فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

 

الأديب الفلسطيني  فراس حج محمد لمجلة الليبي:

حاوره : د. الصدّيق بودوارة المغربي (رئيس تحرير مجلة الليبي)

نشر الحوار في مجلة الليبي، عدد (30)، تموز، 2021.

منذ انطلاقتها، كان لمجلة الليبي موعد غير مكتوب ولا مخطط له مع كاتب من فلسطين، ومع توالي الأعداد، كانت مساهماته لا تتوقف، إنتاج غزير، وكتابة لا تستريح، وأفكار لا تهدأ .
كانت مواده ــ ومازالت ــ تهطل على بريد المجلة كغيثٍ يصر على أن يكون نافعاً، وهو  كذلك بالفعل .
مع الوقت، أصبح من روافد الليبي التي تعتز بهم، وتفتح باب بريدها كل يوم لتجد ما كتبه بالأمس حاضراً على عتبة دارها اليوم .
إنه الكاتب والأديب الفلسطيني فراس حاج محمد، صاحب الـ 21 مؤلفاً، الذي جمعنا به حوار ممتع  مميز .. نهديه لكم في هذا العدد .. المميز أيضاً .

الليبي : الرسالة الخمسون .. الثالثة والستون .. ربما المئة .. أو هي الألف .
ما هي حكاية هذه الرسائل .. تكتبها لأنثى وتروي لها عن وطن ؟

أولا اسمحي لي دكتور الصديق بودواره أن أشكركم على هذا الحوار الذي يعني لي الكثير، وسيكون محفزا إضافياً لأرى نفسي بشكل أوضح على ضوء أسئلتكم العميقة.

- مشروع الرسائل في تجربتي الكتابية قديم، ويعود إلى عام 2013 عندما أصدرت كتابا كاملا بعنوان "رسائل إلى شهرزاد"، وهو مجموعة رسائل مهداة لامرأة ما عاشت معي تجربة الحب والكتابة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، كتبت لها أيضا كتاب رسائل آخر وهو كتاب "الإصحاح الأول لحرف الفاء- أسعدت صباحاً يا سيدتي"، وهذه المجموعة المرقمة التي أشرت إليها هي المشروع الثالث للرسائل، مع الاختلاف كل مرة في مفهوم الرسالة ومضمونها وطريقة عرضها. أضف إلى أنني أكتب لها كل شيء، شعرا ونثرا، وحتى المقالات لا تخلو من أن تكون حاضرة فيها، فهذه المرأة بالنسبة لي دافعي القوي لأن أستمر في الكتابة، فقد أنقذتني غير مرة عندما كنت أقرر التوقف عن هذه الغواية المتعبة.

الليبي : قبل أن أبدأ معك، تعيش في نابلس، مع الاحتلال، قريب منه، بجواره، وتحت سلطته، كيف  الحياة وفي حياتك محتل ؟

- تكتسب الحياة في ظل الأوضاع غير الطبيعية مذاق الألم والمرارة، ويشكل الاحتلال وضعا غير طبيعي بالمجمل، فأنت تراه في كل شيء من حولك، من لحظة الخروج من البيت إلى وصولك مقر عملك، ويصاحبك خلال تنقلاتك الميدانية، تراه في السيارة العسكرية، وفي سيارات المستوطنين، وتراه في الحواجز التي لا بد من أن تمر عنها، وقد كتبت عن تلك الحالة "الحواجز" نصا كاملا، بينت فيه تحكم أولئك الجنود في دقائق الحياة للصغير والكبير.

الاحتلال قادر على أن يقتحم عليك غرفة نومك، ويحتل شاشة التلفزيون والهاتف والجريدة من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة، لا تستطيع إلا أن تراه، ولا تستطيع إلا أن تكرهه لأنه احتلال، فمجرد كونه احتلالا فإن ذلك كفيل بأن تكرهه وتتخذ منه موقفاً صلبا في الكتابة والحياة على حد سواء، فلا يمكنني أن أتصالح مع فكرة وجوده في حياتي، وفي حياة أبنائي وأصدقائي وأهل قريتي وأهل فلسطين بكاملها.

الليبي : فراس، معلم المدرسة، حياة طويلة مع الطبشور والطالب والمنهج، كيف ساهم منهج التلقين للطالب في صياغة منهج الكتابة للوطن؟

- مارست مهنة التعليم ما يزيد عن (12) عاما، وعلمت طلابا من الصف الثالث الأساسي وحتى الثاني عشر، وعلمت طلابا في الجامعة كذلك. وما زلت أعلم من خلال عملي الحالي مشرفا تربويا، فطبيعة العمل تقتضي أن أكون على تماس مع الطلاب يوميا، فأعلمهم يوميا. وما زلت أتوق إلى التعليم، فهي مهنة خطيرة ومهمة وشاقة أيضاً. أما بالنسبة لسؤال "منهج التلقين" فهو أدنى درجات التعلم، وهو في الأصل مرتبط بكلاسيكية النظرة إلى التعليم، على الطالب أن يستمع لما يقوله المعلم ولا يناقشه وإلا سيكون هناك عقوبات في تدني العلامات أو الحرمان من بعض الأنشطة، هذا الأمر ما زال موجودا في مناهج التعليم الفلسطينية، ولأن التعليم حكومي، وحتى غير الحكومي، فإن الدول تبتغي عادة وخاصة الدول العربية إخراج جيل طائع، وينفذ الأوامر، وليس جيلا مفكرا وباحثا، فالمعلومة تقدم جاهزة وما على الطلاب إلا أن يحفظوها كما قالها لي يوما أحد العاملين في مناهجنا.

هذه المناهج لا تصنع مفكرين، ولكنها تصنع موظفين خانعين، وهذا ما يحدث فعلا، ولذلك ترى أن من يكتب عن الوطن من هؤلاء فئة قليلة جدا استطاعت لظروف معينة أن تفلت من قيود التلقين وتذهب نحو رحابة التفكير والكتابة، وعلينا ألا ننسى أن الوعي شئنا أم أبينا، لا تصنعه المدرسة وحدها في هذه الأيام، بل إن الجيل الجديد أصبح قادرا على بناء منظومة من الوعي بعيداً عن مفردات الوعي المزيف التي تحاول المدرسة أن تبنيه في الطلاب، على الرغم من أن مناهجنا ملئية بمفردات الوطن والمقاومة إلا أنها برأيي لم تكن قادرة على صنع عقلية مقاومة حقيقة لأنها منزوعة التأثير، ومبنية لتخدم آليات تفكير قائمة على اتفاقيات السلام التي لم يبق منها إلا ما يزيد من احتلالنا وإفقارنا. وقد تحدثت بإسهاب حول هذه العقلية التربوية في الكتاب الذي سيصدر قريبا "استعادة غسان كنفاني".

الليبي : في عتمة احتلال عميق ومتمكن، كيف يمكن أن يضيء معلم مدرسة جانباً في ذهن طالب ؟

- عادة ما نراهن في فلسطين على المعلم، وليس على المناهج ولا على خطط الحكومات، فالمعلمون ما زالوا يحملون شعلة المقاومة وهم متمردون على كل تلك الصورة السوداوية التي بينتها في السؤال السابق. أنا أومن إيمانا عظيما بقدرة المعلم على إخراج جيل واعٍ مفكر متمرد ثوري، لا يعرف الخوف، وما عليك لترى الحقيقة إلا أن تنظر في المسيرات الاحتجاجية والتظاهرات ضد المحتل فالفتيان يتصدرون كل المسيرات وكل الاحتجاجات، ويرسمون بدمائهم الحقيقة يومياً، هؤلاء الفتية الشهداء هم صنائع المعلم الفلسطيني الذي يصر على أن فلسطين عربية من البحر إلى النهر ولا يعترف بوجود أي دولة سوى أنها دولة احتلال وكيان استعماري يجب أن يُزال.

الليبي : بالنسبة لمجلة الليبي، تمكنت وبجدارة أن تصبح من أهم كتابها، كيف استفز إبداعك معنى المشاركة في مجلة ثقافية تصدر في زمن حرب ضروس؟

- قبل البدء بالحديث حول هذه المسألة عليّ أن أبين أولا أنني مدين لمجلة الليبي التي احتضنت كتاباتي منذ العدد التاسع إن لم تخني الذاكرة، واسمحلي دكتور أن أشكرك وأشكر العزيزة سارة الشريف التي تواصلت معي أولا من أجل الكتابة في المجلة بشكل دوري، وهذه مِنة أخرى تطوقني بها "الليبي" بحيث وفرت لي مكاناً دائما على صفحاتها، وجعلتني من أسرة التحرير عندما أوكلت لي مهمة مكتب فلسطين، جنبا إلى جنب مع مكتب تونس ومكتب مصر. إن هذا يشعرني بالفخر حقيقة.

أما بالنسبة للسؤال، فإن لي حكاية خاصة مع المجلات، فقد كنت أطمح دائما أن تكون لي مجلة أعمل فيها، محررا أو كاتباً، لقناعتي للدور العظيم التي تؤديه المجلات الثقافية في الوعي بشكل عام، فليس أمرا هينا بالنسبة لي إصدار مجلة ثقافية تحافظ على موعد صدورها، وقد وجدت في "الليبي" هذه الفرصة لتكون المجلة الليبية الأولى من خلال جودة مادتها، وجمال إخراجها الفني. زيادة على ذلك فإن ثبات المجلة في الصدور كل شهر مصرة على أن تولد ضمن هذا السياق من الوضعي اللاطبيعي في ليبيا مثلا، لهو مدعاة فرح كبيرة بالنسبة لي، على الرغم من أنني دائما أخشى من أن تتوقف عن الصدور يوما ما، لا سمح الله، فالمجلات الثقافية محامل نور ووعي ومتابعة مستمرة لا بد من وجودها في الحرب وفي السلم على حد سواء.

الليبي : وجودك في بلدٍ محتل، ألم يطرح سؤالاً أمامك ذات يوم ؟ سؤال يقول : هل لبشاعة اغتصاب الأرض فضيلة استفزاز المقاومة؟

- في العادة نحب أن نبحث عن إيجابيات في أي عمل مهما كان هذا العمل سيئا، وهذا بالمناسبة مدار عمل الكتاب والمفكرين والفلاسفة، لكن تخيل لو أننا نعيش وضعا طبيعيا، دون احتلال واغتصاب أراضٍ، ماذا علينا أن نفعل؟ لا فضيلة لأي عمل سيئ إطلاقا، وإنما هي الظروف التي تجبرنا على أن نرفضها ونخترع طرقا لرفضها من هذه الطرق الكتابة والقتال والإضراب على سبيل المثال لا الحصر، وكلها تسمّت تحت اسم المقاومة. أنا شخصيا لا أراها محمدة أو ميّزة أن تقاوم، بل هو واجبك أن تقاوم، قدر استطاعتك وبما تحسن من الأساليب، هذا واجب وليس فضيلة خاصة من صنع البشاعة الاحتلالية.

الليبي :  (( أيّ امرأةٍ أسوأ من أنجيلا ميركل؟
وأيّ رجلٍ أسوأ من جو بايدن؟
وأيّ شيخٍ شبحٍ أسوأ من وسيم يوسف؟
وأيّ شيءٍ أتفه من "إسرائيل" )) ..
حدثني عن هذا النص بالذات . قرأته أكثر من عشر مرات، وأرغب حقاً في قراءته مع صاحبه الآن .

- هذا احتجاج سياسي على ما حدث في السياسة الدولية، خلال الحرب الأخيرة على غزة، أنجيلا ميركل وتصريحاتها وجو بايدن وموقفه من دولة الاحتلال الغاشمة، ووسيم يوسف- وهو من أصول فلسطينية- ووقوفه ضد الحرية والعدالة وقضايا الشعب الفلسطيني. كل هؤلاء "الطغاة" و"الجناة" كانوا حلفاء للعدوان وللمعتدي، لذلك أقول لهم جميعا أنه لا أتفه من إسرائيل التي تقفون معها ضدنا، لقد انحزتم للجهة التافهة. هكذا بكل بساطة وبكل وضوح ومباشرة. عليّ كشاعر أحياناً أن أكون واضحا ومباشرا، لأن الاختباء وراء الجماليات في الحروب نوع من الهرب والمدارة والجبن والنفاق.

الليبي : مقالاتك فيض منهمر، كيف تجد الوقت لكل هذ الكتابة ؟ وبمن تستعين لتنجز كل هذا ؟ مخزون ذاكرة أم إرادة إنجاز؟

- اليوم لديّ مقسوم إلى ثلاثة أقسام، قسم للعمل، مخصص للعمل ولا كتابة فيه، وقسم للمتابعة والقراءة والتأمل ولا عمل ولا كتابة فيه، وأما القسم الثالث فهو للكتابة. لذلك أنا أكتب يوميا تقريبا، وأقرأ يوميا، وأعمل خمسة أيام في الأسبوع، استطعت أن أستثمر الوقت بشكل مريح، مَن حولي من العائلة والأصدقاء يعرفون ذلك، ولا يرهقونني لا باتصالات ولا بزيارات، كما أنهم حرروني من المجاملات الرتيبة، زوجتي وبناتي يقومن بذلك عني، لذلك استطعت أن أتفرغ تفرغا كاملا للكتابة، وأنجز ما أنجزت، لدي الآن واحد وعشرون كتابا مطبوعا، وتحت الطباعة كتابان، سيريان النور قريبا بعون الله، وهناك ربما أكثر من عشرين كتابا أخرى تنتظر الطباعة. حاليا غير ملتزم بالكتابة إلا مع مجلة "الليبي"، أنشر ما أجد أنه لا بد من نشره، أحيانا أكتب أكثر مما أنشر، وأعيش في حالة كتابة دائمة، وهذه الحالة جعلتني راضيا عن نفسي رضا تاماً، عندما أقرأ سير علمائنا الأجلاء القدماء، أرى أنه علي أن أضاعف العمل، فالعمر قصير مهما طال، ولا بد من أن يستثمر على الوجه الذي يقنعني أنه لم يذهب هدراً.

الليبي : وأنا أتابع هذا التواصل المذهل مع الكتابة، أصارحك أني سألت ذات يوم : هل يسابق فراس الزمن ليكتب المزيد ؟ هل يخشى فراس أن ينقضي العمر دون أن يكتب نصه الأهم ؟

- في رواية لياسين رفاعية بعنوان "من يتذكر تاي" يتحدث فيها عن غسان كنفاني، وكيف أنه كان يصارع الوقت من أجل أن ينجز الكثير، كنفاني لم يعش سوى (36) عاما، لكنها كانت أعواما ذات معنى مكثف وذات وزن في الثقافتين العربية والعالمية. عدا أنني كما قلت لك في السؤال السابق أن العمر قصير مهما طال، فإنني ملزم بتقديم حياة ذات معنى، آمل ألا تُنسى بعد أن أرحل رحلتي الأخيرة بالموت. لا أخفيك سرا أنني أحاول أن أجد معنى لحياتي بالكتابة وليس بأي عمل آخر.

الليبي : هل نعاني من أزمة ثقافة ؟ أم نعاني من أزمة مثقفين ؟

- أعتقد أنه لا ثقافة دون أن يكون هناك مثقفون، والأزمة تطال المثقف، والمثقف المأزوم إما أن يفقد القدرة على إنتاج الثقافة أو ينتج ثقافة مأزومة أو ثقافة هزيمة أو يكون كسولا فينتج ثقافة التكرار والملل. أهم ما يجب علينا أن ننظر إليه في واقع الثقافة والمثقفين، هو "البحث عن مشروع ثقافي حيوي"، وليست الثقافة مجرد أن تكتب، المهم أن تكتب ما يشير إليك وله فلسفة ورؤيا تتمحور حولها كل كتابتك، بمعنى يجب أن تكون ذا مشروع ثقافي واضح الرؤى والأهداف والآليات.

الليبي : مثقف يتوغل في السياسة، هل هو مثقف مشارك في قضايا وطنه، أم مثقف برسم الشروع في التنصل من حياده ؟

- ربما أن المثقف حتى يسمى مثقفا لا بد من أن يتنصل من حياده، فلا معنى لوجود مثقف يقف على الحياد، الحياد بالنسبة لمن؟ ولكن كما فهمت من سؤالك أرى أنه من واجب المثقف أن ينخرط في القضايا العامة السياسية والاجتماعية والثقافية انخراطا مؤثرا، ليس ليبتعد عن الحياد فقط، بل ليكون مثقفا مشتبكا وعضويا ومشاركا وألا يكون "مثقفاً سلطويا". بل إنني أعتقد أن كل من يصطف مع أي سلطة يفقد موقعه كونه مثقفاً. فالسلطة لا تحتاج إلى مثقفين ليدعموها ويطبلوا لها، إنما تحتاج إلى مثقفين ينيرون لها الطريق، ويحاسبونها على كل أخطائها، ولا يبررون لها شيئاً، فليست مهمة المثقف أن يثني على عمل السلطة إن أحسنت، فمهمتها أن تكون ذات سلوك حسن وواجبها الأخلاقي والدستوري أن تكون ذات سلوك جيد سياسيا واجتماعيا.

الليبي : يداً بيد مع مجلة الليبي التي نشرت بانتظام كل فعالياتها، مبادرة الأسرى ، وجدناها في المجلة بادرة رائعة وصرخة شجاعة في مواجهة حديد المغتصب، أن يخرج إبداع السجين مخترقاً القضبان ليواصل النضال، كيف بدأت هذه الفكرة؟ وإلى أين تسير .؟

- هذا سؤال مهم، وشكرا لأنك قد وضعتته على طاولة الحديث، الفكرة جاءت من صديقنا المحامي الحيفاوي حسن عبادي الذي برقت في رأسه فكرة زيارة الأسرى الكتاب في سجون الاحتلال، فواظب على زيارتهم والتعرف إليهم وإلى مشاريعهم الكتابية، عمله هذا كان ضمن مبادرة "لكل أسير كتاب"، فقد استطاع من خلالها إيصال الأسرى كتبا للكتاب خارج السجن ليعرفهم على ما يكتبه الكتاب في الخارج، ومرة بعد مرة انبثقت فكرة أخرى هي "من كل أسير كتاب" والهدف منها تعميم كتب الأسرى والتعريف بها لمن هو خارج السجن، من خلال مشروع حسن استطعنا التعرف إلى كتاب كثيرين، يكتبون بجودة عالية، وهم تعرفوا علينا، فقد كنا بالنسبة إليهم مجهولين، هذا المشروع كان له أكثر من أهمية، ولعل أهمها جميعا هو شعور الكاتب الأسير أنه ليس وحيدا، وأنه يكتب وينشر ويقرأ، وتناقش كتبه ويكتب فيها النقاد مقالات ودراسات وكتبا وبحوثا، هذا الأمر شجع مبادرات أخرى ولدت من رحم مبادرتَيْ حسن، فشرعت الإعلامية قمر عبد الرحمن بإعداد حلقات برنامجها الإذاعي "وتر النصر" حول الأسرى الكتاب، ثم مبادرة رابطة الكتاب الأردنيين التي دأبت على مناقشة كتاب لكاتب أسير كل أسبوعين، مساء السبت، وهكذا كان من واجبي بالتعاون مع حسن عبادي إعداد تقارير صحفية حول تلك الفعاليات التي نشرتها "الليبي" تباعا، وهذه ميزة ومِنّة وفضل لهذه المجلة التي وقفت مع قضايا الأسرى، كونها قضايا تتعلق بالحرية والإنسان والثقافة. كما تابعنا في منتدى المنارة مبادرة حسن عبادي وقمنا بعمل ندوة خاصة بمناسبة يوم الأسير وتحدثنا عن إبداعات الأسرى، ثم أعددنا ثلاثين حلقة حول كتاب أسرى ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال، وقدمت زميلتنا الدكتورة لينا الشخشير، رئيسة المنتدى حلقات مركزة، تضيء على الأعمال الثقافية لأولئك الأسرى الكتاب وتبين الجانب النضالي والإنساني لهم. وبلغ عددهم أكثر من ثلاثين كاتباً، تناولنا في تلك الحلقات ثلاثين منهم فقط.

لقد ترك هذا الحراك أثره الكبير في الساحة الفلسطينية الثقافية داخل السجن وخارجه، وتشجع الكثيرون من الأسرى ليكون لكل منهم كتابا يصدره، وقد وصلتني أنا وحسن العديد من الكتب الجديدة التي ستكون الإصدار الأول لهؤلاء الكتاب لينضموا إلى نادي الكتابة والكتّاب.

وكل هذه المبادرات التي ذكرتها مستمرة، وإن شاء الله تتواصل، ولن يصيبنا الكلل أو الملل حتى يمن الله عليهم بالحرية، سائلين الله أن يكون ذلك قريباً.

الليبي : وأنت ابن نابلس، كيف تقاوم المدن لغة وثقافة من يحتلونها ؟

- يا له من سؤال! المقاومة في حياة الفلسطيني أمر بدهي، لا بد منها، المدن تقاوم في أنها تتناسى الاحتلال، وتصر على ممارسة دورها النضالي من خلال مفردات الحياة الطبيعية، فالمدارس ما زالت مفتوحة، والجامعات ما زالت تخرج الأفواج العلمية، والندوات ما زالت تعقد في مراكزها الثقافية، والمطابع تعمل كل يوم، وتنتج الكتب والروايات ودواوين الغزل، والأسواق عامرة، وتغصّ بالناس في الأعياد، والمقاهي عامرة، والناس ما زالوا يتزوجون ويتوالدون ويُغنّون، والحياة مستمرة رغما عن كل شيء، حتى ليخيل إليك أن الاحتلال هامش مركون في زاوية معتمة، وإن اضطر الناس يركلونه بأرجلهم ويمضون إلى حياتهم، وهو يبدأونها بفيروز وبفنجان القهوة وآيات يتلوها عبد الباسط.

الليبي : ((ليس القططُ وحدها من يحبّ في شهر فبراير
البشر أيضاً نوع محسّن من القطط الخجولةْ
يحبّون في شهر فبراير.))
بدون هذا الحب، هل يمكن أن نواصل المقاومة ؟ كيف يرى فراس المبدع هذا المشهد؟

- الحب أصل الحياة وأصل الكون، الحب بمفهومه الشامل، وفي هذا المقطع الوارد في السؤال، انطلاق من مشهد يومي في فبراير لمنظر القطط وهي تمارس شهوة الحب والحياة لأقول إن الحب في حياة البشر انعكاس طبيعي. هنا أنا أتوه بين أيهما المشهد الأصلي، البشر أم القطط، ليس مهما. المهم أن الحب وتجلياته كلها هي أصل الحياة والمقاومة، فلا معنى للحياة دون الحب ودون المقاومة بمعناهما الأشمل العام. وربما الحب في أحيان كثير دافع للمقاومة، والمقاومة نفسها دافع للحب في جدلية عميقة لا تقف عند حدود الاحتلال فقط.

الليبي : 21 كتاباً  .. هل كتب فراس كل ما يريد ؟ وهل نريد فعلاً أن نتوقف عن الكتابة حتى لو كتبنا كل ما كنا نحلم بكتابته ؟

- الآن في محصلة الكتابة أكثر من أربعين كتاباً، ما بين مطبوع أو تحت الطبع أو مخطوط، لدى الحياة الكثير من الأفكار التي تدعونا نحن الكتاب لقراءتها أو الكشف عنها. التوقف عن الكتابة موت، وأنا لا أريد أن أموت وأنا حيّ، ولا أريد أن أتحول إلى "كائن"، يأكل ويشرب وينام، الحياة مستمرة والكتابة والحب مستمران لا مندوحة عن ذلك، وكلما توغلت بي الحياة أكتشف أنه علي أن أعمل أكثر، لأنني أحياناً أشك بجدوى ما قدمت سابقاً، إذاً لا بد من أن أعمل ما هو في اعتقادي أجود مما سبق، لذلك أحرص دوما على ألا أكرر شيئا من الأفكار، الكتابة لا تنتهي ولا حد لها، تتجدد دائما مع تجدد الحياة يوميا. الكاتب الحقيقي لا يعرف الإفلاس، فلا يصل إلى جملة "كتبت كل ما كنت أحلم بكتابته".

الليبي : لك كتابان بالاشتراك .. شخصياً أتوجس من هذه التجربة . كيف وجدتها أنت يا فراس ؟

- تجربة لها خصوصية ما، وهي ذات أهداف وظيفية ميكانيكية، يعني بلغة أخرى هي عمل أو خدمة للأصدقاء، دوري اقتصر على التحرير، ولم يكن لي دور أكثر من ذلك، والكتب التي حررتها للأصدقاء بطبيعة الحال هي خمسة كتب، وليس اثنين، ولكنني أرفض أن يشار إليّ مع أصحابها، لأنني لست محررا أدبيا ولا كاتبا مشتركا، وما قمت به إما كان عملا مدفوع الأجر أو خدمة للأصدقاء، أو من خلال عملي في جمعية الزيزفونة لثقافة الطفل. نحتاج أحيانا لخوض أكثر من تجربة في التأليف، فهي ممتعة، ولكنها ليست حلم الكاتب، وأوافقك الرأي في التوجس، فهو منطقي ومشروع، ولعلني بسبب هذا الهاجس أرفض أن يشار إلي مع المؤلفين سوى كتابين ولهما ظروف خاصة جدا.

الليبي : كتبت عن تجربتك مع النساء، هل الأنثى في تاريخ الشرق هي ذات التراتبية المرتبكة بين الحرة والجارية وأم الولد والخادم، أم أن الزمن قد حان لنلغي كل المراسيم القديمة ؟

- كلنا لنا تجارب مع النساء، كلنا هنا تعني معنيين، تعني نحن الرجال عموما، وتعني الكتاب تحديدا، وللكتاب تجارب مع النساء، ولا تخلو حياة الكاتب من النساء مهما ادعى "الطهر" و"النقاء" و"المثالية"، فقد كان في حياة جبران خليل جبران (12) امرأة على سبيل المثال. مررت بتجارب عديدة معهن، ربما وصل عددهن إلى أربعين امرأة كما كتبت ذلك ذات مرة، لا يعني أنهن حبيبات وعشيقات، إنما لهن حضور ما في حياتي، وساهمن في تشكيلي، وكل امرأة من هؤلاء كان لها أثر عليّ في فهم المرأة وفي الكتابة، لكنني لم أتعامل مع النساء بمنطق المفردات التراثية الحرة والجارية، إنما المرأة هي فاعل حقيقي في الحياة، حياتي وحياتك والحياة عموما، ولا تحلو الحياة بغيرهنّ، ليس للمعنى الأيروسي اللذائذي بل لمعنى الوجود الإنساني، فلكي تشعر أنك إنسان لا بد من أن تلفت إلى امرأة ما واحدة على الأقل لتمنحك شعور الإنسانية العميق. هذا المعنى هو الذي تدور عليه كل كتاباتي في المرأة، حتى في النصوص التي تنحو منحى التشهي وطلب المتعة.

الليبي : أنت من أهم كتاب هذه المجلة، هل من كلمة تهمس بها لبقية كتابها العرب في دهليز الأزمات هذا الذي نعيشه ؟

- شرف كبير أن تصفني حضرتك بأنني أهم كتاب المجلة، هذا الوصف يربكني والله. وآمل ان أكون دائما عند حسن ظنكم جميعا، ولا أدري ما الذي سأقوله لزملائنا الكتاب الذين يشاركوننا المساحة ذاتها، فلا يحسن بي وأنا أراهم كتابا أعزاء ويدعمون المجلة ويصرون على الحضور فيها أن أقول شيئاً سوى علينا أن نحافظ على المجلة لتظل تشع أدبا ووعيا وثقافة، وهذا مشروع من أجمل مشاريع الكتابة والكتاب عموما في أن يساهموا دائما في إذكاء شعلة الوعي بالإصرار على الكتابة بشكل منتظم.

المصدر: مجلة الليبي||| فراس حج محمد ||| د. الصديق بودوارة المغربي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 50 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2021 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

263,641

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.