ـ حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتا.

 

 

بهذه الكلمات كانت الصغيرة (صباح) تتغنى في بيتها الريفي في قريتها، وهي لا تعرف معنى هذه الكلمات ولا تعرف

 

مَن الذي غَـنَّاها، ولكنها ترددها لأنها تشعر بموسيقاها

.

في وسط الدار ظلت الصغيرة تردد هذه الكلمات، فسألتها أمها: إنتي يا بت، بتقولي إيه؟ فترد: أغنية سمعتها في

 

الراديو عن الحب يامه. قالت الأم بغضب: حب !! حب إيه يا مقصوفة الرقبة؟!! خلي بالك من دروسك، دا لو أبوكي

 

عرف إنك بتتكلمي عن الحب هيكسر رقبتك، ياللا عشان نخبز العيش أحسن خميرته زادت

.

انخرطت الصغيرة فيما أمرتها أمها به مِن عَجْن وخبز ولكنها تَشْرُد مِن حين لآخر وتتمتم: حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتا.

 

 

ولا تزال الأم تنهرها كلما سمعتها تردد كلمات الحب وتقول لها في غيظ: أنا مش قلتلك إنسي الكلام ده؟ إوعي

 

تقوليه تاني، يا بت الكلام ده كبير عليكي، حب إيه يا ولاد... والله دي مسخرة، دا الواحدة فينا يا ولاد لغاية ما تموت

 

 

ماتقدرش تنطق بكلمة عن الحب حتى لجوزها، جيل اليومين دول جيل متعفرت

 

!!!

 

صباح تردد كلمات الحب حتى وهي متجهة إلى المدرسة، وتقص على زميلتها انشراح ما دار بينها وبين أمها، فتقول

 

انشراح في هيام: أنا والله لما أكبر لازم أتجوز واحد أكون بحبه، الحب يا بت يا صباح حاجة حلوة خالص، أنا بشوف

 

مِرَاتَ أخويا بتاعة البندر وهيه كل شوية تقول له قدامنا: اتفضل يا حبيبي، خد من إيديا يا حبيبي. وهوا بيضحك معاها

 

ويقول: مِنْ عينية حاضر يا روحي. يا بت يا صباح كلامهم حلو خالص خالص

 

.

 

 

وقع هذا الكلام على قلب صباح كالبلسم وشفى ما في صدرها من شوق للحديث عن الحب.

 

 

 

تصطف البنات في طابور الصباح في مدرسة البنات الإعدادية والتي تقع في أطراف القرية، ويلقي على مسامعهن

 

كلمات الإذاعة المدرسية بعض الطالبات المكلفات بإذاعة اليوم، ولكن صباح في وادٍ آخر، نظر إليها المعلم الواقف

 

أمام فصلها ونادى عليها منبهًا إياها لتنتبه من شرودها فتومئ إليه بالتفهم، ثم لا تمر لحظات حتى تسرح بخاطرها

 

 

مرة أخرى.

 

 

 

وفي الفصل يكلف الأستاذ محمد رائد النشاط ـ وهو معلم اللغة العربية ـ صباح وانشراح بإعداد إذاعة مدرسية مميزة

 

 

للأسبوع القادم.

 

 

وعلى الفور في الفسحة الأولى توجهتا إلى مكتبة المدرسة لجمع مقالات وطُرَف وعَقْدِ لقاءات مع بعض المعلمين المميزين تجهيزًا للإذاعة.

 

 

 

وفي اليوم المقرر لإذاعة فصلها ذهبت صباح مبكرة لتجهز إذاعة فصلها، وبعد أن بدأت إذاعة الصباح كالعادة بالقرآن

 

 

الكريم ثم الحديث النبوي الشريف تلاهما كلمة ثم حوار مع أستاذ اللغة العربية الذي كان المفضل لدى تلميذات

 

الفصل، وهو شاب وسيم يمتاز بقرض الشعر وحسن إلقائه، وبعد أن ألقى على مسامعهن أبياتا من الشعر نالت

 

 

إعجابهن فاجأته صباح بسؤال: أستاذ، أنا سمعت أغنية بتقول: حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتا، فما معنى هذا الكلام؟

 

 

 

 

 

وما معنى الحب؟

 

 

بُهِتَ الحاضرون من المعلمين والطلاب والحاضرات من المعلمات والتلميذات وشُدَّتْ أنظار الجميع نحو المعلم الذي

 

دهش لجراءة السؤال وغرابة موضعه، احمر وجهه خجلاً وتلعثم، وصمت برهة وقال في نفسه: يا له من مَطَب !! ما

 

هذا السؤال؟! يالجراءتك يا صباح

 

!!

بعد برهة جمع المعلم شتاته وقال: الحب شيء جميل، خلقه الله تعالى وغرسه في نفوس البشر لتكون الحياة

 

 

سعيدة، فالحب موجودٌ حتى في الحيوانات، ومن الحب حنان الأم على صغارها، وذكر الله تعالى الحب في القرآن

 

في أكثر من موضع وأطلق عليه اسم المودة و الرحمة، وكذلك حث الرسول على المحبة فقال: لا تؤمنوا حتى تحابوا

 

.

 

 

 

اعتقد المعلم أنه قد نجا من إحراج السؤال ولكن صباح ألقت عليه السؤال الثاني: فما معنى الأغنية يا أستاذ؟ قال

 

 

المعلم وهو ينظر إليها ببعض الضجر: هي أغنية غنتها مغنية اسمها فيروز، ولا أعرف مقصدها ولكني أعتقد أنها

 

 

تعني أن الحب يكون في كل فصول السنة وعلى مدار الأيام وليس في وقت محدد، فهو عطاء بلا توقف، ولو توقف

 

 

الحب بين الناس لأصبحوا جمادًا بلا مشاعر، وفي الدراسة أيضًا إذا أحب الطالب أو الطالبة المادة التي يدرسها فإنه

 

يبرع ويبدع فيها.

 

 

ثم توجه المعلم إلى الحاضرين خطيبًا: أبنائي وبناتي، أحبوا الأرض والقرية، أحبوا العلم والمدرسة، أحبوا آباءكم

 

وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وزملاءكم، أحبوا الحياة.

 

 

 

ثم ترك المعلم الإذاعة مسرعًا إلى خارج الطابور خوفًا من أسئلة صباح المتتابعة المحرجة، وانفض الطابور إلى

 

 

 

 

الفصول

 

.

وفي الصف الثالث الإعدادي دخل معلم اللغة العربية الفصل، وإذا بطالب يطلب منه تفسير ما ذكره بالطابور فهو لم

 

يفهم جيدًا ماذا يقصد، المعلم يعرف هذا الولد جيدًا، هذا هو سامي الذي لا يتحرج من توجيه أي سؤال، رغم أنه

 

طالب مُنْزَوٍ صموت ولكنه أفاق للحظات من غيبوبته الفكرية ليسأل: لماذا يتكلمون عن الحب؟ ثم يقول في انفعال

 

وبالفصحى كما عودهم المعلم على النطق بها: ما هذا الكلام يا أستاذ؟!! هذا كلام لا ينبغي أن يُطْرَح في المدرسة

 

أو في الطابور، هل تُعَلمنا الحب من الآن؟!!

 

 

 

قال المعلم في هدوء: يا سامي، أَلَمْ يقل الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ـ: أَلا أَدلكم على شيء إذا فعلتموه

 

 

تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. الحب يا سامي شيء راقٍ وجميل، يجعلك منشرح الصدر هادئ النفس، ولكني أقصد

 

الحب الشائع، حب الحياة حب الناس حب خدمة الناس.

 

 

يدور رأس سامي ولا يعلق بكلمة، فهو يتكلم عن نوع من الحب يفهمه هو والآخرون من زملائه وزميلاته، والمعلم

 

يتكلم عن حب آخر لا يفهمونه، فيعود سامي للانزواء والصمت الرهيب.

 

 

وفي غرفة المعلمين يُعَلق أحد المعلمين على إذاعة معلم اللغة العربية قائلاً: يا أستاذ، هذا الموضوع الذي أسهبت

 

فيه موضوع شائك وخطير، رغم أنك خرجت منه بأمان، ولكني أنصحك بألاَّ تغامر مرة أخرى.

 

 

وَصَل أيضًا تنبيهٌ من ناظر المدرسة إلى الأستاذ محمد بعدم خوضه في مثل هذه المواضيع مرة أخرى أو الانسياق وراء أسئلة الطلاب والطالبات المحرجة.

 

 

وفي منزل صباح وبلا قصد روت لأبيها ما دار في المدرسة بشيء من الافتخار بأنها وجهت هذه الأسئلة لمعلمها،

 

 

وعلى طبلية (مائدة) العشاء وعلى الضوء الخافت المنبعث من اللمبة الجاز (نمرة عشرة) فاجأها أبوها بقوله: وليه

 

 

 

أحرجتي الأستاذ يا صباح؟ ومنين جبتي الكلام ده (حبيتك بالصيف... حبيتك بالشتا)؟!! خلاص كبرتي يا صباح؟

!!

 

 

 

 

 

تسمع الأم مذهولة هذا الكلام فتبادر بتبرئة نفسها: أنا يا خويا والله حذرتها من الكلام ده ساعة ما كنا قدام الفرن بنخبز العيش.

 

 

 

لم تعرف صباح بِمَ ترد، وتجمدت الدماء في عروقها، وتمنت أن تنتهي الجلسة بسرعة وبسلام ولا يقرر أبوها إخراجها من المدرسة فكثيرًا ما هددتها أمها بهذا.

 

 

التفت الأب لابنته وهو يعرف ما يدور في رأسها وقال بابتسامة: أنا عاوزك تكتبي شعر أحسن مِن اللي سمعتيه في

 

 

الأغنية، أنا يا بنتي بحب الشعر وكنت أتمنى إني أكتبه، لكن يا صباح خللي الحب لما تكبري وتتجوزي، دا مش وقت

 

الكلام عنه، دا عيب عند الناس وأنا حاسس إن فيكي روح الشاعرات، ياللا عاوز شعر على قد ما تقدري.

 

 

لم تصدق صباح نفسها، فقد اتقد بداخلها بركان من المشاعر وشوق للكتابة تريد أن تخرجه على شكل أبيات شعرية،

 

 

وتسعد صباح بتشجيع أبيها لها على كتابة الشعر مع التحفظ على عدم الخوض في مسائل الحب علانية حتى تكبر وتتزوج.

 

 

ورغم ذهول الأم مما تسمع وترى إِلاَّ أن الأب قال لابنته: عاوزك زي بنت الشاطئ ونازك الملائكة.

 

 

لا تعلم صباح شيئًا عن هاتين الشاعرتين إلا أنها أومأت لأبيها بالتفهم والموافقة، ودخلت غرفتها وألقت بجسدها

 

 

الصغير على سريرها بعد أن قررت أن تعرف مَنْ هاتان الشاعرتان وما سبب شهرتهما.

 

 

 

وفي ساحة الدار يقول الأب لزوجته بصوت منخفض: يا أم صباح، مش شايفه البت كبرت، إنتي مش واخده بالك من

 

 

جسمها، لازم نقف وراها لحد ما تخلص الشهادة العالية، وربنا يعيننا على مصاريفها، أنا رأيي إن البنت من غير علام

 

زي الجاموسة في البيت، أيام زمان غير دلوقتي، ولازم أشجعها عشان تنمي موهبتها، وَلاَّ عاوزاها تمشي في

 

 

 

 

 

 

 

 

الغيط ورا البهايم؟

 

 

اقتنعت الأم بعض الشيء ثم قالت: طيب يا خويا قوم ننام أحسن إحنا سهرنا أكتر من اللازم

 

.

 

 

عند الفجر أذنت الديكة قبل مؤذن المسجد، فاستيقظ الجميع وذهب الأب إلى المسجد، وفي هذا الوقت أشعلت أم صباح الحطب في الراكية (مكان توقد فيه النيران وسط الصالة على الأرض) ووضعت غلاية الشاي فيها، استيقظت

 

 

صباح من نومها لتساعد أمها في إعداد الإفطار (لبن رايب، قشدة، جبنة قريش، بيض مقلي، ملح، فلفل أحمر، خبز مقمَّر على جمر الراكية) وهذا هو إفطار أغلب الدور في القرية.

 

 

 

تناول الجميع الفطور ثم خرجت صباح حاملة حقيبتها المدرسية المصنوعة من قماش الدَّمُّور القوي متوجهة إلى مدرستها، وفي الطريق حكت لزميلتها انشراح حوار الأمس مع أبيها، وفي غرفة الفصل توجهت لأستاذ اللغة العربية

 

 

بسؤالين: مَنْ بنت الشاطئ؟ ومَنْ نازك الملائكة يا أستاذ؟

أثار هذا السؤال انتباه الطلاب والطالبات ومنهم ذلك الطالب الـمُغيَّبُ نفسه فجمع أشلاء تفكيره ونظر باهتمام للمعلم

 

 

في انتظار الإجابة، وقام ولدٌ آخر يبدو عليه مهتمًّا بالأمر، فسأل المعلم: مَنْ هاتان اللتان تتحدث عنهما زميلتنا يا أستاذ؟

أطرق المعلم قليلاً ثم قال: بنتُ الشاطئ هي الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن، أستاذة جامعية مصرية وأديبة

 

كبيرة، تخرجت في جامعة الأزهر، وعَمِلَتْ في جامعة الزيتونة بالمملكة المغربية، أبوها ـ رحمه الله ـ كان معلمًا للغة

 

 

 

عربية بالمعاهد الأزهرية، وكان أديبًا أيضًا، وبنت الشاطئ لها العديد من المؤلفات الأدبية.

 

 

 

أما نازك الملائكة فهي شاعرةٌ عراقية لها الكثير من دواوين الشعر وهي من الرائدات في كتابة الشعر الحديث.

جاءت مع أسرتها إلى القاهرة، وعملت أستاذة للأدب العربي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

 

 

استمعت صباح لما قاله المعلم باهتمام شديد، ثم قالت في نفسها: لهذا أراد أبي أن أكون مثل هاتين الأديبتين. وأقسمت في نفسها أن تكتب الشعر وتُبْدِع فيه بإذن الله.

 

 

وبدأت تبحث في مكتبة المدرسة عن كتب لهاتين الأديبتين، ولكنها لم تجد شيئًا فتوجهت لمعلمها وطلبت منه فأجاب طلبها، وهي تسعد بما تقرأ وتحكي لأبيها مراحل تقدمها في مجال الأدب والشعر خاصة، وبدأت تكتب بعض الخواطر غير الموزونة التي نالت إعجاب أبيها فأخذ في تشجيعها.

 

 

أنهت صباح المرحلتين الإعدادية والثانوية بامتياز بل وبالمركز الأول على دفعتها، وحان وقت تقديم أوراق التنسيق للالتحاق بالجامعة، فأشفقت من حال أسرتها في المصاريف وقالت في نفسها: هل أكتفي بهذا القَدْر من التعليم؟ وفجأة يوقظها أبوها من غمرة التفكير قائلاً: مَالِك يا صباح؟ قالت: بلاش أقدم في الجامعة يابا، كفاية كده عليك مصاريف.

 

 

اندهش الأب وقال في انفعال: والله لو هابيع البقرة إللي حدانا هاعلمك يعني هاعلمك إن شاء الله، لازم تاخدي الشهادة العالية وشهادة الدكتوراه كمان، فاهمة يا ست الدكتورة.

 

 

لأول مرة تخرج صباح خارج حدود القرية، وقد تقرر لها أن تدخل الجامعة في القاهرة، فرأت النيل وجمال قاهرة المعز وهي تقدم أوراقها، وفي عودتها إلى قريتها بصحبة أبيها وفي محطة القطار (محطة رمسيس) انبهرت بما رأته من

 

كَمِّ البشر وكم العراقة وكم القاطرات المتجهة للوجه القبلي والمتجهة للوجه البحري واختلاف الأجناس والقرى

 

والنجوع والملابس، وكمتذوقة للشعر تذكرت ما قاله عبد الوهاب في القطار: "يا وابور قوللي رايح على فين، عمال

 

تجري قبلي وبحري". وسرحت مع معاني الكلمات وهي تقول في نفسها: ما أجمل الشعر، وما أجمل تصوير حركة

 

القاطرات بهذا الشكل رغم عامية الكلمات. ثم نظرت لأبيها المبتسم دائما والفخور بابنته وقالت في نفسها: ربنا

 

يخليك يابا وما يحرمنيش منك ويديلك الصحة والعافية، لولا تشجيعك ما كنت شفت المحروسة ولا حبيت الشعر

 

.

استعدت صباح لبداية العام الدراسي الجديد وتم انتقالها إلى المدينة الجامعية للفتيات، وانكبت على دراسة الكتب

 

وفهمها وفي نفس الوقت لم تنس الشعر فقد كَتَبَتْ وكتبت، وبدأت تشارك في مسابقات الكلية، وساعدها على

 

 

إتقان كتابة الشعر أنها تدرس الآن مادة جديدة، هي مادة العروض والقوافي، وهي مادة تُعْنى بدراسة أوزان الشعر

 

 

وموسيقاه، كم كانت فرحتها بهذه المادة التي حفظتها عن ظهر قلب وأبدعت في تطبيقها على كل ما كتبت، فألبست

 

 

معانيها ثوب الوزن والقافية فاقتربت من تحقيق حلمها وأمنية أبيها بأن تكون شاعرة مثل الرائدات.

 

 

 

 

حانت لحظة التحول في حياة صباح، فقد دعيت كشاعرة إلى لقاءٍ شعري يجمع طلاب الجامعات فلبت الدعوة على

 

 

الفور، وفي فعاليات اللقاء استمعت إلى شاب صَعَد المنصة ليلقي قصيدة أَسَرَ بها قلبها، عَلق الشاب بذهنها من

 

حيث كونه مبدعًا ذا مشاعر جياشة، فقررت أن تكتب عن هذا الإحساس شعرًا، وقد كان.

 

 

 

في اليوم التالي لاحت لها فرصة أن تلتقي به منفردًا بنفسه وهو يفكر بعمق، تقدمت إليه فأيقظته من فكره، فنظر

 

 

إليها وهاله جمالها ورقتها، وقال في نفسه: لا يمكن أن يكون هذا الجمال الساحر الوقور إلا لشاعرة حساسة، وفي

 

 

 

 

نفس الوقت فرح فرحًا شديدًا أن مثلها تهتم بالحديث معه، فهو عادة مُنْزَوٍ لا يسعى للحديث مع الفتيات لأنه يعلم أنه

 

 

لن يستطيع كسب وُدَّهُن لفرط جديته التي تعلمها من أبيه ومن أسرته.

 

 

 

نهض من مكانه بسرعة ورد السلام ونظر في عينيها التي أخذته إلى عالـم بعيد خَشِيَ أن يرجع منه خائبًا، ابتسمت

 

 

وقالت: عجبني قوي شعرك امبارح، إنت شاعر حساس، نفسي أتعلم منك.

 

 

 

 

 

لم يصدق نفسه، فَحَدَّقَ فيها بدهشة وسرح بعيدًا بعيدًا مع صورتها وصوتها، ولكنه سريعًا قال لها: أنا تحت أمرك،

 

 

اسمك إيه؟ قالت: اسمي صباح، وطبعًا أنا عارفه إسمك مِنْ امبارح لما نادوا عليك عشان تقول قصيدتك،طبعًا إسمك

 

 

أحمد.

 

 

 

من هنا بدأت العلاقة الحميمة التي أساسها الشعر والاحترام المتبادل، تلقي عليه شِعْرها فيبدي رأيه والعكس أيضًا فيسعد برأيها وتسعد برأيه.

 

 

 

أحمد رقيق المشاعر وشاعر، نعته بهذا الكثير من أساتذة الكلية، لكنه فقير معدم، وهي لا تعرف عنه الكثير، وذات

 

 

يوم دعاها لتناول الشاي في كافيتريا الجامعة، وتبادلا الأشعار كعادتهما، ثم تطرقا إلى موضوع الارتباط، وانقبض

 

 

قلبه وهو يتطرق لمثل هذه المواضيع لأنه يعلم ما عليه حاله من عدم القدرة على تحمل أعباء الزواج، ولكنهما توصلا

 

أخيرًا إلى أن هذا الموضوع مؤجل إلى نهاية الدراسة بالجامعة وأن هناك فرصة بعد التخرج لبحث هذا الموضوع.

 

 

وفي إجازة منتصف العام تخبر صباح والدها بقصتها مع زميلها الشاعر فهي لم تتعود إخفاء شيء عنه، وأسَرَّتْ إليه

 

 

بعزمهما على الارتباط به بعد موافقته، فيسدي إليها نصيحة بالالتفات إلى دروسها وعدم الانسياق وراء عواطفها

 

 

زيادة عن الحد المطلوب وقال لها: أنا عاوزك تكوني عند قدر ثقتي فيكي، وبعد الجامعة ربنا يقدم إللي فيه الخير

 

 

.

كم كانت سعادتها بعلم أبيها بموضوع زميلها ووعده لها، وظلت على هذا الأمل وتتابعت لقاءاتهما ووعودهما

 

 

بالإخلاص لبعضهما وعدم نقض العهد.

 

 

 

وجاء العام الدراسي الأخير، وأتت اللحظة الحاسمة في اتخاذ القرار، ولكن الشاعر اصطدم بالواقع الأليم، هل

 

 

يستطيع ذلك المسكين تجهيز شقة أو شبكة أو مهر أو تكاليف الزواج؟ بالتأكيد لا يستطيع، لأنه لا يملك المال ولا أحد

 

 

 

 

 

سيساعده، إن أحلامهما على وشك الانهيار، أبوها يطالبها بأن تطلب منه الإقدام على خِطْبتها متسلحًا بتكاليف

 

 

الزواج أو على الأقل تكاليف الخطوبة، والأم تعرض على ابنتها أسماء وأشكال الخاطبين المتراصين على الباب،

 

 

ومنهم المهندس والطبيب والمعلم الثري وصاحب الأملاك، والشاعرة تأبى إلاَّ أن تكون وفية لأحمد، وأحمد لا يقوى

 

 

على الإقدام على خطوة يعلم عواقبها، لأنه يعرف معنى الإقدام وما يعقبه من التزام.

 

 

 

 

ظل الشد والجذب بينهما، بين خيالاتها وواقعيته، ومن وقت لآخر تشكو إليه أن الناس في القرية لم يعد لهم سيرة

 

 

غير سيرتها، لماذا ترفض الخاطبين؟!! إنهم يقولون: لعل في الأمر سرًّا.

 

 

 

وفي يأس وانكسار يصرح لها بأنه ليس من القادرين على الزواج الآن، لعدم قدرته على تكاليفه، وكان وقع هذه

 

 

الكلمات على نفسها كالطعنات، وبين نزيف الدموع وتقطع الأحشاء واعتصار الألـم يودعها ونياط قلبه تتمزق من

 

 

 

اللوعة والأسى لوعد لم يتحقق، ويمضي في طريقه يلعن الفقر.

 

 

 

لم يمض أسبوع حتى أقيم حفل خطوبتها على أحد أصحاب الأملاك الذين لا يأبهون لتكاليف الزواج، وقَدَّمَ لها شبكة

 

وهدايا، وأعد منزلا مناسبًا، وبأسرع ما يمكن تم عقد قرانهما.

 

 

 

الشاعرة انخرطت في أعباء الزواج وتكاليف الحياة، ولم يعد لديها وقت لتكتب شعرًا، بل إن ذاكرتها بدأت تتفرغ من كل

 

 

خيالاتها القديمة، أوراقها اندثرت تحت كراكيب بيتها، أوزان الشعر فارقتها إلى غير رجعة، خاصمتها القوافي فلم تعد

 

 

 

 

 

 

تُحَدِّثُ خاطرها، لم يعد لها حديث إلا عن الطبخ والأكل والغسل والكي وغير ذلك.

 

 

 

وظلت منصات الشعر زمنًا طويلاً تبحث عن الشاعرة المفقودة، ولكنها لم تجدها، لأنها اندثرت وسط الزحام، ولم يعد

 

 

لها وجود لا في القرية ولا خارجها، وبقي الهاجس في نفسه يقول: هل الشعر للأغنياء فقط؟ هل يموت الشعر

 

والشعراء تحت وطأة الفقر؟

 

 

وضاعت الشاعرة إلى غير رجعة، وهو لا يملك إلا الشعر والهيام على ذكراها.

 

*****

 

 

 


القصة

المصدر: قصصى
  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 23 مشاهدة
نشرت فى 27 أغسطس 2011 بواسطة hasaneldrawy

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,796