تفسيرآيات من سورة الأعراف

(حديث تلفازى بعد تحويله إلى مقال)
د. إبراهيم عوض

(3- 3)

ويلاحظ القارئ أن الكفار قد اتهموا نوحا بأنه فى ضلال مبين، بينما قال هو نافيا ذلك الاتهام الغاشم: "ليس بى ضلالة"، فاستعملوا هم "الضلال"، أما هو فقد استخدم "الضلالة". وأتصور أنه يريد بهذه الصيغة نفى كل أثر للضلال عن نفسه بأى مقدار وإلى أية درجة. فالضلالة فى تصورى هى القطعة الضئيلة من الضلال. وقد ألفيت بعض المفسرين، كالزمخشرى والرازى وابن الأثير والتفتازانى، يقولون عن "الضلالة" إنها للواحد من اسم الجنس، الذى هو "الضلال". فكلامهم إذن قريب مما فهمته من استعمال هذه الصيغة. والملاحظ أيضا أنه، عليه السلام، لم يصف الضلالة التى ينفيها عن نفسه بـ"المبينة" مثلما قالوا هم فى اتهامه إنه "فى ضلال مبين". ذلك أنه، بالطريقة التى رد بها عليهم، قد نفى كل ضلال عن نفسه، فى حين لو قال: "ليس بى ضلالة مبينة" لكان المعنى أنه ليس به ضلالة مبينة، ولكن قد يكون به ضلالة غير مبينة. أما بالأسلوب الذى استخدمه فإنه ينفى الضلالة عن نفسه تماما.
وكان ينبغى، لو عقل  الكفار والمجرمون، أن يفهموا أن نوحا وأشباهه من الأنبياء والرسل ليست لهم أية مصلحة فى تعريض أنفسهم لغضب الجماهير والزعماء وأذاهم وتآمرهم الذى يصل أحيانا إلى حد القتل والاغتيال والمحاكمة الظالمة التى لا تستشعر الخوف من الله أو تحرج الضمير. ويوم تُصِيخ الجموعُ من متعلمين وغير متعلمين السمعَ للنبىّ أو المصلح ويصطفّون خلفه مستعدين للتضحية المُرّة تنقلب الأمور انقلابا سريعا يكون إيذانا باعتدال الأوضاع المائلة وعودتها إلى الانتظام. إلا أن وقوع ذلك صعب شديد الصعوبة، فغالبية الشعوب، وبخاصة فى الدول المتخلفة، عادة ما ينقصها الوعى، وهى مشغولة بغرائزها وحاجاتها الجسدية المباشرة، وكثير منها يكره التفكير ويبغض التضحية ولا يرغب فى مواجهة الظلم، ويخشى أشد الخشية مَنْ يملكون أدوات البطش والتنكيل ويتبعهم مغمض العين مغيب الذهن، ويهتف ملء حنجرته لهم ويقبل أقدامهم. وخى تجد فى هذا لذة وبهجة لا توصف، وكأنها قد حِيزَتْ لها الدنيا وما فيها، كل ذلك رغم ما تتقلب فيه من حرمان وهوان وإذلال ونكال على أيدى مالكى أدوات البطش والتنكيل. والأمل معقود على الصفوة: صفوة الوعى السليم والخلق القويم والكرامة العزيزة، تلك الصفوة التى لا تنكص عن المواجهة وتتحمل الأذى وتصبر على لأواء الطريق وتحتسب عند الله ما تلقاه فى ذلك من ألم وحرمان وفضيحة وتشهير وتعرض للسجن والقتل، إلى أن يحين الحين وتستنير عقول الجموع ويصحو إحساسها بإنسانيتها وكرامتها وتُفِيق من غشيتها وتعرف عدوها من صديقها وتستطيع التمييز حقا بين من يعمل لمصلحتها ومن يبغى بها شرا ومضرة، وهذا يحتاج إلى وقت طويل. ورغم أن الرسل والنبيين لا يطلبون من أقوامهم أجرا على دعوتهم، وهو ما كان من شأنه أن يفتح عيون أولئك الأقوام على حقيقة أمرهم وأنهم مخلصون فى دعوتهم لا يبغون من ورائها مصلحة لهم، فإن المشركين يركبون أدمغتهم ويظلون على موقفهم الرافض لدعوة الحق، المبغض لفتح الأذن والعين والاستماع المخلص لما يقال، بل يرفضون أن يعطوا النبى فرصة لتبليغ كلمته وتوضيح مرامه.
وقد كانت غاية رسولنا عليه السلام أن يخلى المشركون بينه وبين تبليغ دعوته حتى يفكر الناس فيما أتى به محكِّمين عقولهم نافضين عن أنفسهم ربقة التقليد الأعمى لما عليه مجتمعهم: "قل: إنما أَعِظُكم بواحدةٍ: أن تقوموا لله مَثْنَى وفُرَادَى ثم تتفكروا"، "لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها. أولئك كالأنعام بل هم أضلّ. أولئك هم الغافلون"، "قل: انظروا ماذا فى السماوات والأرض. وما تُغْنِى الآياتُ والنُّذُرُ عن قومٍ لا يؤمنون؟"، أى لا يريدون أن يفكروا فيؤمنوا، "اِيتُونِى بكتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أو أَثَارةٍ من علمٍ إن كنتم صادقين"، "قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أُمَّة، وإنا على آثارهم مقتدون/ مهتدون"، "والذين لا يؤمنون فى آذانهم وَقْرٌ، وهو عليهم عَمًى". لكنهم كانوا يؤثرون العمى على الإبصار، والانغلاق على الانفتاح، والبقاء فى الظلام الدامس والعفن والروائح المنتنة على الخروج إلى نور الشمس والهواء الطلق والحياة الطاهرة الكريمة.
ومن هنا نجد القرآن الكريم يصف قوم نوح فى عنادهم وتحجر عقولهم وانغلاق عيونهم بأنهم "كانوا قوما عَمِين". و"عمين" صفةٌ مشبَّهةٌ من "عَمِىَ يَعْمَى"، مثلها مثل "أعمى". أى أن لدينا صيغتين للصفة المشبهة من هذا الفعل. وقد استخدم القرآن فى فاصلة الآية "عَمِين" (جمع "عَمٍ") بدلا من "عُمْى"، التى هى جمع "أعمى"، والتى تقابلنا فى سياقات أخرى فى درج الآية. وبعض المتنطعين من المستشرقين والمبشرين ومن يقفو آثارهم كالببغاوات يقفون إزاء استعمال القرآن لبعض الصيغ غير المشهورة فى فواصله زاعمين أنه قد تنكب الصواب من أجل القافية. وكنت أقول دائما إن هذا غير صحيح، وكل ما فعله القرآن هو أنه استغل إمكانية من إمكانيات اللغة ليواجه بها الموقف الجديد الذى لا تنسجم معه الصيغة المشهورة، والموقف هنا يستلزم صيغة تتناغم مع الفواصل التى تنتهى بـ"ـون" و"ـين"، مما يصلح له "عمين" ولا يصلح له "عُمْيًا".  ومثلها فى ذلك مثل "أَرْذَل"، التى جُمِعَت فى درج الآية فى سورة "هود" على لسان الكفار من قوم نوح يحقرون من شأن متبعيه جمعا مكسرا: "أراذل": "وما نراك اتَّبَعَك إلا الذين هم أَرَاذِلُنا بادِىَ الرأى"، على حين أتت فى سورة "الشعراء"، وفى نفس السياق أيضا، بصيغة جمع المذكر السالم: "الأرذلون" حتى تتمشى مع فواصل الآيات هناك، وهى "ــون".
ومن ذلك ما رأيته فى بعض كتب المبشرين المتخلفين الجاهلين من أن القرآن قد حرَّف كلمة "سيناء" إلى "سِينِين" فى سورة "التين" كى تتماشى مع فواصل السورة، غافلين بحماقتهم أن كثيرا من الكلمات لها أكثر من ضبط، وبخاصة الأعلام الأعجمية. ولنا فى اسم "محمد" فى الإنجليزية مثلا أسوة، إذ له كثير من الصور والأشكال: إملائية ولفظية  حسبما جاء فى "قاموس أكسفورد التاريخى": "Mahound, Mahond, Mahomet, Mehemet, Macamethe, Machamete, Macamete, maumet, Makomete, Makamete, Machomete, Machomet, Machamyte, Macomit(e, -yt(e, Mahomet(t)e, -ite, Mahumet, Mahone, mahume, mahoon, maon, mahonna, mahonne, mahona, maona, Mohamed, Muhammed, Mohammad, Muhammad, mahonnets ". أما الكلمة المذكورة فيصحّ فى العربية أن نقول عنها: "سَيْناء" و"سِيناء" و"سِينا" و"سِينِين". بل هناك من يقول إن "سِينِين" إنما تكون فى حالة النصب والخفض فحسب، أما فى الرفع فـ"سِينُون".  وفاتهم فى غمرة عنادهم أنه لو كان هذا الاستعمال خاطئا ما سلم الرسول عليه السلام من الاستهزاء والتخطئة من قِبَل الوثنيين وأهل الكتاب الذين كانوا يتربصون به الغلط. لقد كانوا يشنعون عليه فى الحق الذى يبصره الأعمى، فكيف فاتهم أن يشنعوا عليه فى هذه الغطلة البلقاء طبقا لتساخف هؤلاء الأعاجم الجهال؟
وعلى أية حال ها هو ذا الأعشى الشاعر الجاهلى يستخدم هذه الصيغة بكل أَرْيَحِيَّة:
أَلَمَّ خَيالٌ مِن قُتَيْلَةَ بَعْدَما         وَهَى حَبْلُها مِن حَبْلِنا فَتَصَرَّما
فَبِتُّ كَأَنِّي شارِبٌ، بَعْدَ هَجْعَةٍ،         سُخَامِيَّةً حَمْراءَ تُحْسَبُ عَنْدَما
إِذَا بُزِلَتْ مِنْ دَنِّها فاحَ رِيحُها         وَقَد أُخْرِجَتْ مِنْ أَسْوَدِ الجَوْفِ أَدْهَما
لَها حارِسٌ ما يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها         إِذا ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْها وَزَمْزَما
بِبَابِلَ لَم تُعْصَر، فَجاءَت سُلافَةً         تُخالِطُ قِنْديدًا وَمِسْكًا مُخَتَّما
يَطُوفُ بِهَا ساقٍ عَلَيْنا مُتَوَّمٌ         خَفِيفٌ ذَفِيفٌ ما يَزَالُ مُفَدَّما
بِكَأْسٍ وَإِبْريقٍ كَأَنَّ شَرابَهُ         إِذَا صُبَّ في المِصْحَاةِ خالَطَ بَقَّما
لَنا جُلَّسَانٌ عِنْدَها وَبَنَفْسَجٌ         وَسيسِنْبَرٌ وَالمَرْزَجوشُ مُنَمْنَما
وَآسٌ وَخِيرِيٌّ وَمَرْوٌ وَسَوْسَنٌ         إِذا كانَ هِنْزَمْنٌ، وَرُحْتُ مُخَشَّما
وَشاهَسْفَرِم وَالياسَمِينُ وَنَرْجِسٌ         يُصَبِّحُنا في كُلِّ دَجْنٍ تَغَيَّما
وَمُسْتُقُ سِينِينٍ وَوَنٌّ وَبَرْبَطٌ         يُجاوِبُهُ صَنْجٌ إِذا ما تَرَنَّما
وَفِتْيانُ صِدْقٍ لا ضَغَائِنَ بَيْنَهُم         وَقَد جَعَلوني فَيْسَحَاهًا مُكَرَّما
            وبطبيعة الحال لم يكن كفار قوم نوح عُمْيًا بالمعنى الحقيقى، بل كانوا مبصرين، إلا واحدا هنا وآخر هناك مما لا يخلو منه مجتمع. لكن القرآن رغم ذلك وَسَمَهم جميعا بالعمى، وهذا مجاز، وإن أنكر بعض الناس وقوع المجاز فى القرآن تحت ذرائع شتى منها أن المجاز كذب، وحاشا لله أن يكذب. هكذا يقولون مسوغين إنكارهم ورود المجاز فى القرآن المجيد، ناسين أن المجاز ليس كذبا إلا بالنسبة للأغبياء المطموسى العقل والذوق، وإلا فهل إذا قلت إننى سودت وجه فلان، أى أخجلته وأخزيته، أو بيضت وجه علان، بمعنى أننى كنت عند حسن ظنه بى وأدخلت على قلبه البهجة والفخار باجتهادى ونجاحى وتفوقى، سوف يأخذ الكلام على محمله الظاهرى ويظننى قد أتيت بدلو فيه حبر فدهنت به وجه فلان، أو سَطْل جِير فطليت به وجه علان؟ إن هذا لا يمكن أن يخطر فى بال أحد إلا إذا كان أحمق حمقا ميئوسا من شفائه، ومثله لا يوضع فى الحسبان. ولتكتمل الصورة ها هم أولاء الذين سوف يُحْشَرون يوم القيامة عميا يقولون إنهم كانوا فى  الدنيا مبصرين مع أن القرآن قال إنهم كانوا عميا على الأرض. وللخروج من هذا التناقض الظاهرى لا مجال أمامنا من القول بالمجاز، وإلا اضطربت الأمور كما نرى. إن كلتا الصيغتين صحيحة، واستعملها القرآن فى السياق المناسب لها، ولم يكسر قاعدة من أجل ذلك، وهذا هو رأيى، الذى أعلنه فى كل مناسبة من هذا القبيل.
ولمن يزعم أن المجاز كذب نقول له: إذن فالبشر كلهم كذابون حين يسترون عوراتهم ويجملون مناظرهم بارتداء الملابس، إذ الملابس تخفى حقيقة أشكال أجسادهم وتعطينا صورة عنهم غير صورتهم التى خلقهم الله عليها، وكذلك حين يقومون من النوم فيَشُوصُون أفواههم بالسواك أو بالفرشاة ومعجون الأسنان مغيّرين بذلك روائح فمهم المزعجة التى كانت لها عند النهوض من السرير، وأيضا حين يستحمّون متخلّصين من الوَضَر والتَّفَث الذى كان على أجسادهم، وكان ينبغى، استنادا إلى هذا الفهم السقيم، تركها بروائح عرقها وإفرازاتها. وبالمثل فإن النساء كذابات عندما يلبسن حليهن ويزلن الزغب النابت فوق شفاههن والشعر من بعض مواضع أجسامهن. كما يمكن، بهذه الطريقة، اتهام البشر بالكذب عندما يتعلمون وينسلخون من حالة الجهل التى خلقهم الله عليها إذ نزلوا من بطون أمهاتهم بِيضَ الأذهان لا يعلمون شيئا... وهكذا دواليك بما من شأنه أن يبقى الإنسان أبد الدهر فى مستوى العجماوات عقلا وذوقا وخلقا. ولو اتبع الناس فى مختلف نواحى الحياة هذا المنطق فقل: على الدنيا العفاء، ولما كانت هناك حضارة وفكر وخلق وذوق جميل. لكن ماذا نقول، وهناك قلوب تكره أن تنفك عنها أقفالها؟
كما أنهم يقولون إن واضع اللغة أراد فى الأصل كل المعانى التى ترتبط بالكلمة، فلا مجاز إذن،  بل كل المعانى حقيقية. لكن فاتهم أن المعانى التى نسميها مجازية لم تكن موجودة منذ البداية بل تجدُّ مع الأيام، وقد تنجح وتشيع، وقد تفشل فلا تنتشر، وإلا فهل دار فى ذهن من اخترع كلمة "القرش" أن منه القرش الأبيض والقرش الأسود، وأن من تلفظ لأول مرة بكلمة "اليوم" أن هناك يوما أبيض وآخر أسود أو أحمر أو أصفر أو أخضر؟ ثم إذا كان أهل اللغة، ومنهم أهل لغة الضاد، يعتمدون المجازات فى كلامهم ولا يمكنهم الاستغناء عنها، وكان الرسل يُرْسَلون إلى أقوامهم بألسنة أولئك الأقوام، فكيف ننكر أن يكون فى القرآن مجاز، والعربية تفيض بالمجازات مثلها مثل سائر اللغات، بل وتزدان بها وتحلو وينتشى سامعها ويبتهج؟
وقد فات منكرى المجاز أن ألفاظ اللغات، مهما كثرت واستفاضت، متناهية فى حين أن حاجات أهلها غير متناهية، فيأتى المجاز ويسد هذه الفجوة على نحو ممتع جميل، فنجد أمامنا "عين" الماء، و"العين" الجاسوس، و"العين" بمعنى الرجل ذى الحيثية فى المجتمع، و"عين" الإبرة، و"عين" السمكة، و"عين" الرضا، و"عين" السخط، و"العين" أى الشىء المادى فى مقابل قيمته النقدية، وفلانا "عينه"، بمعنى أنه هو الذى جاء مثلا بنفسه ولم يرسل نائبه ولا ابنه ولا شريكه... وهَلُمَّ جَرًّا. وعلى هذا نفهم قوله تعالى: "ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأَضَلُّ سبيلا"، وإلا كان العُمْىُ مكتوبا عليهم الشقاء فى الدنيا والآخرة دون أدنى سبب من جانبهم بل ظلما وإجحافا إن فهمنا العمى على وجهه الظاهرى، ولم ندرك أنه مجاز.
وقد كنت أقول لبعض طلابى الذين ينكرون المجاز إننا لو لم نعترف به ونفسر اللغة فى ضوئه لتصادمت النصوص القرآنية، إذ نجد آية تنفى النسيان عن الله سبحانه، وأخرى تنسب النسيان إليه، وآية تصف الله بالغنىّ الذى يَرْزُق ولا يريد من أحد رزقا، وأخرى تغرينا بأن نقرضه، وكأنه محتاج إلى القروض مما انتهزه اليهود فى المدينة فسخروا قائلين: "إن الله فقير، ونحن أغنياء". وهذان مجرد مثالين لا غير. ولا مناص من اعتماد المجاز هنا، وتأويل النسيان الإلهى والقرض الذى ينبغى أن نقرضه الله سبحانه، وإلا فهذه الطامة الكبرى.
وأذكر مرة أننى قلت لبعض من يصرون على القول بأن الله فى السماء، وكأنه مخلوق يحتويه المكان: ماذا تقولون فى النص الكريم التالى: "وهو معكم أينما كنتم"؟ فيقولون: معنا بعلمه، فأقول لهم: بهذا تكونون قد أَوَّلْتُم النص وقلتم بالمجاز لأن القرآن يقول إنه سبحانه هو الذى معنا لا عِلْمه، فيُسْقَط فى أيديهم. كما لفتُّ انتباههم إلى ما فى القرآن من أنه تعالى "فى السماء إله، وفى الأرض إله"، وهو ما يخالف ما قالته الجارية فى الحديث المشهور من أن الله موجود فى السماء، ذلك الحديث الذى يقول فيه كعب بن مالك: "أتت جاريةٌ لى ترعى غنمًا لى، فأكل الذئبُ منها شاةً، فضربتُ وجهَ الجاريةِ فندمتُ فأتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ  فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو أعلمُ أنها مؤمنةٌ لأعتقتُها. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للجاريةِ: من أنا؟ قالت: رسولُ اللهِ. قال: فمن اللهِ؟ قالت: الذى في السماءِ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَعْتِقْها، فإنها مؤمنةٌ"، وإن كانت هناك رواية أخرى يفهم منها أنها جارية عكاشة الغنوى، وليست جارية كعب بن مالك. ثم أضفتُ قائلا: إذا كان الله فى السماء حسب الفهم الحرفى لهذا الحديث فماذا أنتم فاعلون مع قوله جل جلاله: "والأرضُ جميعا قَبْضَتُه يومَ القيامة، والسماواتُ مطويَّاتٌ بيَمِينِه"؟ كيف يكون سبحانه فى السماء، ثم يوم القيامة يكون الكون كله، أرضًا وسماواتٍ، فى قبضته ويمينه؟ ومع هذا كنت أنتهى بالقول بأن من حقهم رغم ذلك البقاء على ما هم عليه، وإن كنت أستغرب منهم هذا أشد الاستغراب مع تَفَهُّمِيهِ فى ذات الوقت على ضوء الاختلاف الذى خلق الله دنياه ومخلوقاته عليه. وكل ما أريده منهم ألا يتهموا القائلين بالمجاز القرآنى فى عقيدتهم.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 85 مشاهدة
نشرت فى 7 إبريل 2015 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,125