حلول العاشر من يونيو - حزيران انتهت المهلة التي منحها مجلس الأمن بين التصويت لصالح إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وبين سريان القرار. لكن خلال الأيام العشرة بين صدور القرار وبين دخول المحكمة حيز التنفيذ لم يجتمع مجلس النواب اللبناني للتصديق عليها داخليا كما تمنى مؤيدو المحكمة. وبقيت الخلافات السياسية الداخلية في لبنان، ومن وراء ستار أيضا الخلافات الإقليمية، هي العنوان البارز في السؤال عن مستقبل المحكمة ومستقبل الوضع الداخلي. رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، صور المحكمة على أنها نقلة تاريخية إلى الأمام، معتبرا ما قبلها "زمن القتل والجريمة من دون حساب،" وما بعدها "زمن الحساب والعقاب لكل من يريد لبنان ساحة مفتوحة للإجرام." وهذا حديث عن العدالة كقيمة مطلقة يرد كثيرا على لسان مؤيدي المحكمة. ووزير الثقافة، وزير الخارجية بالوكالة، طارق متري كرر نفس الشيء في حوار مع الهيئة اللبنانية للإرسال مستشهدا بكلمة أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون التي استنكر فيها أن يخير لبنان بين العدالة وبين الاستقرار. لكن القيم المطلقة تصير نسبية حين تختلط بالسياسة. فالمعارضة في لبنان تقول أيضا إنها تؤيد مبدأ العدالة، لكنها تريد عدالة منضبطة سياسيا لا تتيح للدول الكبرى استغلالها لبسط نفوذها. ويجد رأي المعارضة صدى في رد فعل وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، على المحكمة التي يعتبرها بداية شأنا لبنانيا، مذكرا أن سورية "لا تتنازل عن سيادتها لأي جهة كانت." لكنه يعرب عن قلقه من التأثير السياسي: "ما يهمنا في هذا الموضوع هو أثره على لبنان." وهذا يعيد الحديث إلى نقطة البدء في الجدل النظري: العدالة آلية لتحقيق الاستقرار السياسي بما تحويه من عقاب لكل من يرهب الآخرين، أم، العدالة تخضع للقدرة السياسية وأن خلق أجواء الاستقرار سابق على العدالة. ومنذ دخلت المحكمة عاملا في الجدل السياسي اللبناني، شهد البلد عددا من التفجيرات وعمليات الاغتيال التي طالت شخصيات سياسية وإعلامية مؤيدة لنهج التيار الذي يدعم إنشاء المحكمة الدولية، كما تزامنت بعضها مع خطوات إقرار المحكمة. والاتهامات التي تبادلتها أطراف في الماضي عن الجهة المسؤولة عن هذه الاغتيالات والتفجيرات تكررت في الحاضر حين تزامنت المواجهات بين الجيش اللبناني وفتح الإسلام مع الاستعداد لإقرار المحكمة الدولية. ومع غياب دليل دامغ حتى الآن، حسب تعبير الصحفي خليل فليحان، فمن الصعب القطع بالعلاقة بينها وبين المحكمة الدولية، "لأنها تفجيرات مجهولة الهوية، تتنقل من مكان إلى مكان." واستعراض الأحداث السابقة هنا غرضه محاولة للنظر إلى المستقبل في فترة ما بعد سريان تنفيذ المحكمة الدولية. المتفائلون يعتقدون أن إقرارها سيساعد على النظر إلى الأمام، وسيسحب هذه القضية الخلافية من المعادلة، مما يساهم في تقارب سياسي داخلي يحلحل الأزمة التي شلت البلد وعطلت أي صورة للتعاون بين السياسيين اللبنانيين. ويدللون على ذلك بأن المبادرة الفرنسية لجمع الأفرقاء اللبنانيين في حوار غير رسمي لقيت ترحيبا من كافة الأطراف تقريبا. أما معارضو المحكمة وقسم من مؤيديها فيعلمون أن قرار إنشائها نفسه يحمل عثرات للمستقبل. من هذه العثرات، والكلام لخليل فليحان، أن أحدا لا يعلم "كيف سيكون رد فعل معارضي المحكمة إذا اتخذت تحركا ما، كطلب شهود أو إعلان أسماء متهمين." وبالإضافة إلى هذا هناك مسائل أخرى تتعلق بتمويل المحكمة الذي يتحمل لبنان 49 في المئة منه، والذي يقر سنويا داخل الحكومة اللبنانية في حينه. وتتعلق أيضا بمدى إلزام القرار للدول الأخرى. وهل يحتاج طلب شهود من دولة ما أو تسليم متهمين قرارا جديدا يلزم هذه الدولة إن اعترضت. وهنا تنتقل المحكمة من الأزمة الداخلية إلى العلاقات الدولية بتشعباتها وتغير ظروفها، وربما مساوماتها وصفقاتها.
  • Currently 48/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 495 مشاهدة
نشرت فى 28 يونيو 2007 بواسطة elmoaser

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

79,173