العازف الذي ضَلَّ الطريق

 


مع كل إشراقة شمس يشترك الناس في زحام الأحداث وتضارب الأيام ، وعلى الرغم من ذلك فمنهم من يقول أن لديه من الغربة والوحدة نصيب ، يقضي حياته سائراً دون شريك يُهَّون عليه ظُلمة الليل ، أو رفيق يحمل معه آمال النهار ، وهو بهذا لا يرى من خلال قناديل أيامه ما يمكن أن يركن إليه مطمئناً آمناً ، ولكل من يشكو وحدة أيامه وغُربة سنينه أَصُوغ هذه الكلمات التي تجعل من العالم الضيق الصغير كوناً فسيحاً مملوءاً بالزحام والأصوات ، أصواتٌ ربما تكون قد أهاجت العالم الأعلى خشية وإيمان ، فما كان من صواب فمن الرحمن ، وما كان من غير ذلك فمن عبدٍ من عِباد الله ، أرهقته الأيام فتآكلت معها أركان أفكاره.

سجين بناء على طلبه :

لكل إنسان في هذا العالم حُلْم يريد أن يحققه ، ولكل آدمي أمل في غدٍ أكثر إشراقاً وأعلى نجاحاً ، ولكن من الناس من يضل عن هدفه فيغيب حلمه في لحظات من الفشل والنجاح المتتابعين ، وسرعان ما يختفي هذا الحلم تحت ظلام الإستسلام والتأثير الحاد لطعنات دموعه الخاسرة على واقع لا يرضاه ، ومستقبل تاه من تحت قدميه ، هذا بالإضافة إلى ماضي لم يعطه ما كان يأمله ، ونجد أن هذا الصنف من الناس يترنح ويكاد أن يسقط مُدَّعياً أنه وحيد في هذا العالم ، فلا يجد من يملأ له وحدته أو يفهم له مقولته ... مسكين هذا الذي غاب عنه إدراك الحق والحقيقة فصار حبيساً لغرفة مرعبة ، وضع جدرانها بيديه وصاغ طلائها الحالك بأفكاره وحزنه ، فهذا الذي وقع فريسة للتيه وأضاع رونق فكره وإبداعاته ليس إلا سجين في غرفة من الوحدة والإنعزال ، وهو بذلك يكون قد حقق المقولة التي تصفه بأنه "سجين بناء على طلبه" ، ولكن هل له ولنا في ميعاد جميل ؟ ميعاد يمكنه أن يجعل من وحده الإنسان ضوء يسير في المجرة بأكملها ، فتصير الكواكب والنجوم شهود له بأن هذا الإنسان هو في حد ذاته ظاهرة كونية رائعة الجمال ، أراد لها البديع أن تصول وتجول في طرقات سماء الدخان وأرض هي عابدة لله تعالى.

موعد في مظاهرة كونية:

من تعريف الوحده والإحساس بالغربة هو أن الشخص لا يجد في حياته شريك ، ولا يجد في طريقه من يشهد له بالصواب ، فَيـُجِيد له الكلمات ويرفع له المقدار ، ولكن إذا ترك الإنسان دروب الصدق والحقيقة ، فكيف له أن يدركها في غيرها ؟ إذا ترك الآدمي ما يجب عليه أن يفعل ، فكيف له أن يجد سعادة ما قد خُلِق له ؟ إنه يسير على أشواك من رغباته وأحلامه ، فإن لم تتحقق له كما يريد صار ينعي حظه ويجعل من فشله طريقاً يبكي عليه ، فهل لمن ضَلَّ الطريق أن يجعل من نبضات قلبه طريقاً آخر ؟ فإن للكون صوت لا يسمعه إلا من أراد أن يسمع ، وللعالم من حولنا وحدة في نغماته التي تجعله عزيز وغال ، وهو تَوَّحد مرغوب فيه ، وهو هدف لكل من أراد أن يعزف لحن من الوفاء والإخلاص ، إنها وحدة النغم الذي وجب علينا جميعاً أن نسمعه وأن نشارك فيه ، إنه قول العلي القدير: " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًاِ " (الأسراء 44 ) ، لقد أمر خالق الأكوان بالذِكر والتسبيح ، فانظروا إلى عالم لا تنتهي إبداعاته ، وانظروا إلى نمو النبات وثبات الجبال ، انظروا إلى مرور السحاب وصفاء السماء ، انظروا إلى سقوط صخرة من خشية الله ، أو إلى الماء يتدفق أنهاراً من جبال صماء ، إنه الخشوع الذي أراق الماء من قلب الجبل ، فهل في قلب الإنسان بعض من رقة قلب الصخور ؟ إن مشاركة الطير في تسبيحه كافية لأن تبدد وحدة أي وحيد ، ومشاركة الجبال والأراضين ذِكر الله لهو أمر كفيل بأن يبدد أكوام من أحزان بلغت بارتفاعها عنان السماء ، ولا ينبغي لابن آدم أن يصبح هو الصوت الغريب في لحن جليل تعزفه الأكوان ، فهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم يصف لنا عرض السماء والملائكة تملؤها ما بين ساجد وقائم وذاكر لله ، وهذا هو البيت المعمور يدخله في اليوم سبعون ألف ملك يسبحون ويحمدون ومنه لا يخرجون ، فهل ضَلَّ الآدمي عن هذا الكون المزدحم ليقول في النهاية أنه وحيد ؟ هل سيترك إبداعات المظاهرة الكونية المهيبة ليبدو في طرف آخر من الصورة وحيداً مهزوماً من نفسه ، يرجو النجاة ولا ينالها ، أو يأمل في المشاركة ولا يستطيعها ؟

العزف الجميل:

إذا أصابتك الوحدة فاجعلها وحدة التفرغ لذِكر الله ، وإذا ملأت الوحدة قلبك فاجعله أخشع من الحجارة وأصدق من نهر الحياة ، إذا لعبت الوحدة بأيامك فاجعلها شاهداً لك على عبادتك وتفردك في الدعاء لوجه الله ، لا تضيع فرصة تحويل إحساس الوحدة إلى زحام من أنغام الذِكر وترانيمه ، فأنت تحيا بين السماء والأرض وما فيهن ، فهل تسمع الأصوات في الرجع البعيد ؟ هذا نِجمٌ يُسَّبِح بحَمْد الرحمن ، وهذه أضواء الكواكب والسماء في وقت الغروب وكأنها لحن من التهليل والتكبير لواضع الميزان ، هل عشت يوماً مع الرمال وأمواج البحار تنصت لغناء تسابيحها ؟ هل كانت للنباتات الصغيرة عندك درجة رفيعة بذِكرها للرحمن ، ولازالت أصواتها العذبة تحمده تعالى في سجودها ؟ سِر يوماً رافعاً وجهك إلى السماء لترى السحاب معك يُسَّبح ويحمد ، إنقل نظرك إلى ذرات التراب تحت قدميك ، هل تسمع صوتها يترنم بتكبير الإله ؟ أدِّر رأسك أينما شئت وألقي بنظرك أينما ذهبت ، فهل ترى غير عباد لله؟ هل تسمع من مخلوقاته من يقول غير لا إله إلا الله ؟ يقول تعالى: " هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (إبراهيم 52) ، هل رأيت يوماً فراشاً لا يسقط من نور ؟ هل رأيت قلباً لا ينبض بحب ؟ كل القلوب تحب ، وكل العيون تدمع ، وكل الناس تحيا ، ولكن لمن تحيا ؟ وبمن تأْمَّن وتستمر ؟ إن لم ندرك أننا منه وبه وإليه ، فنكون كمن لم يدرك في حياته مثقال ذرة من خير.

شاركوا الخلق ألحانه ، شاركوا الكون طبيعته ، تجدون أعذب عالم من النغمات ، شاركوا ملائكة السماء نشرها الذِكر للرحمن ، اعزفوا الكلمة من الوجدان ، اجعلوا لحظات تسبيحكم لله عالم من الألحان ، وماذا لو فاضت الدموع من أعين الذاكرين ؟ هل هناك أَرَّق وأفضل من تناغمها مع صدق التائبين ؟ فيا أيها الذي يشعر بأنه وحيد ، اجعل شعورك بالوحدة قدرة خاصة على مناجاة الرؤوف الرحيم ، اجعل وحدتك هذه أنشودة للحب الإلهي الذي لا ينضب له معين ، فمن ذا الذي يؤنس وحدتك غيره ؟ ومن ذا الذي يدرك ما تشعر به سواه ؟ من منا لا يتوق إلى السكينة والمودة تحتوي قلبه ؟ من منا لا يعشق السباحة في أنهار من الرحمة والعدل ؟ إذا أردنا أن نكون لله عابدين فلابد أن تتماثل أفْعَالُنا ونَغْم الكون الواحد ، تنتمي مع مظاهرة الكون الرهيبة لتنادي على اسم الواجد ، تتمنى منه الرضا والرضوان ، وحسبي أنه لا يوجد لابن آدم حلم أغلى ولا أمل أبعد ، فإذا أردت أن تجعل وحدتك زحام ، وإذا أردت أن تجعل غربتك وطن ، وإذا أردت أن تجعل أيامك ولياليك فيض عطاء وإدخار ، فلن يكون هذا كله إلا بعزف أنشودة التكبير والتسبيح لمالك يوم الدين ، لن يكون هذا إلا بصوتك الذي يعرف طريقه في الدعاء لرب السماوات السبع والأراضين ، لن يكون هذا إلا بملء الأجفان من دموع التوبة ..والخشوع ..والحب ، ولن يكون هذا إلا برجاء الدعاء يملأ القلب ... إنه تعالى دائماً في إنتظار عزفك لنغمات عبادته ، فهل أنت من العازفين ؟ أم ستظل صوت وحيد في كون يجيد عزف لحن رب العالمين ؟

بسم الله الرحمن الرحيم " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ" صدق الله العظيم

د.وائل كمال
emansamy

Emi

  • Currently 105/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
35 تصويتات / 218 مشاهدة
نشرت فى 17 إبريل 2005 بواسطة emansamy

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

1,314,852