إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد :
فحياكم الله جميعا أيها الأحبة الكرام وطبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا . وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائما وأبداً على طاعته وفى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى
في جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك والقادر عليه .
أحبتي في الله :
إننا الليلة على موعد للحديث عن رسول الله
، وما أحلى أن يكون اللقاء معه ، وما أجمل أن تكون الكلمات عنه ، ورب الكعبة مهما أوتيتُ من فصاحة اللسان وبلاغة الأسلوب والتبيان ، فلم أستطع ولن أستطع أن أوفى الحبيب قدره .. كيف لا وهو حبيب الرحيم الرحمن .
قال تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار) (القصص: من الآية68)
فلقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء ، واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة ، واصطفى من الخمسة إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام واصطفى محمداً على جميع خلقه .
زكاه ربه عز وجل . ومن زكَّاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبةً أن يظن أنه يأتى في يوم من الأيام ليزكيه ، بل إن أي أحد وقف ليزكى رسول الله
وليصف رسول الله
وليتكلم عن قدر رسول الله
فإنما يرفع من قدر نفسه ، ومن قدر السامعين لحديثه عن الحبيب المصطفى ![]()
زكَّاه ربه في كل شيء :
زكَّاه في عقله : فقال جل وعلا : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) (النجم:2)
زكَّاه في بصره : فقال جل وعلا : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (النجم:17)
زكَّاه في صدره : فقال جل وعلا : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك َ) (الشرح:1)
زكَّاه في ذكره : فقال جل وعلا : ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (الشرح:4)
زكَّاه في طهره : فقال جل وعلا : ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) (الشرح:2)
زكَّاه في صدقه : فقال جل وعلا : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (النجم:3)
زكَّاه في علمه : فقال جل وعلا : ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (النجم:5)
زكَّاه في حلمه : فقال جل وعلا : ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة: من الآية128)
وزكَّاه في كله
فقال جل وعلا : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4)
صلي الله عليه وآله صحبه وسلم ……
ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصى أطأ الثـُّرياَ
دخولي تحت قولك ياعبادى وأن أرسلت أحمد لي نبياً
من أنا ؟! ومن أنت ؟! لنتشرف أن يكون حبيبنا ونبينا ورسولنا هو محمد بن عبد الله المصطفى
.
أيها الأحبة ..
إن كل مسلم صادق يحلو له ذكر الحبيب محمد
.. ويحلو له أن يتصوره وأن يتخيله وأن يعيش بقلبه من خلال كتب الأثر .. مع وصف الحبيب . وكيف كانت حياته ؟ وكيف كان طعامه ؟ وكيف كان شرابه ؟ وكيف نومه ؟ وكيف كان ذكره ؟ وكيف كانت مشيته ؟ وما صفة وجهه ؟ وما صفة شعره ؟ وما صفة لحيته ؟ وما صفة صدره ؟ وما صفة قدمه ؟ كيف كان النبي
؟ ولم لا ؟! وقد أمرنا الله جل وعلا أن نقتفى أثره وأن نسير على دربه .. وأن نقلده في كل شيء
قال جل وعلا : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب: من الآية21)
أنت مأمور أيها الموحد أن تسير على دربه ، وأن تقتفي أثره ، وأن تتبع سنته فهو حبيبك .. وهو قدوتك الطيبة .. وهو أسوتك الحسنة .
ولن تصل إلى الله جل وعلا إلا من طريقه .. ومن الباب الذي يوصلك منه الحبيب المصطفى
.
أيها الأحبة : إن رسول الله
بشر قال تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) ولكنه
لم يكن بشراً عادياً ، فمبلغ العلم أنه بشر ولكنه خير خلق الله كلهم ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)
وهذا هو الفارق أنه
يوحي إليه من ربه جل وعلا .. وهذه هي التي رفعت قدره .. وأعلت شأنه .. ورفعت مكانته عند الله جل وعلا وعند الخلق . ولن تنال شفاعته يوم القيامة إلا إذا اتبعت سنته وسرت على طريقته واقتفيت أثره .
قال سبحانه : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)
فقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضى الله عنه أنه قال :
(( جاءت ملائكة إلى النبي
وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً ، قال فاضربوا له مثلاً ، قال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدُبةً وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا : أوِّلوها له يفقهها ، قال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : فالدار الجنة والداعي محمد
فمن أطاع محمداً
فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد فرَّق بين الناس )) 1
فمن آمن بالحبيب وصار على دربه واتبع سنته نال شفاعة الحبيب يوم القيامة ونال رفقته وصحبته في الجنة ، ومن خالف هدى الحبيب لم ينل شفاعته وحُرِمَ من هذه الرِّفعة وتلك الصُّحبة .
أسأل الله جل وعلا أن يمتعنا وإياكم بصحبته بحبنا له إنه ولى ذلك والقادر عليه .
فتعالوا بنا أيها الأحبة نَصفُ المصطفى
كما نقل ذلك لنا صحابته رضوان الله عليهم ، فكما نُقلت إلينا سنته ، نُقِل إلينا أيضا وصفه وصفته
.
أيها الأحبة : نبدأ بوجه النبي
:
عن البراء رضى الله قال : ((كان رسول الله
أحسن الناس وجهاً وأحسنه خلقاً ليس بالطويل البائن ولا بالقصير )) 2
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال :
(( كان رسول الله
أزهر اللون )) 3 . أي: أبيض مستنير مائل إلى الحُمرة .
وعن البراء بن عازب رضى الله عنه سئل :
(( أكان وجه رسول الله
مثل السيف ؟ قال لا ، بل مثل القمر )) 1
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال :
(( رأيت رسول الله
وما على الأرض رجل رآه غيري . قيل له : كيف رأيته ؟ قال : أبيض مليحاً مُقصَّداً )) 2
وكان على بن أبى طالب يصف النبي
وفيه :
(( فكان في وجهه تدوير ))3
وعن عبد الله بن كعب قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك قال : فلمَّا سلمت على رسول الله
وهو يبرق وجهه من السرور وكان رسول الله
إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه 4
ومن مجموع هذه الآثار الصحيحة نجد أن النبي
كان أحسن الناس وجها كالقمر ليلة البدر .. أبيضاً مليحاً ، في وجهه تدوير ، أزهر اللون أي أبيض مستنير مائل إلى الحمرة إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر .. الله أكبر .. هذا وجه الحبيب ..
اللهم صلى عليه واجمعنا به في الجنة .
وأخرج الدارمى والبيهقى عن جابر بن سمرة والحديث حسن بشواهده أنه قال :
رأيت النبي
في ليلة أضحياه ( أي في ليلة مقمرة ) فجعلت أنظر إليه ، وأنظر إلى القمر ، أنظر إلى النبي ، وأنظر إلى القمر ثم قال : فو الله لقد كان النبي
في عيني أحسن من القمر
وأخرج الدارمى والبيهقى والطبرانى وأبو نعيم والحديث أيضا حسن بالشواهد من حديث الربيع بنت معوذ رضى الله عنها : قيل لها صفى لنا رسول الله
يا ربُيِّع . قالت : لو رأيت النبي
لقلت أن الشمس طالعة .. الله أكبر … صلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه
أما شعر النبي
: عن قتادة رحمه الله قال : (( سألت أنساً رضى الله عنه عن شعر رسول الله
؟ فقال : شعر بين شعرين ، لا رجِلٌ ولا جَعدُ قططٌ كان بين أذنيه وعاتقه [1]
شعر رجل : إذا لم يكن شديد الجعودة ، ولا شديد السبوطة .
وفى رواية كان رَجِلاً وليس بالسَّبِطِ ولا الجعد ، بين أذنيه وعاتقه )) .
وفى أخرى : كان يضرب شعره منكبيه .
وفى رواية أبى داود : كان شعر رسول الله
إلى شحمة أذنيه .
وفى رواية : إلى أنصاف أذنيه .
وعن عائشة رضى الله عنها قالت :
(( كنت اغتسل أنا ورسول الله
من إناء ، وكان له شعر فوق الجُمَّة ودون الوفرة )) 2.
والوفرة : الشعر الواصل إلى شحمة الأذن .
والجُمَّة : الشعر الواصل بين المنكبين .
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال :
(( كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ، وكان المشركون يفْرُقون ، وكان رسول الله
يعجبُه موافقةُ أهل الكتاب فيما لم يُؤْمَرْ به ، فسدل رسول الله
ناصيته ثم فرق بعد ))3
وسدل الشعر : إرساله و (يفرقون) مفرق الرأس : وسطه ، وفرق الشعر أي جعله فرقتين والناصية هي مقدم الرأس .
أحبتي في الله : نرى من مجموع هذه الآثار أن شعر النبي
ليس بالسَّبِط أي الناعم شديد النعومة ولا الجعد أي الخشن ، وكان شعره
يضرب منكبيه وكان يسدله ثم فَرَقَه
وكان في شعره عشرين شعرة بيضاء كما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت : (( مات رسول الله
في الثلاثة والستين ولم يكن في شعره إلا عشرين شعرة بيضاء ))
وكان يقول
(( شيَّبَتنى هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعمَّ يتساءلون ، وإذا الشمس كورت )) 4
وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال :
(( سمعت أنس بن مالك يصف النبي
قال كان ربعة من القوم ، وليس بالطويل ولا بالقصير ، أزهر اللون ( مستنير ، وهو أحسن الألوان ، الزهرة : البياض النير ) ليس بأبيض أمهق ولا آدم ( أي ليس الأبيض الكريه البياض ولا شديد السمرة) ليس بجعد قطط ولا سبط رجلٍ أنزل عليه وهو ابن أربعين ، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه ، وبالمدينة عشر سنين وقبض وليس في رأسه ولحيته إلا عشرون شعرة بيضاء ، قال ربيعة : فرأيت شعراً من شعره فإذا هو أحمر فسألت فقيل أحمر الطيب )) 1
وعن جرير بن عثمان رحمه الله قال : إنه سأل عبد الله بن بُسْرٍ قال : أرأيت رسول الله
كان شيخاً ؟ قال : كان في عَنْفَقَتِه شعراتً بيض )) 2
والعنفق هي ما تحت الشفه السفلي .
أما عين النبي
فكان أدعج العينين أي شديد سواد العينين إذا رأيته من بعيد تظن أنه مكتحل .
عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال : (( كان رسول الله
ضليع الفم ، أشكل العينين ، منهوس العقبين ، ضخم القدمين )) 3
قيل لسماك : ما ضليع الفم ، قال عظيم الفم ، قيل : وما أشكل العينين ؟ قال طويل شق العين . قيل ما منهوس العقب ؟ قال قليل لحم العقب .
<SPA


ساحة النقاش