
الحرفوش الصغير في المدرسة
بقلم: محمد بن يوسف كرزون
وأخيراً صار لي صديق فرّاش في إحدى المدارس، بل في مدرسة في حي حديث البناء، وهذه المدرسة منظّمة في بنائها، وتتوسّط الحيّ، وعليها علم يرفرف فوقها، كبيراً وعالياً.
وصرتُ أذهبُ إلى صديقي الفرّاش كلّ يوم أكثر من ثلاث ساعات، أساعده، وآكل عندَهُ بعضَ الطعامِ في نهاية دوام الطلّاب، لكي لا يرمي الزوائد من الشطيرات في الحاوية.
وبعد أسبوع اقترحتُ عليه أن أجرّب بيعَ بعض أنواع السكاكر المميّزة، وأن لا يزيد العدد في البداية على 20 قطعة. فوافق، وقال لي: كلّ أرباحِ هذه الحلوى لكَ.
وفي اليوم الأول فقط بعتُ القطعَ العشرينَ كلّها.
في اليوم التالي أتيتُ بخمسٍ وعشرينَ قطعة، وبيعتْ بسرعة عجيبة.
في اليوم الثالث أتيتُ بخمسين قطعة، وخلال أقلّمن ساعتين بعتُها، ولم يبقَ منها شيء.
في اليوم الرابع كان أحدُ زبائني أستاذ موقّر، يُقال له الأستاذ سامح، اشترى منّي خمس قطع لوحده. وأخذها وهو يبتسم، وقال لي: سأهدي بعضَها لزملائي الأساتذة، يبدو أنّ طعمَها لذيذ.
عرضْتُ على فرّاش المدرسة جزءاً من أرباحي، فأبى، وقال لي: يكفيني أن تكونَ معي تؤانسني أمام هذا الحشد من التلاميذ والطلاّب، فأنتَ تنتبه لهم عندما أتعامل معهم في الزحمة.
في اليوم الخامس جاء السيد المدير بنفسه، حاولتُ ألاّ آخذَ منه ثمن القطع العشر التي أخذها، ولكنّه أبى وقال لي وهو مقطّبٌ وجهه: هذا مالُكَ، ونحنُ لا نقبلُ الرشوة.
منذُ اليوم الثالث لتجارتي في هذه المدرسة صارت غدائي المحبّب شطيرة طعميّة، مع زجاجة كازوز، أو كأس لبن رائب، وصرتُ أتنفّسُ بعمقُ، فها أنا ذا أشبعُ بعدَ جوعٍ طال.
وعندما بلغَ عدد السكاكر التي أبيعها المئتين، صرتُ أشتري عشر سكاكر إضافيّة، لأهديها إلى التلامذة الغلابة، فهم يستحقّونَ منّي كلّ اهتمام، ويذكّرونني بطفولتي، كيفَ كنتُ أنظرُ إلى الأطعمة في أيدي غيري من الناس، وأشتهيها، ولكن بحسرة، فلا أحدَ يهتمُّ بي.
في اليوم العشرين، طلبني السيد المدير، فذهبْتُ إليه، فأوقفني أحدهم على باب مكتبه، ولم يأذنْ لي إلاّ بعدَ أكثر من ساعة ونصف الساعة، كنتُ قد خسرتُ فيها فرصتين من فرص الراحة بين الحصص.
دخلتُ إلى مكتب الإدارة، فإذا بي أرى المدير قد تصدّرها بمكتبه الفخم الضخم، وحولهُ أربعةُ أساتذة، منهم إداريّون، فقال لي:
- من فضلك بطاقتكَ الشخصيّة.
- لماذا؟
- لأنّنا هنا مجلس تحقيق، ويجب أن يأخذَ التحقيق مجراه على أكمل وجه.
- تحقيق؟!
- أجل، ولِمَ أنتَ مستغرب؟
- يا سيّدي هل التحقيق لي، أم أنا شاهد فيه؟
- التحقيقُ معكَ. لا تكثر من الأسئلة، التزم بأدب الجلسة.
أعادوا لي بطاقتي بعدَ أن نقلوا منها البيانات، ثمّ طلبَ المدير من شخصٍ أسماهُ مقرّر الجلسة توجيهَ الأسئلة إليّ، فسألني:
- منذُ متى وأنتَ تبيعُ الحلوى في مدرستِنا؟
- منذُ عشرينَ يوماً تقريباً.
- تقريباً أم بالضبط؟ لتكن إجابتُكَ دقيقةً ومفصّلة.
- منذ واحدٍ وعشرين يوماً بالتمام والكمال. ولكن يا سيّدي هل أبيعها بسعر مرتفع، وهذا الأمرُ أثارَ شفقتكم على الطلاّب؟
- لا.. لا.. أنتَ تبيعُها بسعر مناسب جداً.
- هل هناكَ مخالفةٌ للشروطِ الصحّيّة في الحلوى التي أبيعُها، أو في شروطِ حفظِها؟
- لا.. لا.. ولا هذا أيضاً.
- فلماذا تحقّقونَ معي؟
- لأنَّكَ تُغري بعضَ الطلاّب بإعطائهم قطعاً بدونِ ثمن، وهذا يسبّبُ فتنةً وتفرقةً بينَهم.
- يا سيّدي أنا في كلّ يوم أختار بعضَ الطلاّب والتلامذة الصغار، ولا أركّزُ على أشخاص محدودينَ منهم.
- نعلمُ هذا، ولكنْ هناكَ تفرقة واضحة تبثُّها بينهم، فتأخذ من بعضهم مالاً وتعطي الآخرينَ بدونِ مال، لماذا؟ نريدُ تفسيراً واضحاً منك.
- السبب هو الشفقة والحبّ.
- الحبّ..
وصفّقَ بيديه، والتفتَ إلى بقيّة أعضاء اللجنة:
- أسمعتم أيّها الأعضاء ماذا يقول؟ يقول إنّه يحبّ بعضَ الطلاّبِ دونَ بعض، وهذا يعني أنّ له نوايا سيّئة.
- صدّقني لا أقصدُ أيّ نيّةٍ سيّئة.
- كلّ متّهم ومتورّط يقول (صدّقني)، وبعدَ قليل ستحلفُ الأيمان المغلّظة.
- أقسمُ بالله ليست لي أيّ نوايا غير حسنة.
يلتفتُ إلى أعضاء اللجنة، ويقول لهم:
- كما توقّعْتُ، قلتُ سيحلف، وها هو قد حلف.
والتفتَ إليّ من جديد سائلاً:
- كم تبلغْ أرباحَكَ الحقيقيّ’ اليوميّة؟
- أقلّ من اثني عشر جنيهاً.
- وهل تدفعُ ضريبةَ دخلٍ عليها؟
- وهل هذا يُعدُّ دخلاً يستحقُّ الضريبة؟
- أجل، هو دخل، وهو يستحقُّ الضريبة، وإلاّ فمن أينَ ستأتي الحكومة بالموارد لتصرفها على مشاريع تفيد المواطنين... جسور ومدارس وحدائق ومصانع....
- يا سيّدي أدفعُ ضريبة، ولكن لم يمضِ على عملي بعدُ شهر واحد، أنا ألتزمُ بكلّ تعليمات الحكومة، على راسي الحكومة.
اعتدلَ ودفعَ نظّارتَهُ ليعدلها على عينيه، واستأذنَ السيّد المدير، الذي هو في نفس الوقت السيّد رئيس اللجنة، ليقرأَ عليّ القرار المُعَدّ مسبقاً من قبل هذه اللجنة الموقّرة. فقال لي المدير:
- اسمعْ يا هذا، لقد قرّرت اللجنة كفَّ يَدِكَ عن البيع في المدرسة، وتحويلَكَ إلى أقربِ قسم، لِيُنْظَرَ في أمرك، في موضوع التفرقة التي تمارسها بين الطلاّب، هذا تعطيهِ بالمال، وذاكَ تعطيهِ بالمجّان. ثمّ تحويل اعترافكَ بالأرباح إلى مديرية المالية في المحافظة، لتحسبَ حجومَ أرباحِكَ وتفرض عليكَ الضريبةَ المناسبة.
ثمّ طلبوا منّي أن أوقّعَ على المحضر، فرفضْتُ، فقبضَ عليّ اثنان من عناصر اللجنة المحترمة، وأخبروا القسمَ أن يرسل سيّارة وعناصر للقبضِ عليّ.
طبعاً فرحْتُ، بل فرحْتُ جدّاً، فأنا لا أركبُ سيّارةً إلاّ نادراً، وسيّارة القسم مقبولةٌ رغم أنّها لا تشهّي على الركوب.
* * *
في القسم استقبلني الضابط ضاحكاً، فقد تعوَّدَ عليّ، وقال لي:
- ما هي حكايتكَ اليوم؟
فقلْتُ له:
- اقرأ المحضر، تعرف كلّ شيء.
- محضر؟ خيراً إن شاء الله؟!
- أنا متهرّب من الضرائب، ولا أعينُ الحكومةَ على بناءِ الجسور ولا المدارس ولا الحدائق، وفي الوقت نفسه أحدثُ فتنةً بينَ الطلاّبِ عندما أهدي كلّ يوم عشر قطع من الحلوى للغلابة منهم.
ضحكَ الضابط حتّى كادَ يستلقي على ظهره، ثمّ قال لي:
- اليومَ غداؤنا لذيذ، تغدَّ مَعَ الموقوفين، ثمّ اذهب إلى بيتك.
الحرفوش الصغير
محمد بن يوسف كرزون

