دكتور / حسن بخيت

بوابة العرب للثروات الطبيعية

الذهب عنصر نادر ، وأكثر ندرة من العناصر التى نسميها نادرة . وهو الأكثر نقاءً من باقى العناصر الطبيعية الأخرى ، فهو لايتحد مع الأكسجين أو الكبريت أو الهالوجينات ، وإنما يوجد غالبا فى رفقة عنصر نادر آخر ، وحتى عندما يكون متناثرا فى الطبيعة وبكميات بسيطة جدا فى الصخور الحاوية بشكل حبيبات مجهرية ذات أبعاد لاتتعدى أحيانا تجمعات ذرات فإنه لايدخل فى البنيات البللورية للفلزات الأخرى ولايشكل معها مركبات ، وإنما يبقى كما هو ، ذلك الذهب الخالص .

ويحدد الأهمية الإجتماعية للذهب مبدآن هامان : قيمته المادية وقيمته الفنية وهما متشابكان بشكل وثيق ، ويحددهما الدور الذى يلعبه الذهب فى النقد وصياغة الحلى .. وأهميتة كنقد خلال أكثر من ألفين وخمسمائة عام مضت ، قد راكم فى ذاته القيم المادية والجمالية . وكان الذهب فى مصر القديمة أول ثروة معدنية لعبت دورا ساميا فى نمو الدولة وقوتها . واستخدم ذهب الصحراء الشرقية كتعبير مادى عن إرادة العظمة لدى الفراعنة ، ورمز الخلود أمام الزمن الزائل الذى أثّر على كل شيئ بإستثناء الأهرامات والذهب نفسه . وقد تم إستخراج نحو 3500 طن من الذهب على مدى ثلاثين أسرة من الفراعنة ، أى مايزيد عن إنتاج كاليفورنيا فى 100 عام .

ولم يبالغ من قال أن الذى أعطى للذهب قيمته النفيسة هم الآلهة القديمة والملوك والنساء . فإن رع إله الشمس فى مصر القديمة وملك الآلهة وسيد الكون فى ذلك الوقت كان من "الذهب" . وفى عالم هوميروس معظم الآلهة وخاصة النساء منهن كانت من الذهب أو يحيط بهن الذهب ..! . وإخترقت كلمة الذهب التوراة من أولها إلى آخرها ، وإحتلت تلك الكلمة مكانة فى التوراة لاتوجد فى أى كتاب آخر . وكانت المعابد منذ العصور الفينيقية واليهودية مكانا لتراكم الذهب ، ووضعه الملوك تيجانا مرصعة بالجواهر على رءوسهم ليزيدهم هيبة وقداسة . ويحتمل أن يكون تمسك النساء بالذهب حتى وقتنا الحالى هو لتحقيق نفس أغراض الملوك . وقد فرض التاريخ علينا بهذا الشكل المكانة السامية للذهب ، على الرغم من أن إستخداماته الصناعية محدودة جدا ويمكن الإستغناء عنه فى تلك الإستخدامات ببدائل أخرى كثيرة . ومع ذلك فسوف يظل الذهب هو المعدن المتوج على باقى المعادن ولن تتمكن البشرية من تجنب فتنته ‼

وداعب الذهب خيال ومفاهيم كل الكيميائيين القدماء وأجهدوا أدمغتهم - دون جدوى - فى تحويل بعض الأحجار العادية إلى ذهب وأطلقوا على هذه الأحجار عبارة "حجر الفلاسفة" . وجاء ورثتهم من الكيميائيين المعاصرين وبذلوا جهدا مشكورا فى محاولة تحقيق حلم أجدادهم ، ولكن فى إتجاهات أخرى تاركين "حجر الفلاسفة" للتاريخ وراء ظهورهم :

فكان الإتجاه الأول : عندما تشكلت بعثة ألمانية عام 1920 بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بتمويل من بنك فرانكفورت وبرئاسة الكيميائى فرتز هابر Fritz Haber . وتحركت هذه البعثة فى سرية تامة ونجحت فى تطوير طرقا جديدة فى تحليل مياه البحار ساعدتهم فى إكتشاف تركيزات للذهب قُدرت بحوالى 0.0000000001 جرام لكل لتر ، وتمكنوا بعد ذلك من تركيزها إلى 10000 مرة . ولكن تبين بعد ذلك أن نتيجة هذه التحاليل لم تكن دقيقة وأن تركيز الذهب الصحيح فى مياه البحار والمحيطات هو 1/1000 من التركيز المذكور الذى وصلت إليه بعثة هابر . وتوقفت بعد ذلك تلك الأبحاث لعدم جدواها الإقتصادية فى الوقت الحالى .

الإتجاه الثانى : عندما تمكن العلماء المعاصرون من الحصول على نظائر الذهب عن طريق الفيزياء النووية ، وذلك بقذف نويات معدن الإريديوم أو البلاتين أو الزئبق أو التاليوم بقذائف من النيوترونات فى مفاعلات نووية .

أما الإتجاه الثالث : كان لإستخلاص الذهب المحبوس داخل حبيبات المعادن الكبريتيدية مثل البيريت بطريقة اقتصادية – والذى يعرف بالذهب غير القابل للصهر أو الذهب الحرارى Refractory gold - ويرجع ذلك إلى أنه عندما تم إكتشاف نوعا من أنواع البكتريا تتواجد بكثرة حول وبداخل الينابيع الحامضية الدافئة ، وفى المناطق البركانية ، والمناطق الغنية بالكبريتيدات . وأُطلق مجازا عليها إسم البكتريا الآكلة للصخور ، حيث تعمل هذه البكتريا على إذابة الكبريتيدات – مثل البيريت والبروتيت والأرسينوبيريت والكالكوسيت والسفاليريت .. الخ – وتحويلها إلى محلول حامضى يحتوى على الكبريت وعلى معادن مثل الحديد أو الزرنيخ أو النحاس أو الزنك أو الكوبالت .. الخ . ولا تحتاج هذه البكتريا لتقوم بعملها سوى الأكسجين وثانى أكسيد الكربون التى تحصل عليهما من الجو بالإضافة إلى كميات صغيرة من النتروجين والفوسفور . وتم إستخدام هذه البكتريا على سبيل التجارب منذ حوالى 15 عاما فى إستخلاص النحاس من خاماته الفقيرة ومن النفايات ، وتطورت حاليا إلى تكنولوجيا واضحة بقواعدها العلمية والصناعية الثابتة ، وعرفت بإسم تكنولوجيا الأكسدة البيولوجية .ويجرى إستخدامها حاليا فى بعض مناجم الذهب فى غانا وجنوب أفريقيا . وتم إستخدام هذه البكتريا أيضا بأحد مناجم الذهب فى البرازيل هو منجم ساو بنتو Sao Bento الذى يقع على بعد 350 كيلومتر شمال ريو دى جانيرو وذلك من أجل تسهيل إستخلاص الذهب من الصخور الحاوية له . وقد بدأ التفكير فى إستخدام هذه البكتريا مع إضافة بعض التعديلات على نظام الإستخراج عندما وصلت تكلفة إستخلاص أوقية الذهب إلى أكثر من 350 دولار عام 1996 وأصبح المنجم مهددا بالتوقف . وقد كانت المشكلة هو أن الصخور الحاوية للذهب تحتوى على شوائب أهمها معدنى البروتيتPyrrhotite Fe1-xS (حيث x بين صفر ، 2 ) ، والسيدريت ( Siderite ; FeCO3 ) . ومن المعروف أنه مع إكتشاف ظاهرة ذوبان معدن الذهب فى المحاليل المخففة لسيانيد البوتاسيوم أو الصوديوم فى عام 1846 ، أن معظم عمليات إستخلاص الذهب من شوائب الصخور الحاوية له تتم بالإستفادة بتطبيقات هذه الظاهرة فى جو غنى بالأكسجين ، وخاصة بالنسبة للذهب المنثور على هيئة حبيبات دقيقة فى الصخور أو فى الرسوبيات الوديانية . وفى حالة ناتج منجم ساو بنتو فإن وجود البروتيت كشوائب كان يؤدى إلى مشاكل عديدة بالنسبة لإستهلاك السيانيد وبالنسبة لإستخلاص الذهب .حيث كان يجرى صهر الصخور بما تحويه من شوائب معدنى البروتيت والسيدريت تحت ضغط عالى ودرجة حرارة عالية فى جو غنى بالأكسجين فى أوتوكلافات Autoclaves مصممة لهذا الغرض لتسهيل عملية إستخلاص الذهب بعد ذلك عند معالجته بالسيانيد . وكانت تتلخص المشاكل فى أن أكسدة البروتيت ينتج عنها الكبريت الذى يعوق بعد ذلك عملية الأكسدة نفسها ، كما أن ثانى أكسيد الكربون الناتج عن تحلل السيدريت فى جو حامضى يؤدى إلى تقليل معدلات الأكسدة وتباطؤها، كما يزيد من معدلات إستهلاك الأكسجين . ولحل هذه المشاكل تم إستخدام البكتريا فى مرحلة سابقة للأوتوكلافات لتقوم بعملية الأكسدة فى وحدات منفصلة أُطلق عليها إسم مفاعلات الأكسدة الحيوية Biox reactors ، وبتشغيل تلك المفاعلات الحيوية جنبا إلى جانب الأوتوكلافات ، تمكن منجم ساو بنتو من إستخلاص الذهب بطريقة سهلة وإقتصادية ، وهبطت تكلفة الإنتاج لأوقية الذهب إلى 245 دولار عام 1998 بعد أن كانت أكثر من 350 دولار عام 1996 . بالإضافة إلى أن إستخدام الأكسدة البيولوجية هو إستخدام سهل وبسيط ولايحتاج إلى عمالة ماهرة ، ولايسبب تلوثا للبيئة أو أضرارا بصحة الإنسان والنبات والحيوان .

والذهب واحد من العناصر الثقيلة ، ويتميز بسهولة تشكيله وسحبه ، لدرجة أنه يمكن سحب قطعة من الذهب الخالص فى حجم رأس عود الكبريت إلى خيط رفيع جدا طوله أكثر من 3 كيلومترات ، كما يمكن طرقها إلى سطح مستوى شفاف مساحته 50 متر مسطح ، لذلك فإن الذهب يتم صياغته مع النحاس والفضة والنيكل والكادميوم والبلاديوم لكى يكتسب صلابة معقولة ورونقا جذابا تجعله صالحا للإستخدام كحلى . ومن أهم خصائص الذهب أيضا هو مقاومته العجيبة للأحماض والقلويات ، لكنه يستسلم أمام الماء الملكى aqua regia (خليط من حامضى النيتريك والهيدروكلوريك المركزين بنسبة 4:1 بالترتيب) ، ويذوب بسهولة فى المحاليل المخففة لسيانيد البوتاسيوم . ولهذه الخصائص بالإضافة إلى إمكان إستخدامه فى بعض الصناعات الإلكترونية ، فإن الذهب مع الوقت وبعد الإفراج عنه من خزائن البنوك المركزية بعد أن تنعدم أهميته كغطاء لإصدار النقد ، سوف يحتل مكانا هاما فى الإستخدامات الصناعية .

المصدر: مقتبس من عاطف هلال – كتاب الموارد المعدنية وآفاق تنميتها حتى عام 2020
hasan

hassan

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 230 مشاهدة
نشرت فى 16 إبريل 2013 بواسطة hasan

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

860,043