صفر بعد اليوم!

 

لست أعرف لماذا يركز الإعلام عندنا دائماً علي السلبيات، ويتجاهل ما قد يكون حولنا من إيجابيات، لا يستطيع أي منصف إنكارها، فإذا حصلت مصر مثلاً علي صفر في تصويت المونديال يظل هذا التصويت هو الشغل الشاغل للصحف وأجهزة الإعلام علي مدي أكثر من سنة، أما إذا تخطت مصر الصفر وحصلت علي أي عدد من الأصوات في أي تصويت آخر، فإن ذلك يقابل بتجاهل تام وكأن أجهزة إعلامنا قد أصيبت كلها بالصمم والعمي، فلا هي سمعت بهذا التصويت ولا قرأت عنه أو وصلها خبره.

أقول هذا بمناسبة التصويت المهم الذي جري أخيراً في الأمم المتحدة، لشغل ١٣ مقعداً مخصصة لأفريقيا في المجلس الجديد الذي أنشأته المنظمة الدولية لحقوق الإنسان، وحين نتحدث عن حقوق الإنسان فإننا نتحدث عن قضية غاية في الأهمية يعرفها مسؤولونا جيداً، وقد أنشأنا لها مجلساً قومياً سبقنا به الأمم المتحدة نفسها، وفي دورة تدريبية أقيمت أخيراً لضباط جنوب مصر حول حقوق الإنسان قال محافظ سوهاج محمد الشعراوي عن حق: إن معيار تقدم الأمم يرتبط الآن بمدي احترامها لحقوق الإنسان وصون حرياته الأساسية، وزاد عليه السفير أحمد الغمراوي فقال بفخر واعتزاز أقره عليه، أن موضوع حقوق الإنسان ليس غريباً علي مصر، لأنها هي التي صدرته إلي العالم ممثلاً ـ علي حد قوله ـ في الدكتور محمود عزمي سفيرنا السابق، الذي خط بيده مشروع وثيقة حقوق الإنسان عام ١٩٤٨.

ولقد بحثت عن نتيجة التصويت الذي شهدته قاعة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في الأسبوع الماضي، لانتخاب الدول الأفريقية التي ستشارك في عضوية مجلس حقوق الإنسان فلم أجد أي خبر في أي صحيفة مصرية بعد أن كانت كل الصحف قد نشرت خبر ترشيح مصر لشغل أحد مقاعد المجلس، لم أقرأ نتيجة التصويت ولا حتي في الصحف الحكومية، التي عادة ما تتلهف علي أي أخبار إيجابية عن الحكومة أو عن مسؤولينا حتي لو كانت نقلاً عن صحيفة في تركمانستان أو بنجلاديش، بل إن وزارة الخارجية نفسها ـ لسبب لا أعلمه ـ أرادت هي الأخري أن تغطي علي نتيجة التصويت فعادت عن تصريحاتها الأولي، وقالت إن مصر لم ترشح نفسها ولم يجر عليها التصويت، لكن ذلك ـ علي ما يبدو ـ كان من قبيل التواضع، فقد وجدت نتيجة التصويت علي موقع الأمم المتحدة علي الإنترنت وكانت نتيجته مشرفة بالنسبة لمصر، فرغم أنها لم تحصل علي أي من المقاعد الـ ١٣ المخصصة لأفريقيا إلا أنها ـ وأقولها عالية واضحة ـ لم تحصل علي الصفر المعتاد في الاقتراعات الدولية.

لقد شاركت دول العالم جميعاً والبالغ عددها ١٩١ دولة في اختيار ممثلي أفريقيا في المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وكانت النتيجة حسب ما أعلنته الأمم المتحدة كالتالي: غانا «١٨٣ صوتاً» زامبيا «١٨٢ صوتاً» السنغال «١٨١ صوتاً» جنوب أفريقيا «١٧٩ صوتاً» كل من مالي وموريشيوس والمغرب «١٧٨ صوتاً» الجابون «١٧٥ صوتاً» جيبوتي «١٧٢ صوتاً» كل من الكاميرون وتونس «١٧١ صوتاً» نيجيريا «١٦٩ صوتاً» الجزائر «١٦٨ صوتاً».

أما الدول التي لم تفز بالعضوية لتدني عدد الأصوات التي حصلت عليها فكانت: كينيا «٩ أصوات» وكل من تنزانيا ومدغشقر ومصر «صوت واحد فقط لكل منها يعتقد أنه صوتها».

وهكذا كسرت مصر أخيراً حاجز الصفر، كما تكسر الطائرات السريعة حاجز الصوت، بعد أن ارتبط الصفر دولياً باسمها فترة طويلة، وكان من واجب إعلامنا صاحب الريالة «ما لقلمي اللعين يخطئ دائماً في هذه الكلمة!!» أقصد صاحب الريادة أن يبرز هذا الإنجاز القومي الكبير الذي يعود الفضل فيه لجميع أجهزة الدولة التي أصبحت تسهر ليل نهار علي حماية حقوق المواطنين ليس فقط في السجون أو في أقسام البوليس، وإنما أيضاً في جميع أركان تلك التخشيبة الجميلة التي أصبحت تتسع الآن لأكثر من ٧٠ مليون نسمة، ينعمون فيها جميعاً بحقوق الإنسان التي صدرناها كلها ـ علي ما يبدو ـ للعالم عام ١٩٤٨ فلم يبق لنا منها إلا تصريحات المسؤولين.

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 585 مشاهدة
نشرت فى 29 مايو 2006 بواسطة elmogahed

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

87,488