موقع مزيف احذر الدخول فيه

موقع مزيف احذر الدخول

 

ملهمة السياب تخلع رداء الثمانين بديوان كتبته بـ«دم بدوي»

 

منذ أن كانت طفلة، وقد خلعت عقدها الأول من عمرها، كانت ترسل قصائدها إلى الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي الذي كان صديقا لوالدها، وقد نشرت لها وهي في سن الرابعة عشرة من عمرها مجلة «السمير» أول قصيدة، وقد عززها أبو ماضي بنقد وتعليق مع احتلالها الصفحة الأولى من المجلة، وحينها قال شاعر المهجر: «إن كان في العراق مثل هؤلاء الأطفال، فعلى أية نهضة شعرية مقبل العراق».
لم تكن هذه الطفلة التي كانت محل إشادة شاعر المهجر الكبير سوى لميعة عباس عمارة، التي ولدت قبل 82 عاما من اليوم، على ضفة جانب الكرخ في بغداد، وصدقت تنبؤات الشاعر أبو ماضي؛ فقد صارت هذه الطفلة شاعرة كبيرة، بل ومحطة من محطات الشعر في هذا القطر الذي ظل طوال عشرات القرون رحما لولادة الشعراء.
ولدت لميعة عباس عمارة في منطقة الكريعات بنواحي بغداد، وجاء لقبها «عمارة» من مدينة العمارة حيث ولد والدها، وقد درست في بغداد حتى حصلت على إجازة دار المعلمين العالية في الخمسينات من القرن الماضي، وعاشت في أجواء ثقافية وشعرية خلال دراستها في الدار، حيث اجتمع في تلك الفترة عدد من الشعراء أبرزهم السياب والبياتي والعيسى، والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، الذي تربط لميعة به صلة قرابة؛ فهي ابنة خالته. في مثل هذه الأجواء تفجر الشعر عند لميعة وصقلت موهبتها الشعرية، وعلى مدى عدة عقود أصدرت الشاعرة دواوين عدة منها «الزاوية الخالية» 1960، و«عودة الربيع» 1963، و«أغاني عشتار» 1969، و«يسمونه الحب» 1972، و«أنبأني العراف» 1980، و«البعد الأخير» 1988.
وتكريما للشاعرة في عيدها الثمانين، نشرت «جداول» ديوانا جديدا للميعة بعنوان: «أنا بدوي دمي»، بعد سنوات من الركض في محطات الشعر وبعد أن أنعشتها جبال لبنان في خضرتها الساحرة وينابيع مياهها.. وبعد أن تغربت في أكثر من مكان بين بغداد ودمشق والقاهرة والرباط وطرابلس، لكن حنينها ظل دائما «لأول منزلِ»، كانت بيروت منزلها وكانت بغداد حنينها.
وضم الديوان الأخير قصائد قالتها الشاعرة في مدن عربية وفي غيرها، وقد عهدت به إلى الأديب الناقد ياسين رفاعية، الذي كتب مقدمته ووصفه بأنه ديوان دموع رحيل، وأشواق، ووداعات، وحياة تمور بالشعر؛ إذ فيه يرود الربيع الشوارع، ويدق الأبواب.. ديوان فيه الستائر ترفع والنوافذ تشرع.. لقد تم الوعد على صفحات هذا الديوان وعم الفرح.
وفي تعريف الديوان، يؤكد الناشر، من جديد، أن «الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب حينما نظم رائعته (أنشودة المطر)، فإنه لم يكن يقصد إلا عيني الشاعرة الشابة آنذاك، لميعة عباس عمارة، ملهمته وزميلته في دار المعلمين.. هذه الشاعرة التي شاء القدر أن تغترب عن وطنها العراق في ترحال دائم.. تنتقل من بلد إلى آخر، ومن وطن إلى وطن، لتستقر في ولاية كاليفورنيا الأميركية، ترقب من بعد وتشاهد أحداث ومتغيرات بلادها العربية الكبيرة، التي تغزلت فيها كثيرا عبر ترحالها الدائم والطويل».
ويقول الناقد ياسين رفاعية إن «المكان شكل في شعر لميعة عباس عمارة الحيز الأكبر في تجربتها الشعرية، ظلت كطائر النورس على رحيل دائم.. وهذا التنقل من بلد إلى بلد ومن وطن إلى وطن أنقذ شعرها من اليباس، وحافظ على طراوته.. فالقصيدة لدى هذه الشاعرة مبللة بالتجربة وبنقاوة اللغة، خصوصا وأنه - أي الشعر - يصدر عن أنثى فتنعكس شخصيتها عليه، ولمعان الفكرة بما يمكن القول: (ولكل امرئ من اسمه نصيب)»، ويضيف رفاعية: «إن شعرها فيه نكهة السلام والهدوء.. يخيمان فوق السهول الآمنة، التي يستطيع الشعر الآن أن يحلق فوقها بدعة.. نداء الينابيع الصافي ترد عليه العصافير التي تقصد دائما المناهل الشعرية، ينساب كمزمار راعٍ فوق المروج، يحكي لنا في شعر لميعة عباس عمارة قصة أليفة وحبيبة اعتدنا أن نسمعها لكننا نسيناها منذ سنوات، فإذا برجع الصدى في هذا الديوان الجديد القديم الذي حمل عنوان الترحال في الصحراء العربية: (أنا بدوي دمي) فينساب شعره بترجع كأبواق قصر يشرع أبوابه ويدعو الجميع إلى الدخول قبل أن يفوت ميعاد الفتح، ويغلق من جديد، أو كأجراس تدق في المزارع وعلى عتبة البيوت وتدعو قراء الشعر إلى مائدة سخية من عشاء القصائد المحبوكة بشغف الروح قبل أي شيء آخر».
واعتبر رفاعية أن شعر لميعة عباس عمارة يشبهها إلى حد كبير، كحسناء واقفة على مورد ماء مترقرق، تستيقظ، وتروح تنفخ في بوقها عند ينبوع بعيد نصل إليه قبل حلول المساء بقليل، لافتا إلى أن القصيدة عند الشاعرة عمارة تخرج دون تخطيط.. تقول شيئا فإذا بها تقول شيئا مغايرا، فالشعر ليس مثل الآداب الأخرى لا يخطط له: إنما ينبع من مكامن الروح. تلك هي الولادة الجديدة، وكي تحصل، فلا بد من عسر اللحظة الأولى في اقتحام الوجود والمجيء إلى الحياة، وهذا لا يتم دون تحطيم القشرة الزائفة كما تفعل المياه المتفجرة بزخم في أعماق الأرض.
والديوان هو مختارات من شعر لميعة عبر سيرتها الشعرية.. الرحيل مأزقها الدائم، حيث لم يقر لها قرار إلى أن ختمت بعيدة في كاليفورنيا ضيفة على ابنها المستقر أساسا هناك.
قصائد مدن عربية وغير عربية.. قصائد لملوك وأمراء حيثما تضطر في زياراتها مدعوة إلى هذه البلدان، ولكل حال قصيدة طقوسها، وأكثر المدن التي كسبت من شعرها «بيروت» التي كانت حبيبتها بالمطلق.. لها دائما هذا الحنين الذي لا يفتر ولا يبرد:
معصية أن يتقشف إنسان في بيروت
يأوي كالعصفور من العصر
لفراش ممطور بزفير البحر
يتمرن كيف يموت
ويضم الديوان قصائد حديثة متعددة التفعيلات وأخرى ذات وزن واحد وقافية واحدة. برعت لميعة في كلتيهما شاعرة متفوقة.
وبلغ بالناقد الإعجاب بشعر لميعة لدرجة القول: «يوجد لحظة في الحياة تستوقف الفنان وتطلب منه أن يخلدها لأن مهمته، كما هي مهمة الشاعر، تتلخص في أن يمنحنا التنعم بالأبدية وسط الزمان المتقلب. إنه في لحظة الأبدية هذه يتصل بالروح، فيبسط كفه نحونا ليمدنا بالقبس الإلهي، ولينقل لنا بأصبعه العدوى المباركة.. إنه شعر لميعة نتبارك به حبا وإعجابا».

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 13 مايو 2016 بواسطة dsdsdsfffssff