وإذا كانت هناك مشكلة فى فهم القرآن فهى ناتجة من أن للقرآن أدواتِه ومداخلَه التى يتعين على من يريد فهمه الفهم الدقيق والعميق أن يتوسل بها، ويأتى على رأسها ما يسمى فى "علوم القرآن" بــ"أسباب النزول"، وهى الظروف التى واكبت نزول هذا النص أو ذاك من نصوص القرآن، إذ القرآن يقوم على الإيجاز وتجنب التفاصيل والتفريعات، ويكتفى عادة بالخطوط العامة مهملاً الأسماء والتواريخ وتحديد الأماكن...إلخ، على عكس الحال مع مؤلفى العهد القديم والعهد الجديد الذين جعلوا وُكْدهم التأريخ لبنى إسرائيل وأنبيائهم، فجاء ذانك الكتابان أقرب للسيرة النبوية منهما للقرآن فى الغاية وطريقة التأليف، بل إن السيرة النبوية فى التفاصيل والتفصيصات فى غير قليل من المواضع لتبدو بالنسبة لهما وكأنها النسمة البليلة بالنسبة لحر الصيف المرهق بل المزهق. وعلى أية حال فمعروف أن من يريد دراسة نص ما وتذوقه عليه أن يلم بعدة أشياء كى يصل إلى مبتغاه من هذا الفهم والتذوق على أحسن ما يرام، أما من يريد أن يفهم أى فهم والسلام، ولو كان فهما مغلوطا أو ضبابيا، فهذا شأن آخر، ولن نتكلم فى هذه الحالة عن التذوق والاستمتاع. إن الفهم والتذوق الصحيح يقتضيان أن يكون القارئ على معرفة كافية بقواعد اللغة والبلاغة، ومقدرة على استعمال المعجم، وإلمام معقول بالخلفية التاريخية والجغرافية والاجتماعية والنفسية التى تقف خلف النص، وأن يكون صاحب ممارسة ودربة فى ميدان القراءة واستطعام الأساليب الأدبية، وإلا فلن يتحقق له الفهم والتذوق المطلوبان.
أما قوله إن فى القرآن مئات الألفاظ التى حيرت الصحابة واستعصت على أفهامهم فهو كلام سخيف وتافه وكذاب مثل صاحبه لا يؤبه له ولا يوقف عنده! إن كل ما ضربه من أمثلة على دعواه هذه لا يعدو مثالين، ولا أظن أن الصحابى المذكور فى كل حالة لم يكن يفهم دلالة اللفظ بالمعنى الذى يريد الكاتب أن يخيّله لنا، بل كل ما هنالك أنه لم يكن يحدد المعنى على وجه الدقة كما يحدث لكثير منا مع بعض النصوص، إذ تبقى هناك ألفاظ لا يتضح معناها تمام الاتضاح، ولا يمنع هذا من فهم النص رغم ذلك، إذ من قال إن كل قارئ يفهم كل نص يطالعه فهما دقيقًا عميقًا بحيث لا يكون هناك أى لفظ إلا وكان معناه مَجْلُوًّا تمام الجلاء؟ ثم إنه إذا لم يفهم قارئٌ ما كلمةً أو عبارةً أو تركيبًا فليس معنى هذا أن هذا اللفظ أو ذلك التركيب أو تلك العبارة غير قابلة للفهم بالنسبة لكل القراء كما يزعم الكاتب؟ وإلا فالسؤال هو: فمن إذن يا ترى شَرَحَ الكلمتين المذكورتين للصحابيين الجليلين؟ إنهم أشخاص عرب آخرون، لا أشخاص أَتَوْا من الفضاء الخارجى. ومن الواضح أن اللفظين اللذين ذكرهما الكاتب هما من الألفاظ الخاصة بقبيلة أخرى غير التى جاء منها الصحابى موضع التعليق، فمن الطبيعى ألا تكون اللفظة واضحة المعنى لمن لا ينتمى إلى تلك القبيلة. ذلك أن القرآن لم يقتصر فى بعض الحالات على لهجة قبيلة واحدة. وهذا كله إن كانت مثل هذه الروايات فعلا صحيحة. وها هو ذا ابن عباس يفسر كلمة "الأبّ" ببيت من الشعر وردت فيه يدل على أنها نبات من النباتات. وقد جاء هذا الكلام فى "الإتقان" للسيوطى، لكنك، أيها المبشر الرقيع، لم تورده لأنه يكذّبك فى أصل وجهك. وهذا هو نص السؤال الذى طرحه نافع بن الأزرق على ابن عباس وجواب ترجمان القرآن عليه كما نقله السيوطى عن "مسائل نافع بن الأزرق": "أَخْبِرْني عن قوله تعالى: وأَبًّا. قال: الأبّ: ما يعتلف منه الدواب. أمَا سمعتَ قول الشاعر:
ترى به الأبَّ واليقطين مختلطًا على الشـ*ـــــــريعة يجري تحتها الغرب؟"
أما زعم ذلك المجنون أن النبى لم يستطع هو أيضا أن يفهم معنى هذه الألفاظ فلا أدرى ماذا أقول بشأنه. ألم يحاول الكاتب الأحمق أن يسأل نفسه: فكيف يا ترى تسللت هذه الألفاظ التى لم يكن النبى يفهمها إلى القرآن، الذى يزعم المؤلف أنه مخترعه؟ إنه ما من كلمة فى القرآن إلا وهى تعنى شيئا فى سياقها وتشعّ بالإيحاءات وتنفح بأنفاس الجمال والجلال، لا تتخلف كلمة واحدة عن ذلك، وهو ما يدل على أن كل لفظة من ألفاظه كانت مقصودة معروفة المعنى مشحونة بالإيحاءات والإيماءات منذ البداية. أما ادعاء المؤلف أن الصحابة قد سألوا النبى عن عدد من الألفاظ فعجز عن شرحها لهم فهو ادعاء من شأنه أن يسوق صاحبه إلى مستشفى الأمراض العقلية، إذ ما الذى يحمل النبىَّ على أن يضمن قرآنه مثل هذه الألفاظ؟ ألا يعرف أنه سوف يُسْأَل عن معانيها، وأنه سوف يُعَرِّض نفسه لحَرَجٍ بالغٍ، بل قد تواجَه رسالته كلها عندئذ بالتكذيب إنْ هو لم يعرف كيف يشرحها لهم،! وهذا لو قبلنا أصلا أن يُقْدِم الرسول عليه السلام على استعمال ألفاظ ليس لها دلالة فى ذهنه، بما يعنى أنه كان يستعمل ألفاظا لا وجود لها فى اللغة، إذ أَنَّى لإنسان بألفاظ لا يعرف لها معنى فيستخدمها فى كلامه؟ فإن قيل إنه كان يحفظها ويرددها دون فهم قلنا إن الشخص فى هذه الحالة يكون عنده فهمه الخاص (والخاطئ بطبيعة الحال) لهذه الكلمات، أما أن يقال إنه لم يكن يعرف لها معنى البتة فهذا لا يجوز عند أصحاب العقول، اللهم إلا إذا كان رجلا هازلا، وكانت الظروف التى يتحدث فيها ظروفا تبعث على الهزل أو على الأقل تتحمله! وأين هذا من ظروف الرسول عليه الصلاة والسلام أو من شخصيته أو شخصية أصحابه؟ وبطبيعة الحال فأنا لا أقول عن الرسول إنه هو مؤلف القرآن، فأنا، والحمد لله، أعقل من هذا، بل أنفقت عمرى فى البرهنة العقلية على أنه رسول من عند رب العالمين وأن القرآن الذى أتى به هو كتاب الله سبحانه، لكن طبيعة المجادلة هى التى تجعلنى أتسامح غاية التسامح مع أمثال ذلك المبشر الأحمق حتى أُبْطِل له كلّ شبهة ولا أترك له ولا ثَقْب إبرة ينفذ منه.
كذلك يقول الكاتب إن فى القرآن كثيرا جدا من الألفاظ التى لا وجود لها فى أية لغة من اللغات. وهذا كلام عجيب لا معنى فى الواقع له إلا أن المبشرين الذين يحاربون القرآن قد فقدوا عقولهم. طيب يا ابن الحلال (وابن الحلال هذه هى على سبيل التهكم لا الحقيقة! أقولها، ورزقى على الله، حتى يفهم المسكين قصدى ولا يظن أنى أمدحه، فمن الواضح أن آلة الفهم لديه معطلة أو معطوبة أو من نوع مضروب غير يابانى) أقول: طيب يا ابن الـحلال، إذا كان الصحابة قد عجزوا عن فهم هذه المئات من الألفاظ القرآنية، ومن قبلهم الرسول نفسه، فمعنى ذلك أن النص القرآنى هو نص مغلق (مغلق لا بالمعنى الحداثى المأفون الذى يريد من ورائه الحداثيون أن يفصلوا أى نص عن سياقه حتى يعيثوا فيه فسادا بالتفسيرات الشيطانية بشبهة أن مؤلفه قد مات، وخلّف بنات، وأصبحوا هم الورثة له يفعلون به ما يشاؤون وما تشاء لهم شياطينهم، مع أن الله سبحانه قال إن الذين يستحقون إرث الأرض (وقِسْ عليها كل إرثٍ صالحٍ آخَر) إنما هم "عبادى الصالحون"، بل بمعنى أن النص القرآنى الكريم غير قابل للفهم)، إذ ليس هناك، كما ترى، باب أو حتى ثغرة فى جدار يمكن أن ينفذ منها القارئ إلى فهمه، وإلا فما الذى يبقى من النص القرآنى حين يدعى هذا الرجل العجيب أنه يحتوى على مئات من الألفاظ التى لا يستطيع أحد فهمها ولا حتى الرسول نفسه الذى أتى به، سواء قلنا إنه أتى به من عند الله أو من عند نفسه؟ طيب (وإن شاء الله يَطِيب ويَنْهَرِى لقاء ما شغلنى عن عمل شىء مهم بدلا من توضيح غبائه وهَطَله والتواء عقله ونيته)، طيب إذا كان الأمر كما تقول يا ذكى (و"ذكى" هنا مستعمَلة على سبيل السخرية، فلا يَغُرَّنّك ظاهر القول!)، فكيف تم تفسير هذه الألفاظ فيما بعد وفَهِمَ الناس القرآن إذن وفسَّروه ودرسوه وترجموه: مسلمين وغير مسلمين؟ أم تراك تقول إنهم، حين فسروا هذه الألفاظ، قد أَعْطَوْها تفسيراتٍ كُلّشِنْكانيّةً؟ وهذه الكلمة الأخيرة لن تفهمها بطبيعة الحال ما دمت لا تفهم السهل المباشر!
يا أخى القارئ الكريم، هأنتذا ترى كيف يحارب المبشرون قرآن الله المجيد ويرسلون إلينا الرسائل يحرضوننا على ترك الإسلام والكفر بسيد الرسل والأنبياء قائلين إننا ينبغى أن نعود ثانية إلى ديانة أجدادنا المصريين الذين أُكْرِهوا على الإسلام إكراها بالقتل والتعذيب والاضطهاد واغتصاب النساء! يعنى: يأمروننا بالكفر بعد إذ نحن مسلمون، مرددين هذه المرة كذبة أخرى بدلا من الكذبة القديمة التى كانت تقول إن المسلمين ليسوا مصريين بل عرب محتلون، ولما انكشف سخف هذه الفِرْية (التى كان سخفها مكشوفا من البداية، لكن فهمهم البطىء مثل حاسوبى الذى أكتب عليه الآن قد استغرق وقتا طويلا ومملا حتى فهمها كما فهمها الآخرون للوهلة الأولى)، لما انكشف سخف هذه الفرية غيَّروا الأسطوانة كما نسمع وتسمعون، وشرعوا يتهمون العرب بأنهم أكرهوا أجدادنا على اعتناق الإسلام واغتصبوا نساءهم! يا سيدى، نحن راضون، وعلى رأى المثل: أنا راض، وأبوها راض، فما دخلك أنت يا قاض؟ ولا أظن أننا سنترك توحيد محمد النقى إلى غيره، فلينصرف كل منا إلى ما يعتنقه، ولا داعى للشتم ليل نهار فى رسولنا الكريم والدين القيّم الذى أتى به والقرآن المجيد الذى نزل عليه، هذا الشتم الذى يدفعنا إلى الرد مضيعين وقتنا بدلا فى إنفاقه فى شىء مهم، ولولا هو ما اهتممنا بالحديث فى هذه الموضوعات، فكل إنسان حر فى معتقده وعبادته، لكن هناك للأسف أقواما لا يحبون أن يشيع السلام بين طوائف العباد.
ويشير المؤلف إلى أن فى "الإتقان" لجلال الدين السيوطى فصلاً كاملاً يزيد على مائة صفحة بعنوان: "فيما وقع فيه بغير لغة العرب" خصَّصه كله لـلكلمات القرآنية التى تحتاج إلى شرح، كما يؤكد قائلا إن مفردات اللغة العربية الفصحى وبعض تعبيراتها لم تعد تستعمل الآن بَتَّةً حتى من قِبَل العرب أنفسهم، فضلا عن أن العربية ذاتها هى من التنوع والتشعب حتى لقد قال الشافعى عنها إنها لا يحيط بها إلا نبى. ومن ثم فهو يتساءل: ما الفائدة يا ترى التى يمكن أن يجنيها العالم من كتاب الله إذا كان هذا الكتاب مصوغا بلغة صعبة حتى على العرب أنفسهم بما فيهم صحابة النبى، وبخاصة أن العلماء المسلمين يصرون على أنه لا يجوز ترجمة القرآن، بل لا يمكن معرفة وجه إعجازه عن طريق الترجمة، ولا بد من قراءته بالعربية، وكأن الله عربى، ولا يريد أحدا من غير العرب أن يقرأ القرآن؟
ويقول الكاتب المسكين (لكن ليس من المساكين الذين هم أحباب الله، فأولئك هم الأطفال البرءاء، أما هو وأمثاله فليسوا من البراءة ولا البراءة منهم فى شىء) يقول إن السيوطى قد خصص نحو مائة صفحة لشرح الكلمات الصعبة فى القرآن بما يعنى أن القرآن صعب الفهم لأنه مكتوب بلغة صعبة. وهذا الكلام من كاتبنا المسكين (المسكين بالمعنى الذى تعرفون، فلا داعى للتوضيح مرة أخرى) ينسف كل ما قاله عن وجود مئات الألفاظ فى القرآن غير قابلة للفهم، فهذا هو السيوطى رضى الله عنه، ولا رضى عن كل كذاب مداور يحاد الله ورسوله ويدعو إلى الكفر، قد استطاع شرح الكلمات التى كان هذا الكذاب يزعم قبل قليل أنها لا يمكن فهمها أبدا ولا بالطبل البلدى (أو بالأوركسترا السيمفونى، وذلك حسب موقعك من خريطة التذوق الموسيقى: فإن كنت مثل حالاتى وحالات يوسف السباعى ومن لفّ لفّنا فتوكل على الله واختر الطبل البلدى (البلدى يُؤْكَل!)، وأما إن كنت على شاكلة حسين فوزى وفؤاد زكريا وأمثالهما فسبيلك السيمفونيات). وهذه واحدة، أما الثانية فلو أن القارئ الكريم كلف نفسه ورجع إلى السيوطى وطالع تلك الكلمات فلسوف يتبين له فى الحال أن الأغلبية الساحقة منها لا تحتاج إلى أى شرح، وأن كثيرا من المتبقى بعد هذا إنما يشرحه السيوطى بمعناه المجازى الذى يظن أنه يحتاج إلى توضيح، مع أن الأمر ليس بمثل هذه الحاجة. وإليكم البيان بأول ثلاثين لفظا من الألفاظ التى أوردها السيوطى فى قائمته المذكورة وشَرَحَها:
"يَعْهَمُون: يتمادَوْن. مطهَّرة: من القذر والأذى. الخاشعين: المصدِّقين بما أنزل الله. وفي ذلكم بلاء: نعمة. فُومها: الحنطة. إلا أمانيّ: أحاديث. قلوبنا غُلْف: في غطاء. ننسخ: نبدّل. نُنْسِها: نتركها فلا نبدّلها.مثابة: يثوبون إليه ثم يرجعون. حنيفًا: حاجًّا. شطره: نحوه. فلا جناح: فلا حرج. خطوات الشيطان: عمله. أُهِلّ به لغير الله: ذُبِح للطواغيت. ابن السبيل: الضيف الذي ينزل بالمسلمين. إنْ تَرَك خيرا: مالاً. جَنَفًا: إثمًا.حدود الله: طاعة الله. لا تكون فتنة: شِرْك. فَرَضَ: حرَّم. قُلِ العفو: ما لا يتبين في أموالكم. لأَعْنَتَكم: لأَحْرَجَكم وضيَّق عليكم. ما لم تمسّوهن أو تفرضوا: المس: الجماع. والفريضة: الصَّدَاق. سكينة: رحمة. يئوده: يثقل عليه. صَفْوان: حجر. صَلْد: ليس عليه شيء. متوفّيك: مميتك". هذا، وأحب أن أضبف شيئا، ألا وهو أننا لو قرأنا هذه الكلمات فى سياقها من الآيات الكريمة ما احتجنا فى فهمها إلى أى شرح تقريبا، وهذا هو الفهم الذى يحتاجه كل إنسان، أما لو كان قصدنا التعمق فى التفسير والتحليق فى آفاق النص العليا التى لا تهم إلا المتخصصين ومن يلوذون بهم فهذا شىء آخر. وللعلم فإن المعجم القرآنى ليس كبيرا كما قد يظن بعض الناس، فمعنى وجود مئات الألفاظ فيه غير قابلة للفهم أنه لا فائدة فى القرآن الكريم ولا أمل من ورائه فى الهداية أو التعليم، فكيف يا ترى تطوّر المسلمون كل هذا التطور وكانت لهم حضارتهم وثقافتهم وعقيدتهم وتشريعاتهم التى تختلف اختلافا كبيرا عما فى أيدى الآخرين حتى من الذين يقولون إنهم يؤمنون بعيسى وموسى عليهما السلام؟ وكيف يا ترى نفسر وجود هذه الطوائف المتتالية على مدى القرون من المفسرين ومعربى القرآن ومستخلصى العقائد الإيمانية والقواعد الفقهية والنظم الأخلاقية والمبادئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية منه؟ أكل هؤلاء مجانين أو على الأقل مضللون، وأنت وحدك الذى تفهم الفُولة وقشرتها؟ ما أصدق فمك الطاهر الشريف يا رسول الله، صلى الله عليك وسلم، حين قلت: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت!".
وإضافة إلى هذا فإن تخطئة الكاتب الكذاب للقرآن الكريم تدل على أنه، وهو الأعجمى، يفهم القرآن، على الأقل فى نظر نفسه (إلهى يَنْطَسّ فى نظره! قولوا: آمين!)، فما بالنا بالعرب، بل بالصحابة، بل بالرسول، الذى جُنَّ الرجل الباذنجان هذا وزعم أنه عليه السلام لم يكن يفهم القرآن؟ طيب لماذا؟ ألا يدل هذا يا كذاب يا قرارىّ أن القرآن قد جاءه من خارج نفسه ولم يؤلفه هو؟ أليس هذا هو مقتضى هذه الكذبة البلقاء التى كَذَبْتَها وانقلبتْ عليك شأن كل من يقف فى طريق القرآن كما انقلبتْ منذ غير بعيد على ملفقى "الفرقان الحق" حسبما بينتُ من خلال الكتاب الذى رددتُ فيه عليهم وفضحتهم وهتكت ستره وسترهم، هذا الكتاب الذى سرقه "أبو عبد الرحمن" منى حرفيا (شُفِ الوقار الذى فى اسم "أبو عبد الرحمن"، وليس شىء منه فى اسم العبد لله، مع أن هذا السارق لا يزال فى طور الشباب، وليس رجلا كبيرا مثلى! لكن ماذا نقول فى عُدّة الشغل ومستلزماته؟)، وبعد أن سرقه منى غنيمةً باردةً زعم فضيلته أنه قد واصل الأيام والليالى فى تأليفه خدمةً لكتاب الله ودفاعًا عن دينه (يا ليتها ما زَنَتْ ولا تصدَّقَتْ!)، ولم ينس توجيه الشكر لــ"أم عبد الرحمن" على ما بذلته معه من جهد وما شجعته به أثناء... أثناء ماذا؟ أثناء سطوه طبعا على كلامى وفكرى. الواقع أنها حاجة تكسف وتبعث على الاشمئزاز! لكن ما علينا من هذا الآن، وتَعَاَلْوا إلى ما كنا بصدده! ألا إن موعدنا الصبح، وليس الصبح ببعيد!
وجوابا على سؤال المبشِّر الذى يقول فيه: "ما الفائدة يا ترى التى يمكن أن يجنيها العالم من كتاب الله إذا كان هذا الكتاب مصوغا بلغة صعبة حتى على العرب أنفسهم بما فيهم صحابة النبى، وبخاصة أن العلماء المسلمين يصرون على أنه لا يجوز ترجمة القرآن، بل لا يمكن معرفة وجه إعجازه عن طريق الترجمة، ولا بد من قراءته بالعربية، وكأن الله عربى، ولا يريد أحدا من غير العرب أن يقرأ القرآن؟"، جوابا على هذا نقول إنه إذا كان هناك من علماء المسلمين من لا يجوِّز الترجمة فهناك فى الوقت نفسه من لا يجد بأسا، بل يرى الفائدة كل الفائدة، فى الترجمة، على أن يُفْهَم من الترجمة أنها ليست قرآنا بل مجرد محاولة لنقل معانيه إلى اللغات الأخرى. وهو موقف مستنير جدا، سواء فى تجويزه الترجمة أو نظرته إلى عملية الترجمة ذاتها على أنها ليست هى الأصل نفسه، بل مجرد محاولة لنقل المعانى التى يحتوى عليها هذا النص من لغة إلى أخرى لا غير. وبالمناسبة فهذا الكلام ليس خاصا بالقرآن وحده، يل يصدق على ترجمة أى نص، وبالذات النصوص الأدبية، وإن ظل للقرآن مع ذلك وضعه الخاص من حيث إعجازه وكثافة عبارته وأسلوبه الفذ الفريد وطبيعة كثير من الموضوعات التى تتجاوز نطاق الخبرة البشرية مما يتعلق بعالم الغيب وما أشبه. وعلى كل حال فالله سبحانه وتعالى لم يَنْهَ عن ترجمة كتابه، بل هو مجرد رأى لبعض العلماء يأخذ به من يأخذ، ويَدَعُه من يَدَع. وعلى كل حال مرة ثانية فهذا هى ذى الترجمات القرآنية بجميع لغات العالم تقريبا تملأ المكتبات، فلا داعى لكل هذه الضجة التى يزعج بها الكاتب آذاننا جهلاً منه وتساخفًا.
ومما انتقده المؤلف على القرآن أنه استخدم بعض الكلمات فى عكس معناها جريا على سنة العرب فيما يعرف فى لغتهم بــ"ألفاظ الأضداد"، إذ نراه يستخدم مثلا كلمة "بعد" بمعنى "قبل"، مربكا القارئ بهذه الطريقة الغريبة فى استعمال الكلمات فى عكس ما عُرِف لها من معنى. وهو هنا يستشهد بالسيوطى، الذى ينقل عن ابن خالويه أن "بعد" قد استعملت فى القرآن بمعنى "قبل" فى موضعين هذا أحدهما. والآية التى وردت فيها هذه الكلمة بالمعنى الذى يضفيها عليها السيوطى هو قوله تعالى: "ولقد كتبنا فى الزَّبور من بعد الذِّكْر أن الأرض يرثها عِبَادِىَ الصالحون""، مع أن تفسير الآية لا يحوج إلى كل هذا التكلف الذى لجأ إليه ابن خالويه ظنا منه، فيما أتصور، أن "الذِّكْر" هنا هو المقرآن الكريم، وما دام الزبور قد جاء قبل القرآن فــ"بعد" إذن فى الآية تعنى: "قبل". لكن الحقيقة تقتضى أن نقول إن الآية لا تحوج كما قلنا إلى هذا التفسير المعكوس، إذ المعنى فيها أن الله سبحانه وتعالى، بعد أن ذكَّر الناس فى الزبور بالإيمان به سبحانه وبوجوب التمسك بالهدى والصلاح، قد كتب فى الزَّبور نفسه أيضا أن الأرض يرثها عباده الصالحون. وقد رجعتُ بعد هذا إلى "تفسير التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور فوجدته يقول نفس ما قلت، وإن كان قد أضاف أن هناك من يقول إن "الذكر" المراد هنا هو "التوراة"، وهى قد نزلت قبل الزبور، ومن ثم فلا تضاد ولا يحزنون. أى أن المسألة هى مجرد اجتهاد من السيوطى وابن خالويه، اجتهاد مشكور بلا ريب، وإن كنا لا نشاطرهما نتيجته. وهذا نص ما كتبه ابن عاشور: "ومعنى "مِنْ بَعْد الذِّكْر" أن ذلك الوعد ورد في الزَّبُور عقب تذكيرٍ ووعظٍ للأمة. فبعد أن أُلْقِيَتْ إليهم الأوامر وُعِدُوا بميراث الأرض. وقيل: المراد بــ"الذكر" كتاب الشريعة، وهو التوراة". كذلك فقوله تعالى فى الآية 30 من سورة "النازعات": "والأرضَ بعد ذلك دَحَاها" معناه: "فوق ذلك، فضلا عن ذلك، إلى جانب هذا"، وهو مثل قوله سبحانه "فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟" (الجاثية/ 6)، "فإن الله هو مولاه (أى مولى رسول الله) وجبريل وصالح المؤمنين. والملائكة بعد ذلك ظهير" (التحريم/ 4)، "ولا تُطِعْ كلَّ حلاّفٍ مَهِين* همّازٍ مشّاءٍ بنَمِيم* منّاعٍ للخير معتدٍ أثيم* عُتُلِّ بعد ذلك زَنِيم" (القلم/ 10- 13). وإذن فلا مشكلة هنا أيضا تستدعى كل هذا التصايح المضحك!
ونأتى إلى كلمة "ييأس"، التى يظن الرجل أنها لا تعنى فى العربية إلا شيئا واحدا، مع أن تعدد معانى اللفظ الواحد هو ظاهرة معروفة فى كل اللغات، بل هو من البدائه والمسلَّمات. لنأخذ مثلا كلمة "ضَرَب" ولننظر إلى معانيها المختلفة فى الاستعمالات التالية: "ضرب فلان فلانا على وجهه، وضربت الطبّاخ البيض فى الخلاط، وضرب موسى لقومه طريقا فى البحر، وضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وضربنا حول الأعداء نطاقا أو حصارا، وضربهم الله بالطاعون، وضربهم الزلزال، وضربت الدولةُ العُمْلَةَ الجديدة، وضربتُ عن هذا الأمر صفحا، وضرب الثور البقرة، وضرب عليهم الجزية، وضرب لهم موعدا، وضربه مَقْلَبا، وضرب الأستاذ لنا مثلا، وضربت شادية خمسة فى ستة بثلاثين يوما، وضربت هدى سلطان لحبيبها الودع"، وبالمناسبة فأنا أكرّ هذا من ذاكرتى، وإلا ففى المعجم معانٍ أخرى لهذا الفعل. فهل إذا استخدم أحدنا الفعل "ضرب" فى أى معنى غير الضرب الذى نعرفه يكون قد أخطأ كما يريد منا المبشِّر الأحمق أن نعتقد؟ ضربك الله على قلبك يا بعيد! وعلى هذا فما وجه الغرابة فى أن يكون للفعل: "ييأس" أكثر من معنى؟ لقد كان من العرب من يستخدمه فى معنى "الكف عن الأمل"، وكان هناك من يستخدمه فى معنى "العِلْم"، فأين المشكلة إذن؟ وبالمناسبة فمؤلفو العهد القديم كثيرا ما يستعملون الفعل: "عرف" بمعنى "جامَعَ"، والمسافة بين الأمرين أبعد من المسافة بين "يئس" و"عَلِم" كما يرى القارئ. وهذه بعض الأمثلة على ما نقول: "وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين" (تكوين/ 4/ 1)، "وعرف قايين امرأته فحبلت وولدت حنوك" (4/ 17)، "وعرف آدم امرأته أيضا فولدت ابنا ودَعَتِ اسمه شيثا" (4 /25)، "فنادَوْا لوطا وقالوا له :أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة؟ أَخْرِجْهما إلينا لنعرفهما" (19/ 5)، "وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا، وعذراء لم يعرفها رجل" (24/ 16)، "وفيما هم يطيِّبون قلوبهم إذا برجال المدينة، رجال بني بليعال، أحاطوا
بالبيت قارعين الباب وكلموا الرجل صاحب البيت الشيخ قائلين: أخرج الرجل
الذي دخل بيتك فنعرفه*...* فلم يُرِدِ الرجالُ ان يسمعوا له. فأمسك الرجل سُرِّيَّته وأخرجها إليهم خارجا فعرفوها وتعللوا بها الليل كله إلى الصباح. وعند طلوع الفجر
أطلقوها" (قضاة/ 19/ 22، 25)، "وشاخ الملك داود (يقصدون النبى داود، عليهم لعنات الله والملائكة والناس والجن أجمعين)، تقدم في الايام. وكانوا يدثِّرونه بالثياب فلم يدفأ* فقال له عبيده: ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة عذراء، فلْتقف أمام الملك، ولْتكن له حاضنة، ولْتضطجع في حضنك فيدفأ سيدنا الملك* ففتشوا على فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل، فوجدوا أبيشج الشونمية فجاءوا بها الى الملك* وكانت الفتاة جميلة جدا فكانت حاضنة الملك. وكانت تخدمه، ولكن الملك لم يعرفها" (الملوك الأول/ 1/ 1- 4). فما رأى سخيفنا الثقيل الظل، الوخيم النفس، الكليل الذهن، البليد العقل، الغليظ الإحساس؟
ونستطيع أن نَسُوق، على تعدد المعانى لِلَّفْظ الواحد، مثالا من كل من اللغة الإنجليزية والفرنسية حتى يخرس هذا الجاهل: فعندنا فى الإنجليزية مثلا كلمة "bull" التى تعنى، كما هو معروف، "ثورا"، لكنها تعنى أيضا "مرسوما بابويا" و"مُضاربا فى البورصة" و"قَلْب الهدف (الذى نصوّب عليه)"...إلخ، أما من الفرنسية فسنأخذ الفعل"manger"، الذى يدل، إلى جانب معناه المعروف، على المعانى المختلفة التالية: "manger toute sa fortune, manger beaucoup d argent dans cette affaire, manger la consigne, manger le chemin, manger de la vache enragee, manger du cure, manger de la prison, manger de baisers"، وترجمته على الترتيب: "بدد كل ثروته، خسر كثيرا من المال فى هذه القضية، نسى المهمة المكلف بها، ينهب الأرض نهبا، عانى شظف العيش، يعادى الأكليروس (بينى وبينكم له كل الحق، إن لم يكن من أجل شىء فمن أجل هذا المبشر السخيف!)، قضى وقتا طويلا فى السجن، غَطَّا(ه) بالقبلات".
والآن أحسب أن القارئ الذى كان خالى الذهن من هذه المعلومات (وهو القارئ الذى يضع هؤلاء المبشرون أعينهم عليه لأن من السهل على من كان خالى الذهن أن يسرع إلى الاقتناع بما يبدو للعين المتعجلة أنه صواب)، هذا القارئ أحسب أنه قد أصبح الآن مهيَّئًا لِكَشْف الدجل الذى كان المبشر الخبيث يريد أن يمارسه عليه وتَفَهُّم ما تقوله لنا المعاجم والأشعار من أنه لا شىء فى استعمال كلمة "يأْس" بمعنى "العِلْم"، ولا حتى بمعنى "السّلّ"، وهذا المعنى الأخير هو شىء جديد نضيفه بالمرة كى يتيقن القراء أن اللغة أوسع من أن يفتى فيها هذا الجاهل الذى لم يكتف بما أنعم الله به عليه من جهل، بل أضاف إليه الخبث والكيد الوضيع. ومن شواهد استعمال "اليأس" فى معنى "العلم" قول سُحَيْم بنُ وَثِيلٍ اليَرْبُوعِيُّ الرَّياحِيُّ:
أَقُولُ لَهُمْ بالشَّعْب إِذْ يَيْسِرُونَنِي: * * * أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟
أى "ألم تعلموا...؟"، وكذلك قول مالك بن عوف:
لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه * * * وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
أما استعمالها فى معنى "السّلّ" فمنه قول أبى العَاصِيَةِ السُّلَمِىّ:
فَلَوْ أَنَّ داءَ اليَاسِ بِي فأَعَانَنِي * * * طَبِيبٌ بأَرْوَاجِ العَقِيقِ شَفانِيَا
وفى "أساس البلاغة" أن استعمال "اليأس" بمعنى العلم هو استعمال مجازى، وأن دلالة قولنا مثلا: "قد يَئِسْتُ أَنّكَ رَجُلُ صِدْقٍ" على معنى "العِلْم" سببه أَنَّ الطَّمَع يصاحبه القَلَقَ، ومع انْقِطَاع القلق يكون السُّكُون والطُّمَأْنِينَة كَمَا هو الحال مَعَ العِلْم، ولِذلك قِيلَ: اليَأْسُ إِحْدَى الرّاحَتَيْنِ.
أما بالنسبة لاعتراض متفيهقنا على مجىء كلمة "نجم"، فى القرآن بمعنى "النبات الذى لا ساق به" فنسوق فى تفنيده وفضحه بعض ما جاء فى "لسان العرب" حول هذه الكلمة مع بعض التصرف: "نَجَمَ الشيءُ يَنْجُم نُجوماً: طَلَعَ وظهر. ونَجَمَ النباتُ والنابُ والقَرْنُ والكوكبُ وغيرُ ذلك: طلَعَ. قال الله تعالى: "والنَّجْمُ والشجرُ يَسْجُدان"ِ. وفي الحديث: "هذا إِبَّانُ نُجومِه"، أَي وقتُ ظهورِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. يقال: نَجَم النبتُ يَنْجُم، إذا طلع. وكلُّ ما طلع وظهر فقد نَجَم. وقد خُصَّ بالنَّجْم منه ما لا يقوم على ساقٍ، كما خُصَّ القائمُ على الساق منه بالشجر. وفي حديث حُذَيفة: "سِراجٌ من النارِ يَظْهَرُ في أَكتافِهم حتى يَنْجُم في صُدورِهم". والنَّجْمُ من النباتِ: كلُّ ما نبتَ على وجه الأَرض ونَجَمَ على غيرِ ساقٍ وتسطَّح فلم يَنْهَض، والشجرُ كلُّ ما له ساقٌ. ومعنى سُجودِهما دَوَرانُ الظلِّ معهما. قال أَبو إِسحق: جائز أَن يكون النَّجْمُ ههنا ما نبت على وجه الأَرض وما طلع من نُجومِ السماء. والنُّجومُ: ما نَجَمَ من العروق أَيامَ الربيع، ترى رؤوسها أَمثالَ المَسالِّ تَشُقُّ الأَرضَ شقًّا. ابن الأَعرابي: النَّجْمةُ: شجرةٌ، والنَّجْمةُ: الكَلِمةُ، والنَّجْمةُ: نَبْتةٌ صغيرة، وجمعها "نَجْمٌ"، فما كان له ساقٌ فهو شجر، وما لم يكن له ساقٌ فهو نَجْمٌ. وللحرث بن ظالم المُرّيّ يهجو النعمان:
أَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً؟ * * * أَتُؤْكَلُ جاراتي، وجارُك سالمْ؟
والنَّجْمُ هنا: نَبْتٌ بعينه، واحدُه: "نَجْمةٌ"، وهو الثَّيِّلُ. وقال أَبو نصر: الثَّيِّلُ الذي ينبت على شُطُوطِ الأَنهارِ، وجمعه: "نَجْمٌ"؛ ومثلُ البيت في كون "النَّجْم" فيه هو الثَّيِّل قولُ زهير:
مُكَلَّلٌ بأُصولِ النَّجْمِ تَنسجُه * * * ريحُ خَرِيقٌ، لِضاحي مائة حُبُكُ
وجاء في التفسير أَيضاً أَن النجم: نُزول القرآن نَجْمًا بعد نَجْمٍ، وكان تَنزل منه الآيةُ والآيتان. وقال أَهل اللغة: "النجمُ" بمعنى النُّجوم، و"النُّجوم" تَجْمع الكواكب كلها".
والملاحظ أن كلمة "النجم" فى سورة "الرحمن" قد أتت بعد ذكر "الشمس والقمر" من ناحية، وقبل "الشجر" من الناحية الأخرى. وعلى هذا فلكل فريق من الفريقين وجهة نظره: فمن فسَّرها بالجِرْم السماوى فقد ألحقها بالشمس والقمر قُبَيْلَها، ومن فسَّرها بالنبات فقد ألحقها بالشجر عَقِبها. ومن ثم فلا داعى لتخطئة أى من التفسيرين اللذين أرى أن الأحجى هو الأخذ بهما معا، بمعنى أن النجم الذى فى السماء وكذلك النجم الذى فى الأرض كليهما يسجدان لله تعالى مع الشجر. وأظن بعد هذا أن الأمر قد اتضح اتضاحا تاما بما يسد المسالك على هذا المبشر الجهول الذى يريد من القرآن الكريم أن ينزل من عليائه على مقتضى جهله وعِيّه وفساد ذوقه اللغوى والبلاغى!
والآن إلى كلمة "لا" فى قوله تعالى: "فلا أُقْسِم بمواقع النجوم" وأشباهها، التى يرى الكاتب أن النص القرآنى فيها مربك، إذ يستخدمها وهو يريد الإثبات مع أنها للنفى. والعلماء يقولون إن "لا" هنا وفى قوله عز ّشأنه عن المشركين: "وما يُشْعِركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟"، وقوله تعالى لإبليس حين رفض السجود لآدم: "ما مَنَعك ألاّ تسجد إذ أَمَرْتُك؟"، وقوله عز من قائل على لسان موسى يعاتب هارون على أنه لم يتبعه حين عبد بنو إسرائيل العجل أثناء غيابه للقاء ربه: "مَا مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاّ تَتَّبِعَنِي؟"، وقوله سبحانه: "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ"، وقوله جلَّتْ قدرته: "يا أيها الذين آمنوا، اتَّقُوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كِفْلَيْن من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به. والله غفور رحيم* لئلاّ يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم"، هى للتوكيد لا للنفى، ومن ثم فلا مشكلة. وقد تحقق التوكيد من أن المعنى المضمر فى قوله تعالى مثلا: "ما منََعَك ألاّ تسجد إذ أَمَرْتُك؟" هو: "ما منعك من السجود وجعلك لا تسجد؟" أو "ما منعك من السجود وقال لك: لا تسجد...؟"، أما فى قوله عز ّشأنه: "وما يُشْعِركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟" فالمعنى هو: "وما يُشْعِركم (أيها المؤمنون) أنها (أى الآيات التى كان المشركون يطلبونها من النبى) إذا جاءت سوف يؤمنون فعلا كما يقولون؟ بل الواقع أنهم لايؤمنون"، فكأنه كرَّر المعنى بطريقتين مختلفتين. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون كل ذلك خطأً ثم لا يلفت نظر أحد من المشركين، وهم الذين كانوا يتربصون بالدعوة وصاحبها الدوائر، إذ ليس من المعقول أن يفلتوا مثل هذه الفرصة التى أتتهم لحدّ بيوتهم دون سعى منهم أو تعب. ومن شعرٍ منسوبٍ إلى آمنة أم الرسول نقرأ هذا البيت:
فَاللَّه ينهاكَ عن الأصنامِ * * * أن لا تُوَاليها مع الأقوامِ
ومثله قول حاتم الطائى:
أَلا أَرِقَت عَيني فَبِتُّ أُديرُها * * * حِذارَ غَدٍ أَحْجَى بِأَن لا يَضيرُها
ثم هذا البيت الذى أورده ابن منظور فى "لسان العرب":
وتَلْحَيْنَنِي في اللهو أن لا أحبّه * * * ولِلّهْوِ داعٍ دائِبٌ غير غافلِ
و هذا البيت الذى جاء فى "محيط المحيط":
وآلَيْتُ آسَى على هالِكٍ *** وأَسْأَلُ نائحةً: ما لَها؟
أى حلفت إننى لن آسى على أى شخص يموت. وكذلك هذان البيت الذى وجدته فى "إعراب القرآن" للحلبى:
أفَعَنْك لا بَرْقٌ كأن وميضَه * * * غابٌ تسنَّمه ضِرامٌ مُثْقَبُ؟
ولعلنا لا نخرج عن موضوعنا إذا أوردنا بيت جميل بن معمر الذى يقول فيه:
لا لا أبوح بحبِّ بَثْنَةَ، إنها * * * أخذتْ عَلَىَّ مواثقًا وعُهُودا
فهو فى الوقت الذى يؤكد فيه أن لن يبوح بحبه لبثينة نراه يرفع صوته فاضحًا هذه العاطفة. أى أنه يقول إنه لن يبوح، لكنه يبوح، وبَوْحُه إنما يتم عن طريق الكلام نفسه الذى يؤكد به عدم البَوْح. وعلى الناحية الأخرى نجد العرب يحذفون "لا" فى الوقت الذى يريدون فيه النفى كما هو الحال فى قوله تعالى: "قالوا: تاللهِ تفتأ تَذْكُر يوسفَ حتى تكون حَرَضًا أو تكون من الهالكين" (أى "لا تفتأ")، "يبيّن الله لكم أن تَضِلّوا" (أى "لئلا تضلوا")، " إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السمواتِ والأَرضَ أَنْ تَزُولا " (أى "لئلا تزولا"). ومعروف أن الكلمة الواحدة قد يكون لها معانٍ متعددة، وأحيانا متباعدة بل متناقضة، وهذه طبيعة اللغة، والسياق هو الذى يحدد المعنى المراد. وفى الفرنسية مثلا يستخدمون فى الجُمَل الشَّكِّيّة المُثْبَتة حرف النفى مع أن لا نفى هناك كما ترى. وأكتفى بهذا، وفيما قلناه غُنْيَة عما لم نَقُلْه، إذ يستطيع القارئ بما طالعه هنا أن يقيس عليه ما لم نتناوله من السخف الساخف الذى يمطرنا به ذلك الجهول الخبيث!
ويعترض هذا الجهول على أن فى بعض المواضع من القرآن حذفا، ولا أدرى ما وجه العيب فى هذا، إذ هناك بلاغة الصمت والحذف مثلما أن هناك بلاغة الكلام والذِّكْر. وليست هناك لغة واحدة على وجه الأرض تخلو من الحذف، والحذف الكثير، أما القول بغير هذا فهو جهل وغباء مطبق أو كيد رخيص يراد به الضحك على ذقون الأغرار من المسلمين الذين يكتب لهم هؤلاء المبشرون ومن يشايعهم على غاياتهم مستهدفين خَتْلهم عن دينهم وخَلْعهم منه بهذه الطرق الخبيثة لمن لا يعرفها، والساذجة لمن يعرف كيف يتعامل معها ومع أصحابها! وليس من المعقول أن يكون الأسلوب كله فى جميع الفنون والكتابات وعند جميع المؤلفين ماء واحدا لا يتغير أبدا. إن هذا مناقض للطبيعة البشرية تمام المناقضة، تلك الطبيعة التى خلقها الله بحيث تضيق بالوتيرة الواحدة إذا طالت، وتشعر من جرائها بالملل الخانق. وفضلا عن هذا فإن الحرص على أن تكون كل الجمل تامة فيه اتهام للقارئ بأنه لا يزال قاصرا لا يعرف كيف يُكْمِل الكلام. ثم إن فى الإيجاز بالحذف وغيره مندوحة لإظهار البراعة الفنية والتفاوت من ثم بين كاتب وكاتب. فكيف يريدنا هذا الرجل أن نفرّط فى كل هذا كى نرضى شهوته الأثيمة الجاهلة فى الزراية على القرآن؟
وفى معلقة امرئ القيس مثلا يقابلنا هذا البيت الذى يقول فيه عن لقائه بحبيبته:
فلما أَجَزْنا ساحةَ الحىِّ وانتحى * * * بنا بطنُ خَبْتٍ ذى حِقافٍ عَقَنْقَلِ
والذى انتهى دون أن يذكر جواب "لَمَّا"، وبهذا استطاع الشاعر أن يثير خيال السامع لينطلق فيتصور على هواه كل ما يمكن أن يكون قد وقع بينه وبين حبيبته! وفى الكتاب المقدس عند صاحبنا نقرأ مثلا: "وندم بنو إسرائيل على بنيامين إخوتهم" (قضاة/ 21/ 6)، و"بنيامين" (المبدل منه) فرد، والبدل "إخوتهم" جمع، فهل نملأ الدنيا صراخا وعويلا بأن هذا خطأ كما فعل جاهلنا حين أخذ يلطم خدوده التى سيسليها الله فى قعر الجحيم لأن القرآن قال: "فإنها من تَقْوَى القلوب" (الحج/ 32)، ولم يقل: "فإن تعظيمها (أى تعظيم شعائر الحج) من أفعال ذوي تقوى القلوب"! أرأيتم أيها القراء الكرام سخفا وتنطعا وتفيهقا كهذا السخف والتنطع والتفيهق التبشيرى الذى بلانا الله به على أيدى هذا الأحمق؟ من يا ترى ممن أنعم الله بنعمة الذوق يمكن أن يقول إننا ينبغى أن نترك الأولى ونركن للثانية؟ ألا شاهت الوجوه والعقول والأذواق جميعا! إن من السهل إدراك أن معنى عبارة الكتاب المقدس هو: "وندم بنو إسرائيل على بنى بنيامين". هكذا ببساطة ودون تساخف!
ومن الحذف أيضا فى كتاب صاحبنا المقدس: "ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ* وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدّاً. وَأَنْتَ يَا رَبُّ فَحَتَّى مَتَى؟" (مزامير/ 6/ 2- 3)، إذ أين بقية الكلام فى "حتى متى؟"؟ ومنه أيضا النص التالى: "الرجل اللئيم، الرجل الأثيم، يسعى باعوجاج الفم* يغمز بعينيه. يقول برجله. يشير بأصابعه" (أمثال/ 6/ 12- 13)، لأن السؤال هو: ما معنى "يسعى باعوجاج الفم. يغمز بعينيه. يقول برجله. يشير بأصابعه"؟ ليس فى الكلام جواب عن هذا، ومع ذلك فإن السياق يشير إلى المحذوف، ويجد الذهن فى ذات الوقت لذة فى التوصل إلى ما غاب عن النص. أما ما يريده المبشر الجاهل فإنه قد يصلح فى الكُتّاب مع الأطفال الذين بدأوا لتوّهم عملية التعلم، فهم محتاجون إلى أن نوضح لهم كل شىء، وإلا ضلّوا.
أما قوله عز من قائل: "فلا تُعْجِبْكَ أموالهم ولا أولادهم. إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتَزْهَق أنفسهم وهم كافرون" فليس فيه تقديم وتأخير كما ظن السيوطى، وانتهزها صاحبنا فرصةً فأخذ يشنع على القرآن. لقد نزلت الآية فى ابن سَلُول رأس النفاق والضلال على عهد الرسول، وكان ذا مال وولد ورئاسة فى قومه، لكن الله سبحانه لم يكتب له الهداية فتحوَّل كل ذلك شقاء وتعاسة له، إذ كان ابنه المسلم المخلص يعاديه ويكرهه لنفاقه ومؤامراته على الرسول والمسلمين، وبلغت كراهيته له أنْ عرض على الرسول عليه السلام أن يقتله لو أراد حتى يريح المسلمين والإسلام من شره، لكن الرسول أمره ببرّه وأعلن أنه سوف يتحمله إلى آخر المدى. كذلك كان على هذا المنافق أن يدفع الزكاة وأن يشارك فى نفقات الغزو بوصفه فى ظاهر الأمر من المسلمين، رغم عدم إيمانه بشىء من ذلك ولا بأن الله مكافئه عليه. أى أن المال والولد قد صارا عذابا له فى الدنيا. ثم إنه مات كافرا بنفاقه الذى أرداه جهنم، وبئس المصير! وهكذا يرى القراء الكرام أنه ليس فى الآية أية مشكلة على الإطلاق!
وبالنسبة لقوله تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ أفأنت تكون عليه وكيلا؟" فلا أدرى فى الحقيقة أين وجه الاعتراض على التركيب فيه، إذ ليست هناك أية صعوبة فى فهمه سواء قلنا إن كلمة "إلهه" هى المفعول الأول أو هى المفعول الثانى. كما أن الرَّذْل لم يوضح لنا وجه اعتراضه سوى أن فيه تقديما وتأخيرا؟ ترى أفيه صعوبة فى الفهم؟ أبدا. ترى أفيه هلهلة أو ركاكة فى التركيب؟ ولا هذه. إذن ماذا؟ لا أدرى كما قلت، ولا أظن إلا أنه أراد أن يثير عَجَاجًا سخيفًا فارغًا مثل عقله الفاضى السخيف! وهذا لو كان فيها فعلا تقديم وتأخير، إذ من الممكن أن يكون المعنى أن ذلك الكافر قد جعل هواه إلها له، أو نزل بمفهوم الإله من عليائه التى تليق بجلاله سبحانه إلى أن جعله تابعا لهواه، خالعًا بذلك تصوراته التافهة على مفهوم الألوهية العظيم. وأخيرا أرى من المفيد أن أسوق ما فسَّر به الإمام الطبرى الجليل هذه الآية حتى يتضح ما أقول تمام الاتضاح: "الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: "أَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ؟ أَفَأَنْت تَكُون عَلَيْهِ وَكِيلا؟" يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره: "أَرَأَيْت" يَا مُحَمَّد "مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه" شَهْوَته الَّتِي يَهْوَاهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ يَعْبُد الْحَجَر، فَإِذَا رَأَى أَحْسَن مِنْهُ رَمَى بِهِ، وَأَخَذَ الآخَر يَعْبُدهُ، فَكَانَ مَعْبُوده وَإِلَهه مَا يَتَخَيَّرهُ لِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: "أَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ؟ أَفَأَنْت تَكُون عَلَيْهِ وَكِيلا؟". يَقُول تَعَالَى ذِكْره: أَفَأَنْت تَكُون يَا مُحَمَّد عَلَى هَذَا حَفِيظًا فِي أَفْعَاله مَعَ عَظِيم جَهْله؟".
ونأـى إلى قوله جل شأنه: "إن هذان لَساحران"، الذى كان ينبغى بناءً على ما يقول أن يجىء على النحو التالى: "إنّ هذين لَسَاحران" (طه/ 63) بنَصْب كلمة "هذين" بوصفها اسم "إن" على ما يعرفه أى طالب ثانوى عنده إلمام بأساسيات القواعد العربية، أما أن تجىء فى القرآن مرفوعة فهو "خطأٌ بالثُّلُث: completely wrong" كما يقول. وتعليقًا على كلام المبشر الجهول نقول إنه لم يبين طريقة النطق لكلمة "إن" التى كان ينبغى فى رأيه أن يأتى اسم الإشارة بعدها منصوبا: هل هى "إنْ" بسكون النون كما جاءت فى إحدى القراءات؟ أم هل هى "إنّ" بتشديد النون كما جاءت فى قراءة أخرى؟ لأنها إن كانت بتسكين النون فلا مشكلة على الإطلاق، لأن هذه هى ما تسمَّى فى النحو بــ"إن المخفَّفة من الثقيلة"، أى التى أصبحت نونها مسكَّنة بعد أن كانت مشدَّدة، وهى فى هذه الحالة لا تنصب اسمها بالضرورة، أى أنه لا شىء يستحق أن نقف عنده فيها. لكنها إذا كانت مشددة النون كان الأمر يحتاج لشىء من التوضيح: التوضيح لا الدفاع، إذ القرآن أكبر من أن يحتاج منى أو من غيرى إلى أى دفاع، فهو الذى يفرض القاعدة، وليست القاعدة هى التى تُفْرَض عليه، لا لمجرد أنه من عند الله، فقد سبق أن قلنا إنه حتى لو كان من عند الرسول فإنه حينئذ يكون هو الأساس الذى يقاس عليه لا العكس.
أما الكلمة التى نقولها على سبيل التوضيح: التوضيح لمن ليس فى قلوبهم مرض، بل لمن يبتغون وجه الحق، فهى أن من العرب القدماء من كانوا يُعْرِبون المثنى بالألف فى كل الأحوال: رفعًا ونصبًا وخفضًا فيقولون: "ضربنى الزيدان، ورأيتُ الزيدان، ومشيتُ مع الزيدان". ومنه قو ل الشاعر:
تَزَوَّد منّا بين أُذْناه طعنةً * * * دعتْه إلى هابى التراب عقيمِ
بدلا من "بين أذنيه". ومنه أيضا البيت التالى:
أعرفُ منها الجِيدَ والعَيْنَانا * * * ومَنْخِران أَشْبَها ظَبْيانا
بدلا من "العينين" و"مَنْخِرَيْن". وقد يكون فى الآية قَطْعٌ لــ"إنّ" عن اسمها وخبرها فبقيا مرفوعين، أو كأن ضمير شأن قد توسط بينها وبينهما تقديرًا فمنعهما من التأثر بها. ومع ذلك فقد وردت "هذان" فى قراءة ثالثة منصوبةً بالياء جريا على الإعراب المشهور. أقول: "المشهور" لا الصحيح، فكلاهما (كما هو واضح من كلامى) إعرابٌ سليم. ومجيئها فى هذه القراءة الأخيرة بالياء يدلّ على أن المسألة ليست أبدا خطأ فى الإعراب كما فَقَهَتْ اسْتُ مبشِّرنا الرقيع، عليه وعليها لعنات الخلق أجمعين، بل مسألة تنوع فى القراءات. وكلها صحيحة، لا لأننا نراها كذلك، بل لأنها هى بطبيعتها كذلك رغم أنوف المبشرين الجهلاء، وإلا فهل يتأثر قانون الجاذبية مثلا بما قد يتقوَّله عليه بعضُ الجاهلين فيتوقف عمله بناء على هذا؟ كلا، بل يبقى هذا القانون كما هو مهما كان موقف الجهلة منه أو رأيهم فيه!
كذلك يعيب صاحبنا القرآن زاعمًا أن هناك كثيرا من التكرار المملّ فى مثل قوله جلّ من قائل: "فبأى آلاء ربكما تكذِّبان؟"، الذى تكرر فى سورة "الرحمن" إحدى وثلاثين مرة رغم أن آيات السورة كلها، كما يقول، لا تتجاوز ثمانى وسبعين آية، وكذلك قصص الأنبياء التى تكرر كل منها فى عدة سور. والعجيب أن يقول مبشرنا ذلك، وهو الذى يقوم دينه على عدة أناجيل يتناول كل منها حياة المسيح عليه السلام وتلاميذه وجهاده فى تبليغ دعوته إلى قومه، مع شىء من التلوين يين كل إنجيل وآخر! كما أن العهد القديم كثيرا ما يورد القصة الواحدة أو الموضوع الواحد عدة مرات فى أكثر من موضع منه. ترى كم من المرات دمدم الله أو دمدم هذا النبى أو ذاك باللعنات على رؤوس بنى إسرائيل بنفس الكلمات تقريبا أو بكلمات مشابهة؟ وكم من المرات تحدث العهد القديم عن أسباط بنى إسرائيل بأسماء رؤسائهم وأعدادهم ومساكنهم والطرق التى سلكوها فى تنقلاتهم...إلخ؟ فالملل الذى يصيب قارئ الجزء الأخير من سفر "الخروج" وكل أسفار "الأخبار" و"العدد" و"التثنية" وأوائل "الأيام الأول" أمر لا يطاق. إنه يصل إلى حد الغثيان والدُّوار وانبهار العينين: فمن سلاسل نسبٍ وأسماء أشخاصٍ ومواقعَ تتتابع وتتداخل ويأخذ بعضها برقاب بعض مع النص فيها على تفصيلات تفصيلات التفصيلات، إلى حوادثَ يتكرر ذكرها، وعهودٍ يُعَاد صَوْغها...إلخ حتى تتركك القراءة جثة هامدة. وفى "المزامير" و"الأمثال" يظل الإنسان يطالع نفس الأفكار والمشاعر مصوغةً بنفس العبارات أو بعبارات مقاربة على مدى مائة وستين صفحة من الصفحات المزدحمة حتى ليختنق اختناقا. ثم هناك الأسفار الخاصة بأنبياء بنى إسرائيل التى تكتظ بتقريع هؤلاء الأنبياء لقومهم الصِّلاب الرقبة وشتمهم لهم ولعنهم إياهم وشماتتهم بهم وتنبُّئهم بما ينتظرهم من مستقبل أسود مما يستغرق مئات الصفحات.
أما بالنسبة للعبارات والجمل التى تتكرر بنصها، فهل نَسِىَ المبشِّر مثلا عبارة "فإن إلى الأبد رحمته"، التى تكررت ستًّا وعشرين مرة فى ستٍّ وعشرين جملة هى مجموع المزمور الخامس والثلاثين بعد المائة، كما تكررت قبل ذلك فى المزمور السابع عشر بعد المائة فى الآيات الثلاث الأولى والآية الأخيرة. ومثلها كلمة "سلاه"، التى تكررت كثيرا فى عدد من المزامير تكرارا متقاربا. ولنأخذ أيضا: "سبِّحوا الله فى قدسه. سبِّحوه فى جَلَد عزته. سبحوه لأجل جبروته. سبحوه بحسب كثرة عظمته. سبِّحوه بصوت البوق. سبحوه بالدف والرقص. سبحوه بالأوتار والمزمار. سبِّحوه بصنوف السماع. سبحوه بصُنُوج الهتاف. كل نسمة تسبِّح الرب"، وهى كل المزمور المائة والخمسين. وفى الفصلين الأول والثانى من سفر "الجامعة" تظل تتردد فى آذاننا فى إلحاح مزعج أن "الجميع باطل وكآبة الروح" حتى نُصَاب فعلا بالكآبة. أما فى بداية الفصل الثالث قتأتى عبارة "للشىء الفلانى وقت" ثلاثين مرة على النحو التالى: "لكل غرض تحت السماء وقت: للولادة وقت، وللموت وقت. للغرس وقت، ولقلع المغروس وقت... للاع
نشرت فى 8 سبتمبر 2015
بواسطة dribrahimawad
عدد زيارات الموقع
43,299

