اللَّهُمَّ هَـذِهِ كَلِمَةُ الحَقِّ فَاشْهَد
إِذا يَضِيقُ بِنَا أَمْرٌ لِيُزْعِجَنَا
نَصْبِر فَإِنَّ انْتِهَاءَ الضِّيقِ يَنْفَرِجُ
بِذاكَ خَالِقُنَا الرَّحْمَنُ عَوَّدَنَا
فِي كُلِّ ضِيقٍ لَهُ قَـد شَاءَهُ فَرَجُ
أَلاَ تَرَى الأَرْضَ عَنْ أَزْهَارِهَا انْفَرَجَتْ
كَمَا السَّمَاءُ لَهَا فِي ذاتِهَا فَرَجُ
وَلَّمَا كَانَت بِلاَدُنَا مِصْـرُ؛قَـد نَالَهَا الـوَجَعُ وَالعُـسْرُ؛فَـإِنَّ أَهْلَهَا مَا احْتَمَلُوا
ذلِكَ النَّزْفَا؛وَتَغَيَّرَت طِبَاعُهُم كَمَا يَنْقَلِبُ التَّقِيُّ إِلَى مَاجِنٍ هَتَّاكٍ لِلأَعْرَاضِ بِضَاعَتُهُ
أَنْ يَرْمِي المُحْصَنَاتِ قَذفَا؛فَقَد نَالَنَا بَعْضُ مَا نَالَنَا مِنْ شَرِّهِم؛وَإِنَّا وَاللهِ لَنَحْتَسِبُ
ذلِكَ عِنْدَهُ؛وَلَعَلَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ عَنَّا بَعْضَ مَا حُمِّلْنَا مِنْ عَوَاقِبِ إِعْنَاتِ أَنْفُسِنَا؛عَلَى أَنِّي
وَاللهِ مَا تَرَكْتُ كَلْبَاً يَعُضُّنِي إِلاَّ وَوَسَمْتُهُ عَلَى أَنْفِهِ بِوَسْمٍ مَا زَالَ يُذكَرُ بِهِ فِي النَّاسِ؛
وَالجُرُوحُ قِصَاصٌ؛وَلَرُبَّمَا زِدْنَا فِي المُعَاقِبَةِ لأَنَّا نُشْئـْنَا عَلَى حُبِّ الخَيْرِ لِخَلْقِهِ وَكَرَاهِيَةِ
دَفْعِ الأَذى إِلَيْهِم؛وَكَذلِكَ عَلَى شِدَّةِ البُغْضِ لِمَنْ رَامَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْ حِيَاضِنَا؛وَمَا زِلْتُ
أَرَى أَنَّ البَاغِي يُكْسَرُ وَلَوْ كَانَ قَوِيَّاً؛ وَوَاللهِ مَا نَظَرَت عَيْنِي إِلَى أَحَدٍ رَامَ ظُلْمِي إِلاَّ
وَرَأَيْتُهُ كَالقِرْدِ لاَ هَيْبَةَ حَتَّى إِذا مَا أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ عَادَ إِنْسَانَاً لاَ يَرْبِطُنِي بِهِ سِوَى أَنِّي
إِنْ تَذكَّرْتُهُ بِخَلْوَةٍ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُصْلِحَهُ أَوْ يَأَخُذهُ .
اشْتَدَّ بَغْيُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ
وَعُلُوُّ بَعْضِهِمِ عَلَى بَعْضِ
دَعْهُم وَمَا اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِم
فَاللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ يَقْضِي
وَلَقَـد بَلَغَ الحَقْـدُ فِي بِلاَدِنَا مَبْلَغَاً مَا ظَـنَنَّاهُ يَكُـونُ أَبَدَاً؛فَـلاَ تَجِدُ أَحَدَاً مِنْ
حَامِلِي دَعْوَى الحُبِّ وَالإِخَاءِ إِلاَّ وَهُوَ يَنْقَضُ كَمَخْلُوقٍ مُشَوَّهٍ عَكِرِ النَّفْسِ وَالطَّوِيَّةِ
يُهَاجِمُ مَنْ كَتَبَ اللهُ لَهُ قَبُولاً فِي مَيْدَانٍ هُوَ فِيهِ؛وَقَـد جَرَّبْنَا وَخَبِرْنَا وَرَأَيْنَا بِأُعْيُنِنَا؛
وَالثقَافَةُ فِي هَذا الوَطَنِ هِىَ أَقْوى شَاهِدٍ وَدَلِيلٍ عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ فِي هَذا
العَهْدِ عَلَى صُورَةٍ لاَ يُطِيقُهَا إِنْسَانٌ فَوَاللهِ لَقَد كُنْتُ أَعْجَبُ أَنْ يُنْسَبُ مِثلُ هَذا إِلَى مِصْرَ
الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا الرَّافِعِيُّ؛عَلَى أَنِّي وَاللهِ ـ وَأَقُولُهَا عَنْ تَحْقِيقٍ وَسَبْرٍ ـ لاَ أَرَى سَبَبَاً لِ
ذلِكَ إِلاَّ أَنَّ مِصْرَ تَعَرَّت ثقَافِيَّاً فَهِىَ تَمُوجُ بِالأَدْعِيَاءِ الجَهَلَةِ مِنْ أَشْبَاهِ الرِّمَمِ وَالجِيفِ
المُنْتِنَةِ؛حَتَّى بَاتَت الأَلْقَابُ تُشْتَرَى لِكُلِّ قِرْدٍ بِمَالٍ أَوْ بِاتِّفَاقِيَّاتٍ تَدُورُ تَحْتَ شِعَارِ
(( خُذ؛وَهَات )) أَوْ تُؤْخَذُ هَكَذا عُنْوَةً بِكُلِّ بَلاَهَةٍ؛أَنَا أُرِيدُ سُؤالاً وَاحِدَاً أُلْقِي بِهِ عَلَى
النَّاسِ وَأَتَحَدَّى مَنْ يُجِيبُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِقَوْلِهِ (( لاَ )):أَيُوجَدُ فِي هَذا العَهْدِ مَنْ يُوصَفُ
بِأَنَّهُ أَدِيبٌ مُفَكِّرٌ كَمَا كَانَ العَقَّادُ (( ت 1964 م )) ؟!؛أَيُوجَدُ هُنَا مَنْ يُشْبِهُ العَلاَّمَةَ
مَحْمُود مُحَمَّد شَاكِر (( ت 1997 م )) صَاحِبَ كِتَابِ (( رِسَالَةٌ فِي الطَّرِيقِ إِلَى
ثقَافَتِنَا )) وَالَّذِي صَنَعَ نَهْضَةً أَدَبِيَّةً وَتَأَثـَّرَ بِنَهْجِهِ النَّاسُ فِي بِلاَدِ العَرَبِ فَكُتُبُهُ تُدَرَّسُ
وَتُنَاقَشُ وَيُجَاهِدُ الجَمِيعُ مِنْ أَجْلِ الاحْتِذاءِ بِهِ عِلْمَاً وَسُلُوكَاً وَمَوْقِفَاً ؟!؛كَفَانَاً كَذِبَاً وَتَدْجِيلاً
وَجَهْلاً وَحَمَاقَةً؛مَا زَالَ العَرَبُ يَسْخَرُونَ مِنَّا كُلَّمَا نَظَرُوا إِلَى جَاهِلٍ مُتَعَابِطٍ يُلَقِّبُ نَفْسَهُ
بِالنَّاقِدِ الحَدَاثِيِّ وَإِلَى هَرِمٍ مُتَصَابِي حَاقِدٍ لاَ يَدْرِي يَمِينَهُ مِنْ يَسَارِهِ يُلَقِّبُ نَفْسَهُ بِالأَدِيبِ
المُفَكِّرِ؛ وَهَذا شَاعِرُ العَرَبِ؛وَهَذا أُسْطُورَةُ الإِبْدَاعِ؛وَهَذا جَامُوسَةُ الفَنِّ؛صَيَّرُوا مِصْرَ
أُضْحُوكَةً إِذ تَذبَّبُوا قَبْلَ أَنْ يَتَحَصْرَمُوا !؛وَأَيْنَ أَنْتَ يَا طَرَفَةُ فَإِنَّهُ وَقْتُـكَ كَى تُلْقِي
عَلَيْهِم بِقَوْلِكَ:
يَا لَكِ مِنْ قُبَرَّةٍ بِمَعْمَرِ
خَلاَ لَكِ الجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
قَـد رُفِعَ الفَخُّ فَمَاذا تَحْذرِي ؟!
وَنَقِّرِي مَا شِئـْتِ أَنْ تُنَقِّرِي
قَـد ذهَبَ الصَّيَّادُ عَنْكِ فَابْشِرِي
لاَ بُـدَّ يَوْمَاً أَنْ تُصَادِي فَاصْبِرِي
وَقَـد صَادُونَا وَاللهِ فَأَصْبَحْنَا بَيْنَ العَرَبِ مَسْخَرَةً مِنَ المَسَاخِرِ؛وَذلِكَ هُوَ الحَقُّ الَّذِي
اسْتَوْجَبْنَاهُ مَا دَامَ قَـد تَصَدَّرَ كُلُّ فَاجِرٍ وَعَاهِرٍ؛اللَّهُمَّ إِنَّـكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَكْتُبُ بِيَمِينِي
وَأَضَعُ يُسْرَاىَ عَلَى جُرْحِ جَسَدِي الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْ تَقْرِيحِ الهَمِّ؛فَاللَّهُمَّ عَجِّل بِخُرُوجِي
إِلَى بَلَدِ خَيْرٍ بَعْدَ أَنْ اسْتَأْسَدَت الكِلاَبُ فِي بِلاَدِي !


