
فإنَّ الإسلام وهو دين الفضائل والكمالات كما دعا الناس غلي عبادة الله وتوحيده دعاهم إلي التحلي بمكارم الأخلاق , وقد تبوأت الأخلاق الكريمة مكانة عالية في دين الله U حتي قال عنها رسول الله m : " إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ "([1]) .
والمثل الأعلي والكامل في الخلق الكريم هو إمام المرسلين محمدٌ k فقد نشأ الحبيب ـ m ـ من أول أمره إلى آخر لحظة من لحظات حياته متحلياً بكل خلق كريم، مبتعداً عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس وأفصحهم لساناً، يُضرب به المثل في الأمانة والصدق، أدبه الله فأحسن تأديبه، فكان أرجح الناس عقلاً، وأكثرهم أدباً، وأوفرهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأكثرهم حياء، وأوسعهم رحمة وشفقة، وأكرمهم نفساً، وأعلاهم منزلة .. وبالجملة فكل خلق محمود يليق بالإنسان فله - صلى الله عليه وسلم - منه القسط الأكبر، والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه، وأبعدهم عنه، شهد له بذلك القاصي والداني، والعدو والصديق ..
فهو بحق الرسول المصطفى والنبي المجتبى الذي قال الله تعالي عنه في كتابه الكريم : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم : 4] , وقال عن نفسه : إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون: هلاَّ وُضِعت هذه اللبنة؟، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ([2]) , وعن عبد الله بن مسعود ـ t ـ : قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» ([3])
وقد بُعِث رسول الله ـ m ـ ليتمم مكارم الأخلاق لأهميتها للفرد والأسرة، والمجتمع والأمة
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
أليس هو القائل k : عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ»([4]) , فذهبت الأخلاق الكريمة بأعلي الدرجات في الآخرة .
وفي مقدمة هذه الأخلاق خُلقٌ كريمٌ عظيمٌ لا تتخلق به إلا الصفوة القليلة من عباد الله U وأعني به خلق الشُكْر يقول تعالي : {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ : 13] وقال تعالي : {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر : 61] وقال : {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [النمل : 73] , وفي الصحيحين عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا؟ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»([5]).
والشكر أيها الأخوة هو : الاعتراف بالنعمة وعدم جحودها وظهور أثرها علي العبد حالاً ومقالا , قال ابن قيم الجوزية هوظُهُورُ أَثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا. وَعَلَى قَلْبِهِ: شُهُودًا وَمَحَبَّةً. وَعَلَى جَوَارِحِهِ: انْقِيَادًا وَطَاعَةً ([6]) , سُئل الجُنيد e ([7]) عن الشكر فقال : الشكر : بذل المجهود بين يدي المعبود ([8]). وقال أيضاً : الشكر ألا يُعصى الله بنعمه ([9]).
ومن أسمائه U الشكور , فهو يشكر لعباده مسعاهم الحسن قال تعالي : {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء : 147] ويقول تعالي : {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء : 19] , وقال تعالي في سياق ما أعده من الجزاء الوافر والنعيم المقيم لأهل طاعته : {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان : 22] . وقد نصح النبي m به أحباءه فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ t ، أَنَّ النَّبِيَّ m أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ» . فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: " أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " ([10]) .
وقد أمر الله به أتباعه ووصف به أنبيائه فقال لخاتم المرسلين k : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ` بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر : 65 - 66] , وقال لموسي u : {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف : 144] , وعن نوح u يقول : {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء : 3] , ويثني المولي U علي خليل الرحمن إبراهيم u فيقول : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ` شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل : 120- 121] .
وذكرنا ربنا تبارك وتعالي بنعمه وآلائه التي لا تُعدُ ولا تُحصي لعلنا نهتدي إلي شكره فقال : {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل : 14] وقال : {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر : 12] وقال تعالي : { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر : 61] وقال : {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [النمل : 73]
وأمر الله عباده المؤمنين بالشكر حتي لا ينشغل العبد بالنعم وينسي المُنعم قال تعالي : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة : 172] .
ونهانا ربنا I عن نقيض الشكر وهو الجحود والكفران فقال تعالي : {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة : 152] , ووعد أهل الشكر بالنماء والزيادة فقال : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } [إبراهيم : 7] وفي الحديث القدسي : أَهلُ شُكرِيْ أَهلُ زِيَاْدَتِيْ ([11]) , فالسعيد الموفق من اهتدي إلي شكر الله علي نعمه قال تعالي : {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان : 12] .
تأمل معي ما حكاه القرآن عن نبي الله داود وولده سليمان c وعلي نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم كنموذج لأهل الشكر , فقد أنعم الله علي داود u بنعم كثيرة يقول تعالي : {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة : 251] وقال : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ` أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [سبأ : 10 - 11] وَقَالَ تَعَالَى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء : 79] , فما كان من داود u إلا أن شكر الله قولا وفعلا فقد ورد أنه جزّأ ساعات الليل والنهار عليه وعلي أهل بيته فلم تكن ساعة من ليل أو نهار إلا وبعض أهله قائم يصلي لله U , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ".
ومن مظاهر شكره لله تعالي كما قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: كَانَ يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا يَبِيعُهَا بِسِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. فينفق ثلثها عليه وعلي أهله ويتصدق بالباقي شكرا لله U ([12]) .
وكذلك فإن سليمان u قد أعطاه الله U نعم كثيرة ومن ذلك أن الله سخر له الريح تحمله هو وجنوده مسيرة شهرين في اليوم والليلة وأسال الله له عين القطر أي «أَسَالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا مِنْ نُحَاسِ»([13]) تسيل له في الشهر ثلاثة أيام , وسخر له الجن تعمل بأمره ما يشاء مما يعجز عنه البشر من القصور والتماثيل وغير ذلك , فما كان من سليمان u إلا ان شكر نعمة الله تعالي عليه يقول تعالي : {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)} [سبأ : 12 - 13] , ومن مظاهر شكره أنه لما سمع حديث النملة تبسم من قولها وشكر الله U يقول تعالي : {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)} [النمل : 18 - 19] , وعندما رأي عرش بلقيس مستقراً عنده بادر بالاعتراف بالنعمة وبفضل الله عليه يقول تعالي : {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل : 40] .
ولنا في رسول الله k أسوة حسنة فقد كانت حياته كلها شُكرا دائما وكان من دعائه m : رَبِّ اجْعَلْنِي شَكَّارًا لَكَ، ذَكَّارًا لَكَ ([14]) .
ومن مظاهر شكر الله U أن تشكر لوالديك قال تعالي : {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان : 14] .
ومن مظاهر شكر الله U أن نشكر لذوي الفضل علينا ففي الحديث القدسي : يَقُولُ اللهُ: مَا شَكَرْتَنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْ مَنْ أَدَّيْتُ لَكَ النِّعْمَةَ عَلَى يَدَيْهِ" ([15])
وقد أخرج البيهقي e في شعب الأيمان عن عُمَرُ بْنُ صَدَقَةَ الْجَمَّالُ ، قَالَ : " كُنْتُ مَعَ ذِي النُّونِ بأَخَمِيمِ فَسَمِعَ صَوْتَ لَهْوِ دِفَافٍ وَأَكْبَابٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ : عُرْسٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسَمِعَ إِلَى جَانِبِهِ بُكَاءً وَصِيَاحًا وَوَلْوَلَةً ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : فُلانٌ مَاتَ . فَقَالَ لِي : يَا عُمَرُ بْنَ صَدَقَةَ ، أُعْطِيَ هَؤُلاءِ فَمَا شَكَرُوا ، وَابْتُلُوا هَؤُلاءِ فَمَا صَبَرُوا ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ بِتُّ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ " ، فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ أَخْمِيمٍ إِلَى الْفُسْطَاطِ " .
وما نراه الأن في عاداتنا من الأفراح والأحزان ليس من الشكر في شئ بل ليس من الدين فقد أصبحنا نري في أعراسنا وأفراحنا ما ينوء به الجبين ويحزن له القلب من فواحش ومنكران ناهيك عن المخدرات وقد انتشرت هذه الأفراح القبيحة المذمومة في بلدنا وعلي أن أنبه أن هذه الأفراح غير جائزة وصاحبها آثم ومن شاركه فرحته أو حضر لتهنئته وهو يعلم أن محارم الله تُنتهك ويُجترأ علي حدوده فيها من شرب للخمر والمسكرات والراقصات العاريات فهو أيضا آثم فإن لم يكن بالمشاركة فبالرضا والسكوت حيث لم يمعر وجهه في الله أسفا بل ويجب علينا جميعا أن نقاطع مثل هذه الأفراح ونحاول منعها وأقول لمن هو مقبل علي الزواج أن الزواج نعمةٌ من الله U يعصمنا بها من الفحشاء ويصون أعراضنا وتسكن به النفوس والقلوب وتتكون الأُسر , فالواجب علينا طاعة المنعم بشكر هذه النعم كإطعام الطعام للفقراء وليس باللهو والمجون وإهدار الأموال حيث أن ذلك يعني أننا قابلنا نعمة الله U بالجحود والكفران , ونظرة متأملة في كتاب الله U تدلنا علي كيفية شكره يقول تعالي : {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} [البلد : 8 - 17]
-
و {الْعَقَبَةَ} طريق النجاة أو جبل في جهنم أو نار دون الجسر " ح " أو الصراط يضرب على جهنم صعوداً وهبوطاً أو أن يحاسب نفسه وهواه وعدوه الشيطان. ([16])
-
{فَكُّ رَقَبَةٍ} معناه اقتحام العقبة فك رقبة أو فلم يقتحم العقبة إلا من فك رقبة أو أطعم، وفكها تخليصها من الأسر أو عتقها من الرق وسمىالرقيق رقبة أنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. ([17])
-
{مَسْغَبَةٍ} مجاعة. ([18])
-
{مقربة} قرابة. ([19])
-
{ذَا مَتْرَبَةٍ} مطروح على الطريق لا بيت له أو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره أو ذو العيال أو المديون أو الزَّمِن أو الذي ليس له أحد أو البعيد التربة أي الغريب . ([20])
-
{ثم كان من الذين آمنوا} لا يقتحم العقبة من فك أو أطعم إلا أن يكون مؤمناً. {بِالصَّبْرِ} على طاعة الله تعالى أو على فرائضه أو على ما أصابهم {بِالْمَرْحَمَةِ} بالتراحم فيما بينهم وتَرَحَّمُوا الناس. ([21])
[1] . مسند أحمد بن حنبل والأدب المفرد للبخاري والكرم والجود وسخاء لنفوس للبرجلاني وأمالي ابن بشران ومنتقي حديث أبي عبد الله محمد بن مخلد والعاشر من أمالي الحرفي والمقاصد الحسنة فيما اشتهر علي الألسنة وشرح مُشكل الآثار للطحاوي ومكارم الخلاق للخرائطي وفوائد أبي محمد الفاكهي والمستدرك علي الصحيحين للحاكم ومسند الشهاب القضاعي والسنن الكبري للبيهقي وشعب الإيمان للبيهقي والكرم والجود للبرجلاني ومكارم ألأخلاق لابن ابي الدنيا والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي .
[2] . رواه البخاري .
[3] . رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم .
[4] . رواه البيهقي في : السنن الكبري والآداب وشعب الإيمان , كذا رُوي في مسند الروياني والكني والأسماء للدولابي ورواه الطبراني في : المعجم الأوسط والمعجم الكبير ومسند الشاميين ورواه ابن بطة في ألإبانة الكبري ورُوي في فوائد تمام .
[5] . رواه البخاري ومسلم ومسند أبي داود الطيالسي ومصنف عبد الرزاق الصنعاني ومسند الحميدي ومسند أحمد والسنن المأثورة للشافعي وسنن ابن ماجة وسنن الترمذي وتعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي وسنن النسائي والسنن الكبري له وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والمعجم الأوسط للطبراني والكبير له ومعجم ابن المقرئ وفوائد تمام وتثبيت الإمامة وترتيب الخلافة لأبي نعيم والسنن الكبري وشعب الإيمان ومعرفة السنن والآثار للبيهقي و فضيلة الشكر لله على نعمته لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327هـ) والشكر لابن أبي الدنيا و الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319هـ) والزهد ل أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن سفيان بن الحارث بن عمرو ابن عبيد بن رؤاس الرؤاسي (المتوفى: 197هـ) والشمائل المحمدية للترمذي ودلائل النبوة للبيهقي وأخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني وتاريخ أصبهان ومعرفة الصحابة لأبي نعيم .
[6] . مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2 / 234 ) لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) تحقيق : محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة: الثالثة، 1416 هـ - 1996م عدد الأجزاء: 2
[7] . الْجُنَيْدُ , ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ الْنَّهَاوَنْدِيُّ ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْقَوَارِيرِيُّ ، وَالِدُهُ الْخَزَّازُ . , وهُوَ شَيْخُ الْصُّوفِيَّةِ وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ ، وَسَمِعَ مِنَ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ وَصَحِبَهُ ، وَمِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ ، وَصَحِبَ أَيْضًا الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ وَأَبَا حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيَّ ، وَأَتْقَنَ الْعِلْمَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ ، وَتَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ ، وَنَطَقَ بِالْحِكْمَةِ ، وَقَلَّ مَا وَرَى .
[8] . البحر المديد في تفسير القرآن المجيدلأبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ)
[9] . البحر المديد في تفسير القرآن المجيدلأبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ)
[10] . مسند الإمام أحمد والمنتخب من مسند عبد بن حميد والأدب المفرد للبخاري وسنن أبي داود ومسند البزار والسنن الكبري للنسائي وسنن النسائي وصحيح ابن خزيمة والمسند للشاشي وصحيح ابن حبان والدعاء للطبراني والمعجم الكبير للطبراني ومسند الشاميين للطبراني وعمل اليوم والليلة لابن السني والتوحيد لابن منده والمستدرك علي الصحيحين للحاكم وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء والدعوات الكبير للبيهقي والسنن الصغير للبيهقي وشعب الإيمان للبيهقي والشكر لابن أبي الدنيا والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف : أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319هـ)
[11] . شيخ الإسلام ذكره في مجموع الفتاوى وفي منهاج السنة بنص : ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي . وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي . وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي . وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُؤَيِّسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي . إنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ . أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُكَفِّرَ عَنْهُمْ المعائب )وذكره كثيرا ابن القيم. وذكره ابن رجب في كلمة الإخلاص.
[12] . قصص الأنبياء لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ) صــ 271 المجلد 2 - تحقيق: مصطفى عبد الواحد , مطبعة دار التأليف – القاهرة , الطبعة: الأولى، 1388 هـ - 1968 م
[13] . تفسير عبد الرزاق لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211هـ) ( صـ2401 ج 3 ) دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة: الأولى، سنة 1419هـ
[14] . جزء من حديث نصه : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي، وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي شَكَّارًا لَكَ، ذَكَّارًا لَكَ، رَهَّابًا لَكَ، مُطِيعًا إِلَيْكَ، مُخْبِتًا إِلَيْكَ، أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» أخرجه الإمام أحمد في مسنده وكذا في المنتخب من مسند عبد بن حميد والأدب المفرد وسنن ابن ماجة وأبي داوود والترمذي والسنة لأبي عاصم والسنن الكبري للنسائي وصحيح ابن حبان والدعاء للطبراني ومعجم ابن المقرئ والإبانة الكبري لابن بطة والتوحيد لابن منده والمستدرك ومسند الشهاب القضاعي والقضاء والقدر للبيهقي والزهد لوكيع والزهد لهناد بن السري ومصنف ابن أبي شيبة .
[15] . الحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وضعفه، ونصه قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، يَقُولُ اللهُ لِعَبْدِهِ: عَبْدِي، هَلْ شَكَرْتَ فُلَانًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ شَكَرْتُكَ، لِأَنَّ النِّعْمَةَ كَانَتْ مِنْكَ قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ: مَا شَكَرْتَنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْ مَنْ أَدَّيْتُ لَكَ النِّعْمَةَ عَلَى يَدَيْهِ"" والحديث وإن كان ضعيفاً سنداً إلا أنه صحيح معنى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم قال:" لا يشكر الله من لا يشكر الناس" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين، أحدهما: أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له، والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر معروفهم" انتهى.
[16] . تفسير القرآن (وهو اختصار لتفسير الماوردي) أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: 660هـ)
[17] . نفس المصدر السابق
[18] . نفس المصدر السابق
[19] . نفس المصدر السابق
[20] . نفس المصدر السابق
[21] . نفس المصدر السابق



ساحة النقاش