موقع مزيف احذر الدخول فيه

موقع مزيف احذر الدخول

 

 

ثمة اهتمامٌ عالمي بالرواية، وقد أولاها النقاد كثيراً من الدراسات، لأنها سيدة الفنون الأدبية، ومع أن القصة القصيرة، لا تزال تجد لها أمكنةً على الساحة الثقافية، وتؤكد تواصلها في الصحافة والمجموعات القصصية، إلاّ أن ثمة اهتماماً زائداً ظهر –في الآونة الأخيرة- في الوطن العربي، باتجاه القصة القصيرة جداً، وربما كان مردّ هذا الاهتمام عائداً إلى أسبابٍ متعددةٍ، لعل من أهمها: العصر الذي يتسم بالسرعة، والذي أُطلق عليه في الغرب الثقافي عصر (الهمبرغر) وقالوا عنه في الشرق، عصر حبوب (الفيتامينات) الأدبية، وعصر (المعلّبات) الغذائية والثقافية، لأن كل شيءٍ في هذا الزمن الذي ندخل فيه القرن الحادي والعشرين، بات (معلّباً) بتوجيهٍ غربي، لسيادةِ نمطٍ ثقافيٍ واحدٍ، أو أنموذج مدروسٍ، تعبيراً عن قيمٍ إنسانيةٍ جديدة، عملت على إبرازها (الآلة) التي تطحن الإنسان في كل لحظةٍ من لحظات عمره، وتنظّم الساعةُ الإليكترونية مواقف حياته، في إنشاءات حضارية، وهو –في العالم الثالث، أو النامي، أو المتخلّف- يلمس بحدّةٍ ما يقع عليه من أساليب القهر والإرهاب، والظلم والاستغلال، وقد حاول الأقوياء الذين يفرضون (النموذج) المعبّر عن مصالحهم، أن يفلسفوا نظرياتهم بمسوّغات (شيطانية) ويقيموا قاعدةً للمواءمة بين الظلم والمنطق، بين الحضارة والقمع الوحشي، واستقبلنا –نحن في الشرق- في كتاباتنا ومؤسساتنا الثقافية والإعلامية، تلك القيم الجديدة، بإيجاد التسهيلات عن طريق (تعليبها) وأخذنا نفتح تلك المعلّبات في الحالات الاضطرارية والعادية، لئلا نسقط من الحزن، أو خداع النفس، أو الألم، والهمّ، والقهر، وفقدان الأمن من خوفٍ وجوع، وخواء روحي وخلقي لم يعهد له الشرق مثيلاً- باستثناء اجتياحات المغول والتتار، نتيجةً لازدهار ظلم الأقوياء، وخفوت أنين الضعفاء وسكان الأقبية الرطبة، حيث أصبح الظلم مبلوراً في صُورِ قوة السلاح، وقوة (الدولار) وقوة الثقافة، وقوة الخبث، وقوة القهر (المازوشية) وقوة التحلّل الذي بدأنا نشاهده في بيوتنا مع أبنائنا ونسائنا، وفي المنتجعات الخاصة والعامة، ثم عملنا على إدخاله إلى مخادع نومنا سرّاً في البداية، ثم علناً بعد أن خلعنا –في كثيرٍ من البيوت- أردية الحياء والخجل، وسال لعابنا أمام شهوة المغريات الرخيصة، والمثيرة وتبلّدت الأحاسيس والمشاعر، وأُعطيت الأخلاق إجازةً مفتوحة.
في القصة القصيرة جداً، شيءٌ كثيرٌ من الغربة، على الرغم من قول العرب "البلاغة في الإيجاز" وفيها تكثيفٌ وتكوينٌ وتشكيلٌ فنيّ يشبه تكثيف الغابة المثيرة التي تترك الإنسان –بعد أن يملأ ناظريه وعقله منها- يمضي في دروبها حائراً، يتلّمس لقدميه مواطئ، ويستهدي لباصرته نوراً هادئاً مريحاً "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور"
قد تحمل القصة القصيرة جداً، والمكثفة، فكرةً مركّزة، لا تتطرق بصورة مباشرة إلى إشاراتٍ واضحةٍ، وإنما تخفي في داخلها ما طبعته هذه الحياة في الفكر، وفي الوجدان، من قيمٍ فكريةٍ وحضاريةٍ، في ومضاتٍ كتابية، قد تصل بفنها إلى القصة، أو الخاطرة، أو اللقطة الحية، أو الترنيمة أو اللمسة الحريرية الرقيقة التي تشبه تألّق الحلم.
وقد تلجأ القصة إلى فكرةٍ تُقدّمها إلى القارئ في صورةِ رمزٍ موحٍ، ولغةٍ شعريةٍ، أو همسةٍ دافئةٍ، أو لوحةٍ واضحةٍ وضوح اللقطة الواقعية القريبة من التسجيلية (الفوتوغرافية) وقد تمتزج هذه العناصر، اللغةُ والرمزُ والصورةُ لتشكّل المعمار الفني الذي تشدّ به القارئ وتجذبه لتضعه في مجالها (المغناطيسي) ويمكن أن نمثل لذلك بقصةٍ قصيرةٍ جداً عنوانها (رسالة) من مجموعة (أصداء) لنجيب محفوظ، هذا نصها:
"وردةٌ جافةٌ مبعثرةُ الأوراق، عثرتُ عليها وراء صفٍ من الكتب، وأنا أُعيد ترتيب مكتبتي ابتسمتُ انحسرتْ غيابات الماضي السحيق عن نورٍ عابرٍ وأُفلت من قبضة الزمن حنينٌ عاش دقائق خمساً. وندّ عن الأوراق الجافة عبير الهمس، وتذكرت قول الصديق الحكيم: قوة الذاكرة، تتجلّى في التذكر، كما تتجلّى في النسيان".
وأسلوب القصّ، في القصص القصيرة جداً – على الرغم من أنها مزاج فنيّ وشخصي- لا يبعد كثيراً عن أسلوب القصة القصيرة العادية، من حيث الفكرةُ، والهدفُ والاهتمامُ، والعاطفة، ولكنها ربما تميّزت من شقيقتها الأطول، بما تحمله من خصائص القصّ الراقية التي تعتمد على الإدهاش والإثارة، وانتهاء القفلة بموقفٍ مؤثر غير متوقعٍ، أو المزج بين الحلم والواقع الذي ينوء الإنسان بثقله.
إن موضوع القصة القصيرة جداً، قد يكون مطروقاً أو معاداً، ولكن الطريقة الجديدة في التكثيف- هي التي تضفي عليه ألوان الجدّة والإثارة والإدهاش- وأحب أن أركّز على(الإثارة والدهشة) لأن القصة القصيرة جداً، تغدو بهما (كائناً حياً) قوامه التصوير السريع والفنيّ، الذي يخاطب الذهن، ولا يتسلّل إلى الوجدان فحسب، وإنما يخاطب العقل والفكر أيضاً، لأن من أوليات مهمات هذا الكائن الحي أن يتحوّل في عصر الكمبيوتر والإنترنيت والفضائيات، إلى (شاشة) تحطّ عليها الأنظار لتُجسّد المشاهد الكبيرة والصغيرة ، التي تبعث في القارئ- المشاهد- لذّة الاستقبال والتلّقي، بتصويراتٍ عاطفيةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وحضاريةٍ، عَبْرَ حبكةٍ محكمةٍ تلحّ في النهاية على القيمة الإنسانية لمخلوق هذا العصر، الذي تحوّل فيه لدى كافكا إلى صرصورٍ، وتحوّل عند كولن ولسن إلى صوفي غربي، وتحول عند البرتومورافيا إلى شبحٍ يتلوّى بفحيح الجنس، ثم آخر (الصرعات) قد تحوّل إلى (صفر) عبر المنظور الأمريكي الذي روّج إلى نظامٍ دولي جديد، وإغراق العالم في (عولمة) تعيد الإنسان إلى القرون الوسطى، وتسويغ فعلة نيرون في إحراق روما.
في قصص المجموعة انفتاحٌ عريضٌ على العصر بكل غلواء أثريائه، وعهر الطبقة الاجتماعية الأرستقراطية، الطافية على رؤوس الفقراء، وانسياق البسطاء وراء النماذج الكرتونية الغربية، وتخلخل القيم في النفوس، وتحكّم سلاح الأقوياء بالشعوب المستضعفة.. وفيها فوق كل ذلك، مرايا ترينا وجوهنا على حقيقتها مجردةً بغير أصباغ، وتضع أصابعنا التي أحرقت أمام عيوننا مباشرةً، وترينا أنفسنا التي فقدت كثيراً كثيراً من البراءة والحب والخير والجمال والحق..


  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 112 مشاهدة
نشرت فى 20 إبريل 2016 بواسطة dsdsdsfffssff