صَبِيحَةُ 18 نيسَان 2016

اقْـتِـرَافُ المَـشِـيـئـَةِ ـ 3 ـ

وَتَعُـودُ الـذاكِرَةُ تَتَحَسَّسُ مَـوَاضِعَ الزَّحْفِ البَدِيعِ الأَوَّلِ؛فَإِذا مَا وَقَفَت عِنْدَ بِدَايَاتِهِ صَمْتَت

حَتَّى لِتَحْسَبُهَا كَمَادَّةٍ جَذبَهَا مِغْنَاطِيسٌ قَاهِرٌ فَأَعْجَزَهَا عَنْ جَيْئـَةٍ وَذهُوبٍ؛وَإِذا بِذاكِرَةِ التَّارِيخِ

المَاضِي تَقِفُ تُشَاهِدُ وَتَتَأَمَّلُ وَهِىَ فِي حَالَتِهَا هَذِهِ كَقَنَّاصٍ يُمْسِكُ بِالقَوْسِ فِي ثبَاتٍ يُعِدُّ السَّهْمَ

كَى يَنْطَلِقَ إِلَى حَشَا طَائِرٍ صَغِيرٍ لاَ يَكَادُ يَبِينُ وَهُوَ يُحَلِّقُ عَالِيَاً فِي جَوِّ السَّمَاءِ؛فَتِلْكَ هِىَ حَالَةُ

الرَّصْدِ الَّتِي تَعِيشُهَا ذاكِرَةُ الأَيَّامِ وَهِىَ تَرُومُ قَتْلَ ظَاهِرَةٍ كَيْفَ ظَهَرَت تَوْلِيدَاً مِنْ جَوْفِ عَقْلٍ

وَرُوحٍ وَنَفْسٍ وَمَا كَانَ الشُّعُورُ القَائِمُ قُبَيْلَ زَعْقَةٍ مُشَوَّشَةٍ غَرِيبَةٍ مَطْمُوسَةِ المَلاَمِحِ مُبَدَّدَةِ الجَوَارِحِ

سِوَى ذلِكَ الشُّعُورِ الَّذِي يُخَيِّمُ عَلَى أَجْوَاءِ بَقَايَا إِنْسَانٍ قَهَرَهُ الهَجِيرُ وَأَضْنَاهُ الظَّمَأُ فَنَادَاهُ دَيْرٌ بَانَت

مَرَاسِمُهُ مِنْ بَعِيدٍ أَنْ تَعَال؛فَأَظَلَّهُ بِظِلِّهِ وَآوَاهُ؛فَهُوَ يُعَانِدُ الزَّمَنَ اللَّجُوجَ فَيَسْعَى وَيَمْضِي وَكُلَّمَا دَهَمَهُ

إِحْسَاسُهُ بِالغُرْبَةِ وَبَغَتَهُ إِيمَانُهُ بِقَدَرِيَّةِ المِحْنَةِ فِي هَذِهِ الأَرْضِ أَسْرَعَ بِخُطَى السَّاخِطِ الغَضُوبِ إِلَى

ذلِكَ الدَّيْرِ؛وَكَأَنَّ جُدْرَانَهُ تَمُّدُ إِلَيْهِ أَنَامِلَ الأُمُومَةِ تُدَاعِبُ بِهَا قَسَمَاتِ وَجْهِهِ الفُرْعُونِيِّ الشَّاحِبِ وَتَضَعُ

رَاحَةَ الإِخَاءِ العُذرِيِّ عَلَى جَبِينِهِ تُزِيلُ عَرَقَ القَيْظِ أَوْ تَتَوَسَّلُ الدِّفْءَ أَنْ يَطْرُدَ البَرْدَ الَّذِي يَسْرِي بِهَذِهِ

البِنْيَةِ الشَّامِخَةِ فِي إِرَادَتِهَا وَالوَاهِنَةِ فِي أَصْلِ تَرْكِيبِهَا الآدَمِيِّ الَّذِي تَكَوَّنَ مِنْ مَغْرِبٍ وَمِنْ مَشْرِقٍ فَهِىَ

بِنْيَةٌ لاَ تُنْسَبُ لِوَطَنٍ مِنَ الأَوْطَانِ وَإِنْ كَانَت تُنْسَبُ لَهَا جَمِيعَاً فِي آنٍ .

وَفِي ذاتِ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ وَظَـلاَمٌ غَـطَّى مَسَـاحَةَ عَـالَمٍ كَـبِيرٍ شَاسِعٍ وَإِنْ كَانَ فِي

ظَاهِرِهِ لاَ يَعْدُو أَنْ يُقَاسَ بِمَسَاحَةِ أَقْـدَامٍ وَأَمْتَارٍ تَحُدُّهَا جُدْرَانٌ احْتَفَظَت بِأَسْرَارِ مَخْلُوقٍ فَضَّ بَكَارَةَ

الغَرَائِبِ وَهُوَ الحَبِيسُ لَمْ يَبْرَح؛وَالكَتُومُ الَّذِي أَغْمَضَ وَلَـم يَشْرَح؛غَيْرَ أَنَّهُ الآنَ الجَرِيحُ الَّذِي مَا

وَجَّهَ طَعْنَةً وَلَم يُصِب مَخْلُوقَاً وَلَـمْ يَجْرَح؛وَنَازِفُ الآهَةِ تَتْرَى وَهُوَ بِأَوْجَاعِهِ مَا يَسْخَطُ بَلْ يَفْرَحُ؛

وَلِفَرْحَتِهِ سِرٌّ؛وَإِنْ كَانَ أَثرُ مَوْضِعِ القَرْحِ كَأَثرِ الفَأْسِ تَحُطُّ عَلَى الصَّخْرَةِ الهَشَّةِ فَتُفِتِّتُهَا فَتِيتَاً فَإِنْ

أَبْصَرْتَهَا عُقَيْبَ ذلِكَ أَنْكَرْتَهَا .

وَكَانَت الأَنَّةُ لاَ تَخْرُجُ مِنْهُ إِذ تَخْرُجُ إِلاَّ وَيَتَسَرَّبُ مَعَهَا بَوْحٌ يَخْتَرِقُ المَفَازَةَ

ضَارِبَاً كَالسَّهْمِ صَاعِدَاً مِنْ فَوْقِ الكَعْبَةِ مُنْلَطِقَاً إِلَى السَّمَاوَاتِ تَارِكَاً رِسَالَةً أَوْدَعَهَا تَحْتَ العَرْشِ

عِنْدَ مَنْ لاَ تَخْفَى عَنْهُ خَافِيَةٌ وَلاَ هُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى رَسَائِلِ البَوْحِ إِذ اطِّلاَعُهُ عَلَى مَا يَجْرِي بِمَدَافِنِ

النُّفُوسِ وَمَكَامِنِ الشَّكْوَى مِنْ كُلِّ ذاتٍ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِشَارَةٍ بِإِصْبُعٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ هَمْسٍ مِنْ شِفَاهٍ

صَلَبَهَا الأَلَمُ عَلَى جُذوعِ الصَّمْتِ فِي لَيْلِ الكَوْنِ الَّذِي أَطْبَقَ فِيهِ الحُزْنُ عَلَى دُرُوبِ شَبَحٍ يَتَأَوَّهُ

مَعَ يَقِينِهِ أَن لاَ مُغِيثَ بَلْ اكْتَفَى بِوُقُوفِ الصَّانِعِ عَلَى أَمْرِهِ وَهُوَ رَهِينُ فِرَاشٍ قَـد سَئِمَ حَالاَتَهُ

فَلاَ تَدْرِي أَمَلَّ مِنْهُ الفِرَاشُ وَكَرِهَهُ أَم مَلَّ مِنْ زَمَنٍ يَتَقَصَّدُهُ كَمَا يَتَقَصَّدُ الصِّنْدِيدُ الكَافِرُ رَأْسَ

صَبِيٍّ بِسَيْفِهِ فَـمَا يَتْرُكُ الـرَّأْسَ حَتَّى يَفْلِقَهَا فَـإِذا انْفَلَقَت أَتَى عَلَى هَذِهِ وَتِلْكَ حَتَّى هَشَّمَهُمَا؛

وَكَانَ البَوْحُ المَكْتُومُ وَمَا حَمَّلَ الرِّسَالَةَ مِنْ وَجْدٍ إِلَهِيٍّ لاَ يَمَلُّ مِنْ إِرْسَالِ الخِطَابَاتِ إِلَى الصَّانِعِ

الَّذِي قَـد أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَاً؛وَمَا شِكَايَاتُ الخِطَابَاتِ سِوَى ذِكْرَيَاتٍ تَمُرُّ عَلَى الخَاطِرِ فِي

هَذِهِ اللَّحَظَاتِ فَتَتَجَسَّدُ عَالَمَاً مُتَلاَطِمَ الأَمْوَاجِ مُتَدَافِعَ الخُطَى وَيْكَأَنَّهَا كَابُوسٌ أُسْطُورِيٌّ عَلَى

مَا فِيهَا مِنْ جَمَالٍ إِذ هِىَ مَحْضُ ذِكْرَى؛فَمَهْمَا كَانَت حَبِيبَةً إِلَى النَّفْسِ فَهِىَ عِلَّةُ وَجَعٍ لاَ يَزُولُ

إِذ أَنَّهَا تَشُدُّ العَقْلَ الخَيَالِيَّ إِلَى مَسْرَحٍ مِنْ مَسَارِحِ القَدِيمِ العَذبِ ثـُمَّ تَرْتَدُ بِهِ إِلَى الوُقُوفِ عِنْدَ

مَاهِيَّةِ وَاقِعٍ يَنْهَشُ بِأَنْيَابِهِ فِي تِلْكَ البَقِيَّةِ المُتَبَقِيَّةِ مِنْ ذلِكَ الشَّبَحِ الرَّاقِدِ يَتَنَفَّسُ بِأَنْفَاسٍ هِىَ

مَزِيجٌ مِنْ زَفِيرِ جَهَنَّمَ إِذ تَغْضَبُ اعْتِرَاضَاً عَلَى مَا بِهَا وَمَنْ بِهَا وَمِنْ نَسَائِمِ مَاضٍ هُوَ غَايَةُ

التَّشَبُّثِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ كَيْنُونَةِ حَدَثٍ كَرِيهٍ إِلَى صُوَرٍ مَاضَوِيَّةٍ كَأَنَّهَا حِينَ تَمْثـُلُ

تَتَبَسَّمُ بَسْمَةَ الحُزْنِ الأَنِيقِ الرَّقْرَاقِ الَّذِي يَنْسَابُ كَمَا يَنْسَابُ المَاءُ الفُرَاتُ مِنْ حَلْقِ الَّذِي كَادَ

الظَّمَأُ أَنْ يُودِي بِهِ إِلَى جَوْفِهِ السَّخِينِ عَلَى أَنَّ الظَّمَأَ يُقْتَلُ بِالمَاءِ بَيْنَا الخَيَالُ يُقْتَلُ مِنْ ذاتِ نَفْسِهِ

فِي لُحَيْظَةِ فَنَاءِ صُورَةِ الذكْرَى لِيَجِدَ المَرْءُ نَفْسَهُ أَمَامَ عَقْلٍ وَاعٍ يُعَانِي وَقْعَ مَا هُوَ كَائِنٌ مَحْسُوسٌ

بِالقُوَّةِ الوَاعِيَةِ المُدْرِكَةِ لِمَا يَحْدُثُ وَمَا يَعْتَمِلُ بَيْنَ جُدْرَانِ هَيْكَلٍ آدَمِيٍّ طَعِينٍ ...؛ثـُمَّ جَاءَ صَـوْتُهَا

فِي إِبَّانِ هَـذا الصِّـرَاعِ الَّـذِي وَلَّـدَ مِـنَ الحَيَاةِ

الوَاحِدَةِ حَيَوَاتٍ مُخْتَلِفَةً مُتَبَاينَةً مُتَقَاتِلَةً يَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضَاً؛وَإِذا بِهَا تَتَكَوَّرُ

فِي حَيَاةٍ وَاحِـدَةٍ بَعْـدَ أَنْ هَجَـمَ هَـذا الصَّـوْتُ وَكَأَنَّهُ عَـلِمَ بِنُشُوبِ هَذِهِ الحَرْبِ الطَّاحِنَةِ الخَرْسَاءِ .

..:سَـلاَمٌ عَـلَى رُوحِـكَ ...؛مَـا أَصَابـَكَ ؟!

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 66 مشاهدة
نشرت فى 18 إبريل 2016 بواسطة darch89

عدد زيارات الموقع

22,631