
لم يتبق للسنة الدراسية الحالية سوى أسابيع معدودة لتشرف على نهايتها .الموسم الذي علقت عليه أمالا عريضة ليكون فارقا في تاريخ محبط من الإصلاحات التربوية لم يكن في مستوى التوقعات والطموحات وغدا البرنامج الاستعجالي ، الذي أسند له مهمة إنقاذ سفينة التيتانيك ، غارق بدوره في متاهات مفاهيمية وإجرائية وليتكسر “الحلم ” من جديد على صخرة الواقع التربوي المغربي المعقد والشائك وليؤجل مجددا الأمل في فك المعادلة الصعبة للمنظومة التربوية وإخراجها من النفق المظلم .
قطاع التعليم لم ينتفض تربويا إذن _ و كما كان مأمولا_ بل اجتماعيا حيث ارتفع إيقاع المعزوفة التي ظل أبناء هذا القطاع يرددونها لسنين طويلة دون أن تسمع الحكومات المتعاقبة صداها ،أو تفكر في حلول جادة لتأهيل رجل التعليم ماديا واجتماعيا و تعمل على استئصال جذوة المشاكل التي يتخبط فيها القطاع من جذورها … الغريب في حوار الشارع التربوي والحكومة هذه المرة هو لامبالاة هذه الأخيرة وإصرارها على التعالي عنه وتشبثها بالمنطق التقليدي “جوع كلبك يتبعك” رغم تزايد الاحتقان والغضب ، الذي يترجمه الوقفات والاعتصامات التي وصلت إلى أبواب الوزارة ، والإضرابات المتتالية التي قزمت السنة الدراسية وأضحت أيام الدراسة الفعلية هي الاستثناء والإضرابات والعطل هي القاعدة …
أتساءل دائما لم تمارس الحكومة نفس اللعبة :تنتظر توالي الإضرابات وضياع أيام دراسية كثيرة وثمينة حتى تدخل في حوار قطاعي مع نقابات لا تمثل في الغالب إلا جزء يسيرا من الشارع التربوي ، وتخرج بنتائج جزئية جدا وتطل على الشارع المحتقن :بشرى لكم نضالاتكم أثمرت…حياتكم ستشرق وتزهر …وتتراجع بعد ذلك عن كثير من تلك الوعود على بساطتها…لماذا لا تبادر هذه الحكومة في خطوة سيسجلها لها التاريخ بمداد من الفخر وتحل مشاكل قطاع التعليم دونما حاجة إلى ثرثرة النقابات واستجداءاتها؟ ألا تعرف مثلا أن القدرة الشرائية للمدرس هي الأضعف بين سائر الموظفين العموميين؟ الإضراب كأسلوب للتعبير عن المطالب والضغط على الجهاز التنفيذي في عرف الدول الديموقراطية يؤدي دائما إلى الجلوس على مائدة الحوار ليس للدردشة وتزجية الوقت و”تعسيل الوعود” بل للتفكير في حلول جدية ومعقولة وجذرية لأن هؤلاء المضربين هم في الأول والأخير جزء من الشعب ومن هذا الشعب انبثقت هذه الحكومة وبالتالي فالحكومة التي لا تعير للشعب اهتماما وتستكثر عليه مطالبه البسيطة والمشروعة هي في الواقع لا تمثل إلا نفسها … الحكومة مسؤولة أمام الشعب …نعم لكن ليس فقط في برلمان يشبه إلى حد كبير خما للكتاكيت ، حيث لا يرجى من الحوار نتيجة تنعكس إيجابا على الشعب .المسؤولية الحقة هي عندما يسائلها الشارع مباشرة دونما حاجة إلى نواب ولا ممثلين . من جانب أخر تسلسل الإضرابات جعلت الآباء تعتصر أفئدتهم ألما على مصير فلذات أكبادهم الذين فرضت عليهم سنة دراسية كادت تكون بيضاء …وهم كعادتهم _معذورون لجهلهم_يلقون باللائمة على المدرسين إلا أن الواقع غير ذلك ،فالخطاب الحكومي يشير ضمنيا إلى أن زمن مجانية التعليم قد إنتهى …ومن يريد تدريس أبناءه فعليه بجيبه ..
الفئات الغنية فهمت الدرس منذ مدة والأكيد الآن أن الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة سيفضلون شظف العيش و التضحية بحاجات بطونهم مقابل تعليم يعطي أملا في مستقبل أبنائهم …
إن نفض الدولة لأيديها عن قطاع التعليم سيهدد بلا شك السلم الاجتماعي وسيكرس اللامساواة الاجتماعية .. وسيجهض كل أمل في إقلاع تربوي وتنموي لبلادنا…إصلاح التعليم لا بد وأن يبدأ من هنا :التحلي بالحس الديموقراطي وأخذ المطالب التي ينقلها الشارع التربوي بمأخذ الجد فكرامة رجل التعليم هي مفتاح إصلاح التعليم …



ساحة النقاش