موقع مزيف احذر الدخول فيه

موقع مزيف احذر الدخول

 

روى لي الشاعر نزار قباني مرة انّه التقى في بيروت في أحد الأيام بالشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، فسألها عن أحوالها فأجابته انها بصدد طبع ديوان جديد لها، فقال لها وهو يضحك: "لا تتعبي يا لميعة في نظم الشعر، وخير منه كتاب منشور تروين فيه حكايتك مع بدر شاكر السياب".. كان نزار قباني يقدم نصيحة ثمينة للشاعرة التي كانت زميلة العراقي الكبير بدر شاكر السياب في دار المعلمين العالية ببغداد، والتي تذكر عادة في عداد الفتيات اللواتي أحبهن بدر في شبابه.
كانت لميعة في شبابها صبية جميلة إلى أبعد الحدود، وقد افتتن بها بدر أيما افتتان، وهو يذكرها في مواضع عدة في شعره، من أبرزها قصيدته التي عنوانها "أحبيني لانّ جميع من أحببت قبلك ما احبوني"، وفيها يذكر عدة نساء مررن في حياته قبل السيدة التي يخاطبها في هذه القصيدة "أحبيني"، منهن لميعة التي يذكرها بالاسم، ويروي زيارتها له في "جيكور" بإحدى العطل الصيفية، وكيف انه صحبها يومها في أحد المراكب بنهر "بويب" -على الأرجح-.. يذكر بدر لميعة في هذه القصيدة على أنها واحدة من اللواتي أحبهن ولم يحببنه، وكيف يمكن لفتاة يومها في عمر لميعة وفي جمالها الأخاذ الذي ظل يرافقها إلى أن شاخت قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة لتقيم فيها نهائيا وتختفي أخبارها، كيف يمكن لمثل هذه الصبية الحلوة الممشوقة التي تشبه نخلة من نخلات العراق أن تحب شخصاً دميم الصورة، ضعيف البنية، مريضاً بمرض كان يومها غير قابل للشفاء؟
طبعاً كان كل منهما شاعراً، وكان من حق كل منهما أن يحب ويعشق وقد ارتبطا معا بعلاقة هي اقرب إلى المودة والرفقة والصداقة منها إلى الحب بمعناه المعروف ومن الطبيعي أن يسرع بدر في خطاه مع لميعة، وان تكون خطوات لميعة مع الشاعر الشاب الذي يتسبب بها أبطأ من خطواته، فبدر كان يحب كل النساء اللواتي كان يلتقي بهن، وفي الطليعة رفيقاته في دار المعلمين، ومنهن لميعة، وكان كل شعره في تلك الآونة غزلاً، وكان الدفتر الذي سجل فيه شعره ينتقل من واحدة إلى أخرى في صفه، وفي ذلك يقول:
ديوان شعر كله غزل
بين الصبايا بات ينتقل
حول علاقة بدر مع لميعة؛ هناك من الباحثين من يجزم بأنها اقتصرت على الابتسامات وتبادل النظرات، وهذا ليس قليلاً عند الشعراء، فالابتسامة أو النظرة من شأنها أن تنفذ إلى القلب فتشعله، أو إلى المخيلة فتلهبها، وتنتج شعراً، كثيراً كان ذلك في بغداد الأربعينيات، حيث المرأة لم تكن تظهر في الحياة العامة إلاّ قليلاً، ولا شك أنّ لميعة عباس عمارة ألهمت بدر وأوهمته في أنها تحبه، وإن كانت عمليا قد مرت في حياته كالخيال.
ولكن هناك من الباحثين من يقول بأنّه من غير المعقول أن يذكر بدر لميعة في عداد محبوباته ولا يكون قد ظفر منها ولو بقبلة، ولميعة التي تركت بيتها في بغداد ذات صيف، واستقلت القطار إلى البصرة، ثم التقطت سيارة إلى "جيكور" البعيدة حوالي (٥٠) كيلو متراً عن البصرة، وأمضت ليلة أو أكثر في ضيافة بدر وأهله، لابد أن تكون وهبت بدر أكثر من النظرات والابتسامات، لابد أن تكون قد قبلته مرة عند حضورها، وأخرى عند الوداع، ولكن هل كانت هاتان القبلتان صادرتين عن مجاملة أم عن حب؟
ما من جواب حول هذه النقطة، وعند لميعة الخبر اليقين، فالسياب لا يذكر في شعره سوى أنّه احبها وأحبته، وهو لم يترك بالطبع سيرة ذاتية، فلم يبق والحالة هذه سوى أن تستجيب الصبية الحلوة -كما دعاها نزار قباني- أن تروي سيرتها مع بدر، وهي ما يهتم به القارئ قبل أي شيء آخر.
شعر لميعة يستحسن من سيدة تقرض الشعر، ولكنه ليس في منزلة شعر "نازك الملائكة" رفيقتها في دار المعلمين ببغداد، ولعل سيرتها أن كتبتها ذات فائدة الأطراف، فهي تقدم فائدة لتاريخ الأدب الحديث في عراق الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كما تقدم فائدة لدارسي شاعرها العظيم الذي استقر اسمه في لائحة كبار شعراء الحداثة العربية في القرن العشرين، وتقدم فائدة أيضا لتاريخ العراق الاجتماعي، إذ تظهر ملامح عصرها وزمانها، وكيف نهض التعليم والأدب في العراق، أما كيف انطفأ العراق نفسه بعد ذلك فهذا من شأن سواها أن يرويه.
وتبقى نصيحة نزار للميعة في غاية الأهمية أيضاً، ولو لم تنفذ، الشعر تراجع تراجعاً مخيفاً في كل مكان، وليس عند العرب وحدهم، وفن السيرة الذاتية يتقدم في كل مكان، ويسجل نجاحاً مذهلاً عند القارئ، فكيف إذا كان الراوي شاعرة، والمروي عنه شاعراً في مكانة بدر وظروفه؟

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 13 مايو 2016 بواسطة dsdsdsfffssff