فإنها لم تلعب أبدًا دورا كبيرا في الثقافة الهندية كما هي الحال في البلدان الآسيوية الأخرى. ومع ذلك، فإن قطف الأعشاب البحرية من أجل العلاجات التقليدية هو ممارسة قديمة على امتداد المستوطنات الساحلية مثل جزيرة بامبان وخليج منار، وهي منطقة غنية بالتنوع البيولوجي. هنا، قام السكان المحليون على امتداد التاريخ بجمع الأعشاب البحرية البرية الطبيعية الأصلية في المنطقة. وتتجه الهند إلى هذه القرى كنموذج لزراعة الأعشاب البحرية، التي أصبحت على الصعيد العالمي القطاع الأسرع نموًا في إنتاج الأغذية، حيث تزداد بنسبة ثمانية في المئة كل عام.

ولطالما اقترح الباحثون في الهند زراعة الأعشاب البحرية كشكل من أشكال الزراعة المستدامة؛ فالكثير من سواحل الهند مثالية لزراعة الأعشاب البحرية مع وجود الطقس الاستوائي المناسب، والمياه الضحلة ووفرة من المغذيات التي تعيش عليها هذه الأعشاب.

وتعتبر منطقتا غوجارات وتاميل نادو موطنًا لأعلى تنوع بيولوجي لأعشاب البحر في البلاد؛ حيث تم الإبلاغ عن حوالي 282 نوعًا على طول ساحل تاميل نادو البالغ طوله 1000 كيلومتر (621 ميلاً). ويزدهر ما يصل إلى 841 نوعا من الأعشاب البحرية على طول الساحل الهندي، على الرغم من أن عددًا قليلا فقط منها يتمّ زراعته. ويمكن أن تكون هذه الفوائد كبيرة؛ فاقتصاد الهند زراعي، مع 60 في المئة من أراضيه تستخدم للزراعة. ولكن ما يقرب من 47 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد تُفقد بسبب تدهور جودة التربة. إن التعرية المائية هي المسؤول عن أكثر من ثلث هذه الخسارة ــ ولكن عبر الأعشاب البحرية، يمكن أن تكون المياه أيضا جزءًا من الحل.

يقول ديناباندهو ساهو، عالم النبات في جامعة دلهي الذي دافع عن الحاجة إلى "ثورة زرقاء" في الزراعة الهندية: "[الأعشاب البحرية لديها] قدرة فطرية على مكافحة سوء التغذية كونها مصدرًا مثاليا لليود والفيتامينات والبروتينات". ولعل هذه الثورة تقترب؛ حيث أعلنت الحكومة الهندية هذا الصيف عن نحو 87 مليون دولار (65 مليون جنيه استرليني) في شكل إعانات لمبادرات زراعة الأعشاب البحرية على مدى السنوات الخمس المقبلة.

إن القيمة الغذائية لأعشاب البحر أكبر بكثير من جاذبيتها الوحيدة كمحصول؛ فالأعشاب البحرية تكتسب طاقتها من خلال التمثيل الضوئي، بطريقة مماثلة للنباتات (على الرغم من أن الأعشاب البحرية هي في الواقع طحالب كاملة). وتمتص الأعشاب البحرية ثاني أكسيد الكربون، وتحول الكربون إلى سكريات للطاقة، وتطلق الأكسجين في الماء.

الأعشاب البحرية "يمكن أن تساعد في تجميد السحب"

وكان يُعتقد في السابق أن الكثير من الكربون المخزن في الأعشاب البحرية سيتم إطلاقه في نهاية المطاف مرة أخرى عندما تتحلل الطحالب في المحيط. ولكن اكتشاف كميات كبيرة من الأعشاب البحرية الميتة في عمق رواسب قاع المحيط أظهر أنه عندما تموت الأعشاب البحرية، ينتشر الكثير منها في المحيط، مستقرًا في نهاية المطاف في قاع البحر حيث ينحبس كربونها في الرواسب.

ونتيجة لذلك، تم تحديد زراعة الأعشاب البحرية كبالوعة كربون يمكن أن تساعد في التخفيف من تغير المناخ، وفقًا لبحث أجراه عالم البيئة في الأعشاب البحرية دورتي كراوس-جنسن وزملاؤه في جامعة آرهوس في الدنمارك.

وبصرف النظر عن تخزين الكربون، تشكل الأعشاب البحرية إحدى قواعد شبكة الأغذية البحرية، جنبًا إلى جنب مع العوالق النباتية، وتوفر الغذاء والمثوى لعدد من الحيوانات البحر. ولكن على كل ما لها من جاذبية، فإن استيعاب زراعة الأعشاب البحرية في الهند بدأ بداية بطيئة.

بعض الجهود الأولية كانت في عام 1987، عندما تم الحصول على أنواع الكابوفيكوس ألفاليزي، وأصلها في الفلبين، من قبل معهد بحوث الملح البحري والبحوث البحرية المركزية (CSMCRI)، وهو جزء مختبري من مجلس البحوث العلمية والصناعية في الهند. وكان القصد من ذلك تلبية الطلب المتزايد على الأعشاب البحرية المستخدمة في تصنيع مادة هلامية تعرف باسم هلام أجار - وهو هلام له العديد من الاستخدامات بما في ذلك الغذاء، ومستحضرات التجميل وفي المختبرات لزراعة الكائنات الحية الدقيقة.

فيروس كورونا: فقراء الهند يخافون أن يقتلهم الجوع قبل المرض

وبعد عقد من التجارب المخبرية والميدانية في بورت أوخا في غوجارات، تمّ استقدام الأعشاب البحرية في ماندارام، تاميل نادو، في عام 1997 بـ 5 غرامات فقط من البذور، كما يقول إسواران ك، العالم في محطة أبحاث الطحالب البحرية التابعة لمعهد بحوث الملح البحري والبحوث البحرية المركزية، والذي أمضى السنوات الـ 27 الماضية في ماندابام يدرس الأعشاب البحرية.هذه الغرامات الخمس من البذور التي تم نشرها، أسفرت على مرّ السنين عن مزارع ناجحة لاستنبات الأعشاب البحرية على طول 100km من خط الساحل بالقرب من خليج بالك.

لكن جني الأعشاب البحرية على نطاق واسع لم يبدأ إلا بشكل جدي في حوالي عام 2000، عندما رخص معهد بحوث الملح البحري والبحوث البحرية المركزيةاستخدام تلك التقنية لشركة بيبسي كولا، التي كانت مهتمة باستخدام الأعشاب البحرية ليس كمحصول غذائي ولكن لإنتاج الكاراجينان، وهو مركب يستخدم في الأغذية ومستحضرات التجميل والصناعة. "هذا يبشر بزراعة تجارية للأعشاب البحرية في الهند" كما يقول إسواران.وقامت شركة بيبسي كولا ببيع حقولها لأعشاب البحر في عام 2008، والتي تم شراؤها في نهاية المطاف من قبل شركة AquAgri، وهي واحدة من أوائل الشركات الهندية التي تغامر بزراعة الأعشاب البحرية التجارية. ولدى الشركة الآن 18 موقعا لزراعة الأعشاب البحرية في تاميل نادو، وهو ما يوفر فرص عمل لـ 650 من الصيادين، معظمهم من النساء.

وتعمل موثولاكشمي نامبوراجان في زراعة وجني الأعشاب البحرية منذ نحو 38 عاما. وفي حين أنها اعتادت أن تقضي المزيد من الوقت في المياه العميقة لجمع الأعشاب البحرية، فإنها الآن تتجنب الأمواج العاتية، إذ إن العمل يتطلب جهدًا جسديا كبيرا.وتقول موثولاكشمي نامبوراجان: "أفضّل أن أكون قريبة من الشواطئ أقضي وقتي في تقديم الطعام للطوافات".ومن طوافات الخيزران العائمة هذه، حيث الأعشاب البحرية تنمو على طول الحبال المثبتة بمراس حجرية، تقوم نامبوراجان بتجفيف وتنظيف ما يصل إلى 50 كيلوغرام (ما قيمته 149 دولارا) من الأعشاب البحرية في اليوم.

لقد كان للطفرة في زراعة الأعشاب البحرية أثر اجتماعي واقتصادي إيجابي على المجتمعات الساحلية في الهند، ولا سيما بين النساء مزارعات أعشاب البحر، مما ساعدهن على زيادة استقلالهن الاقتصادي.

هناك ما مجموعه 1200 أسرة تعمل في زراعة الأعشاب البحرية على طول سواحل تاميل نادو، كما يقول إسواران. وقد تم تزويد كل منها بـ 45 حصيرة (طوافة) عائمة من الخيزران لزراعتها وحصادها، واحدة في اليوم. كل حصيرة عائمة عادة ما تنتج 200 كيلوغرام، منها 50 كيلوغراما تستخدم لبدء زراعة الطوافة المقبلة. ومن المقرر أن تنمو زراعة الأعشاب البحرية بشكل أكبر في الهند، وخصوصا في ظل عمل معهد بحوث الملح البحري والبحوث البحرية المركزية مع وزارة الثروة السمكية لبدء زراعة الأعشاب البحرية من الأنواع المحلية والغريبة على حد سواء على طول 100 كم (62 ميلاً) على امتداد الشاطئ.وليس متوقعًا أن تكون الأعشاب البحرية مصدرا للغذاء فحسب، بل ستكون مصدرا للوقود الحيوي، والأسمدة الحيوية، وغيرها من المنتجات.

من هم الفقراء في الهند؟

وفي حين أن الوقود الحيوي للأعشاب البحرية لا يزال يجري العمل لإنجازه بالكامل لجعله مجديًا اقتصاديا وبيئيا، فقد ثبت أن الأسمدة الحيوية السائلة أظهرت زيادة غلة المحاصيل وتم طرحها في السوق.ومع ذلك قد تأتي زراعة الأعشاب البحرية مع سلبياتها البيئية الخاصة. فقد ثبت أن النمو البري غير المقيد لأعشاب البحر يضرّ بالشعاب المرجانية في منطقة البحر الكاريبي، في حين يبدو أن بعض الأسماك التي تعيش في الشعاب المرجانية تفضّل الشعاب المرجانية التي لا تعيقها أو تقيدها الأعشاب البحرية.

وفي خليج مانار في الهند، أثيرت مخاوف من أن الشعاب المرجانية حول جزيرة كوروزاداي كانت تعاني من غزو الأعشاب البحرية التي تسربت من الزراعات القريبة، على الرغم من أن دراسة حكومية أجريت حديثا أشارت إلى أن مساحة صغيرة فقط مكونة من 77 مترا مربعا (828 قدما مربعة) قد تأثرت.ويشير إسواران إلى أن استخدام مضخات الشفط لالتقاط أي أوراق أو أغصان شاردة من الأعشاب البحرية يمكن أن يساعد في تقليل خطر تكوّن وتراكم الأعشاب البحرية المزروعة وسط الشعاب المرجانية.

ووفقاً لآخر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن تجارة الأعشاب البحرية، فإن سوق الأعشاب البحرية العالمية سريعة النمو تزيد بالفعل على ستة مليارات دولار (4.5 مليار جنيه استرليني) سنويا.وتقدّر قيمة الأعشاب البحرية الحالية في الهند بنحو 500 مليون دولار (370 مليون جنيه استرليني)، على الرغم من تذبذبها في السنوات الأخيرة.

ويقول مؤسس شركة "أكواغري"، إبرهيم سيث: "في عام 2013، تم جني ما يقرب من 1500 طن متري من الأعشاب البحرية. ولكن بعد ذلك، ساهمت ظاهرة النينو والاحتباس الحراري العالمي في زيادة درجة حرارة المحيطات. وقد أدى ذلك إلى انخفاض الغلة في السنوات التالية".

ويضيف إسواران أن هناك أيضا ندرة في جودة البذور بعد الموت الجماعي للنباتات في 2013-2014 بسبب ارتفاع درجات حرارة البحر.

لقد أضرّ ذلك بالقدرة على التكاثر وقوة أنواع من الأعشاب البحرية مثل كابافيتي ألفاليزي. "للتغلب على ذلك، نعمل على تطوير سلالة مقاومة للحرارة وإنشاء بنك بذور وظيفي"، كما يقول إسواران، على الرغم من أن هذا العمل لا يزال في مراحله الأولى.

وبالنسبة لطعام مهمل تاريخيًا في المطبخ الهندي، من المقرر أن يكون للأعشاب البحرية تأثير ملحوظ على سواحل البلاد. وبما أن هذه الطحالب يمكن أن تساعد في حبس الكربون وإنقاذ الأراضي الزراعية، فربما تستحق مكانة أكبر على موائد الطعام.

 

المصدر: BBC

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

1,166,566