بقلم: داليا جمال طاهر

القصة الشاعرة جنس أدبى جديد، وليست جنسًا أدبيًا بديلًا أو وحيدًا ، ونحن بطبيعة الحال مع تعدد الأجناس الأدبية التى تثرى أدبنا المعاصر ، والقصة الشاعرة قد أضافت الكثير للطريقة التعبيرية والفنية، ولذلك فنحن نعتبرها إضافة هامة للأجناس الأدبية.

وهى جزء من النسيج الفكري والحضاري يدخل في نطاق الفن الجميل بمبادئ إنسانية جديدة ، و الدعاية للقصة الشاعرة تقوم على صوت الحكمة والتأني وهضم أدواتها ، ومِن ثمّ برؤية ما لا يتمكن الآخرون من رؤيته ، وإثبات الشخصية المُميزة للقصة الشاعرة في سياقها الفكري والأدبي والفني ..، وما بين اتصال المتناقضات وانفصالها يُمكن استيعاب أبعاد هذا الفن الكتابي الجديد واستشراف آفاق مستقبله.. ومبدع القصة الشاعرة يُبلور روح العصر بقيمته الفنية وموضوعيته الفكرية ليُجسّد عملاً إبداعياًّ يلفتُ الأنظار ، ويُمكّن الأجيال التالية من تذوّق هذا العمل الإبداعي وكشف جوانبه الجمالية ..

إن القصة الشاعرة جنس أدبي جديد يصنع هوية جديدة للشعراء والكتاب في ضوء التدفق الحر للإبداع الذي يحتاج إلى الرعاية ، ويجب أن تتاح أمامه كل الفرص للظهور.

تطور الأدب العربي:-

لو تتبعنا مسيرة الأدب العربي منذ نشأته حتى يومنا هذا ؛ لوجدنا أنه يتطور تطورا متناميا ، وأنه قد تفرع إلى عدة فروع ، وأجناس مختلفة ، فنجد أن هناك من هذه الأجناس : الشعر ، والقصة ، والرواية ، والمقال ، والمسرحية ، وغيرها ؛ كما نجد أن لكل جنس من هذه الأجناس مسيرته وتطوره ، فالشعر بدأ تقليديًا يسير على نظام الشطرين ، ثم تطور – دون المساس بالأصل – لينتقل إلى شعر التفعيلة الذي يعتمد على السطر الشعري غير محدد بعدد معين من التفعيلات ، ثم انتقل لمرحلة الحداثة فقصيدة النثر ، وهكذا.

وهذا كله لم يأتِ من فراغ ، بل نتيجة لمجموعة التفاعلات المتشابكة والمختلفة بين كل الفنون والآداب ، وغيرها من العلوم الاجتماعية : من سياسة ، واقتصاد ، واجتماع وفلسفة ، وغيرها ، وبين متغيرات البيئة المختلفة ؛ مما أفرز مجموعة من المدارس الشعرية التي بدأت بالتقليدية ، وتلاها مجموعة من المدارس منها الرومانسية ، ومدرسة المهجر ، والديوان ، والعديد من المدارس ليتوافق هذا مع تطور الحياة المضطرد.

وخلال هذه المسيرة امتزج الشعر مع القصة ليكون مزيجا منهما ، أطلق عليه الشعر القصصي ، أو القصص الشعري، وكذلك تشابكت المسرحية مع الشعر لنرى المسرحية الشعرية ؛ وإن كان تطور الأخيرة لا يسير بنفس سرعة العصر الذي نعيشه.

القصة الشاعرة:-

في السنوات الأخيرة لاح على الأفق شمس لجنس جديد ، نتج عن انصهار تام بين القصة القصيرة وبين شعر التفعيلة ، وهذا الفن بعيد كل البعد عن الشعر القصصي ، أو القصص الشعري ، فهو منهاج جديد ، له مميزاته الخاصة ، وله تفرده المشهود ، يسير بخطى وئيدة على درب الأدب العربي إلى جانب الأجناس الأخرى ، وأضحى له مريدوه من المبدعين الكتاب ، والنقاد ، وكذلك له من يهاجمونه غير مقتنعين به ، مثل أي جنس جديد ؛ فهل يا ترى سيستمر هذا الجنس على درب الحياة الأدبية؟.

تعريف القصة الشاعرة:-

هو حدث ؛ يمثل انصهارًا تامًا بين كل من تقنيات القصة القصيرة ، وتقنيات شعر التفعيلة ، من خلال قواعد النحو والصرف ، ولكنه ليس بالقصة القصيرة ، ولا هو بالشعر ، بل هو شكل جديد يتمتع بالأصالة بالرغم من حداثته. ويتمتع فيه النص بإيقاع هامس ، وموسيقى دافئة معبرة عما يجيش بصدر المبدع ، وما يحويه المتلقي ، وذلك من خلال نفس شعري طويل ومتصل ، مع وجود التدوير العروضي ، مع امتزاج النص بخصائص القصة القصيرة ، من دراما قصصية تخرج من ثنايا العمل الأدبي ، وتكون منصهرة معه.

ومن هنا فإن هذا الجنس الجديد يدب بجذوره إلى أعماق الأدب العربي ، من خلال شقيه الرئيسين ، الشعر الذي هم ديوان العرب ، والقصة القصيرة التي تعتبر ضمير الحياة اليومية في عالمنا العربي، أي أنه يمتد إلى قرون من الأصالة.

وهذا الفن الجديد يعتمد بصورة أساسية على التكثيف ، وانتقاء المفردة التي تعبر عما يراه المبدع ، وتصل إلى المتلقي ، كلٌّ بمعنى يختلف حيث رؤيته للنص المقروء ، أي أنه يحمل العديد من الرؤي ، والصور والأخيلة المتعددة.

وتهتم القصة الشاعرة باختيار المفردات والتراكيب ، والإيقاعات الداخلية ، وكذلك الخيال ، بشرط الترتيب السردي ؛ بالرغم من وجود الرمز بها.

انتشار القصة الشاعرة:-

القصة الشاعرة انتشرت على المواقع الإلكترونية باعتبارها فن كتابي يقف جنبًا إلى جنب مع الفنون الكتابية الأخرى ، وهذا الجنس الأدبى لا يدمج بين الشعر والقص أو العكس ... بل إنه جنس يجعل الكلمة فى "القصة الشاعرة" رباعية المعنى ... ويأتى التناول "للقصة الشاعرة" بتنظير نقدى مناسب لها ، ..... فلا يمكننا أن نطبق عليها نظرية أدبية سابقة لها .

وإذا كانت القصة لم تتخل عن السمات الرئيسية للسرد ، وكذلك الرواية ، فهل يُمكن اعتبارهما فنًّا كتابيًّا واحدًا؟ ، ومن هنا فإن القصة الشاعرة لم تتخل عن السمات الرئيسية للسرد (الموجود في القصة مثلاً) ، وكذلك السمات الرئيسية للشعر .

انتشار القصة الشاعرة عبر وسائل الإعلام الإلكترونية إلى مجموعة من السمات والخصائص التى يتميز بها الإعلام الإلكتروني، ومن أهم هذه السمات:-

  • سرعة انتشار المعلومات ووصولها إلى أكبر شريحة وفي أوسع مجتمع محلي ودولي وفي أسرع وقت وأقل تكاليف والنقل الفوري للأخبار والأحداث والوقائع ومتابعة التطورات التي تطرأ عليها مع قابلية تعديل وتحديث وتجديد الأخبار والنصوص الإلكترونية في أي وقت، مما جعله ينافس الوسائل الإعلامية التقليدية.
  • توفير للوقت والجهد والمال، فالإعلام الإلكتروني لا يحتاج إلى مقر واحد ثابت يحوى كل الكادر الإعلامي لأنه يبث عبر الإنترنت فهو لايحتاج إلى توفير المباني والمطابع والورق ومستلزمات الطباعة ومتطلبات التوزيع والتسويق، والعدد الكبير من الموظفين والمحررين والعمال، مما يقلل ذلك من حجم التكاليف المالية مقارنة بالإعلام التقليدي، وغالبًا ما يعتمد الإعلام الإلكتروني على التمويل من خلال الإعلانات.
  • منحت تقنيات الإعلام الإلكتروني عملية رجع الصدى.
  • إمكانيات حقيقية لم تكن متوفرة من إمكانية الحصول على احصاءات دقيقة عن زوار مواقع الإعلام الإلكتروني، ويوفر مؤشرات عن أعداد قرائه وبعض المعلومات عنهم كما تمكنه من التواصل معهم بشكل مستمر.
  • يوفر أرشيف وقاعدة معلوماتية للإعلامي في كل وقت، إذ يوفر الإعلام الإلكتروني فرصة حفظ أرشيف الكتروني سهل الاسترجاع غزير المادة، حيث يستطيع الزائر أو المستخدم أن يبحث عن تفاصيل حدث ما أو يعود إلى مقالات قديمة بسرعة قياسية بمجرد أن يذكر اسم الموضوع.
  • فرض الإعلام الإلكتروني واقعاً مهنياً جديداً فيما يتعلق بالإعلاميين وإمكانياتهم وشروط عملهم، فقد أصبح المطلوب من الإعلامي المعاصر أن يكون ملمًا بالامكانيات التقنية وبشروط الكتابة للإنترنت وللصحافة الإلكترونية كوسيلة تجمع بين نمط الصحافة ونمط التلفزيون المرئي ونمط الكومبيوتر.
  • إتاحة الفرصة للشباب وشرائح المجتمع كافة للمساهمة بإبداعاتهم وهواياتهم.
  • توسيع دائرة التنافس الإعلامي بين المواقع والمنتديات والصحف والمجلات الإلكترونية المختلفة من خلال ماتقدمه من مقالات وبرامج تعليقات تميز أحدها عن الأخرى.
  • تنامي دور القطاع الخاص في مجال العمل الإعلامي.

القصة الشاعرة ومسيرة الإبداع العربي:-

إننا دوماً بحاجة إلى كلّ جديد سريع يتفق مع حداثة فنون التشكيل ، ولا يُنكر تراثية المضمون، ولوكان ذلك انطلاقاً من السمة الرئيسية في الحياة ، و هي التغيير مع الحفاظ على خصوصية عالمية الهوية ، والريادة وتواصل الأجيال الإبداعية ومواكبة المستجدّات .. ، بل يتطور الأمر إلى أكثر من ذلك في العملية الإبداعية عندما يأتي الإلهام بما هو غير مسبوق ، ولا يستطيع تنفيذه إلاّ التواقون للمغامرات والمتمردون بثقة إبداعية على التقولب ، ومن هنا تنطلقُ الأجناس الأدبية والفنية الجديدة ، وتدبُّ الحياة في نصوص الاكتشافات والاختراعات بين مؤيدٍ ومُعارضٍ حتى تكون تلك النصوص مُستفزّة للتنظير والتقعيد والتسمية ومقارنة العلاقات بين الجديد ومحيطه وجذوره ، ومن ثَمَّ مناقشات/دراسات جادة وحوارات مسئولة لاستقصاء تقنيات التطور والوقوف عند الإضافات الجوهرية.

إنّ "فنُّ القصة الشاعرة" جنس أدبي جديد ، ومتجدّد وقابل للتطوير والتحديث ، وكذلك لا يُهمل دور الماضي (الموروث) في رسم المستقبل ، وتعمل القصص الشاعرة على تنشيط التصوّرات الذهنية - بالتماس مع مختلف العلوم والفنون والتوجهات- وتفجير القدرات الإبداعية لدى المتلقي الواعي والناقد المبدع ، إذْ أن نصّ القصة الشاعرة يُمثّل عالماً منفتحاً على عدة نوافذ.

 

القصة الشاعرة جنس أدبي راقٍ ومستحدث:-

إذا كنا بصدد إطلالة موجزة على حالات التطوير في المسيرة الأدبية والتي لا تتوقف عند حد معين فإن "القصة الشاعرة" كجنس أدبي مُستحدث له سماته التي تَميزه عن الأجناس الأدبية السابقة ، إذْ تختلف القصة الشاعرة عن الشعر المسرحي الذي برع فيه كلٌّ من أحمد شوقي ، وعلى أحمد باكثير ، وأخيراً فاروق جويده وحزين عمر ، كما يختلف عن الشعر القصصي الذي تميز به خليل مطران ، ويأتي هذا الاختلاف من أن القصة الشاعرة عبارة عن إبداع يعتمد على الإيقاع التفعيلي بعدد غير محدود من التفعيلات مع التزام التدوير القصصي والشعري بحيث يكون القص منهجاً مستتراً بأروقة الرمز متعدد الدلالات ، بحيث يبرز فيه دور المتلقي كمنفعل وفاعل في ذات الوقت ، ولذلك فإن الشعر بجميع مدارسه – وإن كان التدوير الشعري مُتوفراً – يختلف عن القصة الشاعرة لأنها تجعل من الرمز مرتكزاً أساسياً للحدث الشعري ، ويفضي إلى نهاية مُبهرة، ويتضح ذلك من خلال قراءة مُتأنية للنماذج التي تشدُّ إليها ثلاثية العمل الأدبي (مبدع ، متلقي ، وبينهما الناقد) ، مما يجعل هذه الثلاثية قادرة على فهم سطوح النصوص ومضامينها ذات الأثر الخلاق.

القصص الشاعرة لم تعد فقط مجرد كلمات أو جمل مُموسقة قائمة على التفاعيل ، ومتضمنة حدثاً بمعايير القصة القصيرة ، وإنما هي نبضٌ لشعورٍ العامة والخاصة ، وقد تتشابه الدوافع والنوازع لشعورٍ ما ، ولكن تتفاوتْ طرق التعبير والسلوكيات التي ينجم عنها الأثر .. ، والعمل الإبداعي يسمو كلما كان أثره يستدعي المصالحة بين الذهن والوجدان.

* بحث مشارك فى المؤتمر العربى السادس للقصة الشاعرة "القصة الشاعرة .. أفاق التجريب"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 69 مشاهدة
نشرت فى 14 مايو 2015 بواسطة daliagamal2002

ساحة النقاش

شموس نيوز

daliagamal2002
»

تسجيل الدخول

ابحث

عدد زيارات الموقع

70,491