مهاجر عربي، مسلم، وافقت فرنسا علي إقامته، والسماح له بالبحث عن عمل يتعيش منه. وبعد أن وفّر المهاجر العربي بعض ما كسبه من أجل تكوين نفسه، علي أمل تحقيق حلمه في العثور علي »بنت الحلال«، سافر إلي وطنه في زيارة خاطفة عقد خلالها علي فتاة ـ من »بنات حارته« ـ رحبت بالزواج منه، و سُعدت بالإقامة النهائية معه.. في بلاد »الفرنجة«.
رزق الزوجان بـ11ولداً، وإبنة واحدة أطلقا عليها اسم: »ليلي«. وحرص الأب علي إتاحة الفرصة كاملة لذريته لتلقي التعليم في المدارس، والمعاهد، الحكومية المجانية.. مطمئناً نفسه، ومؤكداً لها» إنه ليس خائفاً من الاختلاط في المدارس الفرنسية، ولا معترضاً علي تلقي أولاده مواد وأفكاراً ونظريات قد يتعارض معظمها ـ أو بعضها.. علي الأقل ـ مع ما سمعه، وقرأه، وحفظه، من دروس وأحكام أئمة المساجد التي تردد عليها سواء في وطنه الأم الإسلامي، أو في وطنه الثاني غير الإسلامي. فالمهم بالنسبة له ـ كما كان يتصوّر ـ أن الأصول تتشكل وتقوي داخل البيت. فإذا أحسن تربية أولاده وبناته ـ أخلاقياً، ودينياً ـ فلا خوف عليهم، ولا منهم، من الاختلاط في المدارس والتعايش مع عادات، وتقاليد، وقيم، وتصرفات، الزملاء والزميلات من الفرنسيين غير المسلمين!
»ليلي«.. الإبنة الوحيدة بين 11ولداً، كان لها رأي مخالف..
منذ بلوغها سن السابعة أو الثامنة.. تعودت علي صوت أبيها، أو صوت أمها، يطالبانها بتنفيذ أوامر معتادة مثل: »ليلي! جهزي المائدة!«، »ليلي! خدي بالك من أخيك!«، »ليلي! إغسلي الحلل والأطباق!«، »ليلي! إقفلي التليفزيون!«، »ليلي! إقعدي في البيت.. ما فيش خروج«، و »ليلي! إمتي رجعت من المدرسة؟!«.
كما تعودت ابنة السابعة ـ »ليلي« ـ علي سماع أوامر جديدة تضاف إلي المعتادة، مثل: »ليلي! ما فيش كلام مع زميلتك فلانة!«، و »ليلي! ما فيش لعب ولا وقوف مع الصبيان في الفسحة أو بعد الخروج من المدرسة«.
تعلق »ليلي« علي ما تسمعه ليل نهار من والديها، أو من أخوتها الصبيان ـ الأكبر منها والأصغر ـ فتقول إن سمعها توقف عند الإنصات لأوامر يطلب منها سرعة تنفيذها، ولمحظورات محددة و واضحة يتحتم عليها الالتزام بها حرفياً.
وتضيف »ليلي« ـ وهي تسترجع ذكريات طفولتها الأليمة ـ قائلة: »لم أحس أبداً إنني أحد أفراد الأسرة، لي ما لهم.. وعليّ ما عليهم! كنت مجرد أداة، أو آلة ـ »ريموت كونترول« ـ يتبادلونها فيما بينهم، ومن خلالها يستطيعون تحريكي عن بعد وتوجيهي إلي ما يحددونه لي من زمان ومكان!«.
و تقول »ليلي« إنها عندما كانت تنظر في المرآة .. تفاجأ أحياناً بأنها تري لا شيء أمامها! حقيقة إنها خلقت كما خلق غيرها، وأن لها جسداً يحمل رأسها، ولها عينان تري بهما، وتحت صدرها قلب ينبض ويحس ويشعر.. لكن حقيقة أيضاً أنني لم أكن أستطيع السيطرة علي مكوناتي، ولا أملك التحكم في أحاسيسي ومشاعري! فأنا أملكها.. لكنني لا أحكمها، مثلما تفعل ملكة بريطانيا!
وبتفاصيل أكثر، أوضحت »ليلي« أنها ولدت ونشأت في بيت يلتزم إلتزاماً صارماً بالعادات والتقاليد المغربية.. رغم أننا نعيش في مدينة فرنسية وغالبية سكانها من الفرنسيين. داخل البيت كانت محكومة باستنشاق تلك العادات والتقاليد لدرجة الاختناق، ولا تعاود التقاط أنفاسها إلاّ بعدما تغادره وتضع قدميها داخل مدرستها!
مجرد جلوسها علي مقعدها داخل الفصل.. كان يشعرها بكيانها الكامل ، وآدميتها غير المنقوصة أو غير المعترف بها! فهي بين جدران فصلها تنصت لدروسها، وتستوعب معلوماتها، وتملك أن تناقشها، انتظاراً لتوضيح أو طلباً لاستفسار. أما خارج الفصل ـ خلال فترة الفسحة ـ لا تحتاج الطفلة »ليلي« إذناً من أبيها، وأمها، وكل أخوتها الصبيان لتلعب، أو تجري، أو تجالس من تختار، ومن ترتاح معهم، وإليهم، من الزملاء والزميلات.
لهذه الأسباب .. أحبت »ليلي« مدرستها التي تمارس داخلها كل حرياتها كإنسانة، و آدمية، مثلها مثل غيرها. وبمجرد إنتهاء ساعات اليوم الدراسي.. واضطرارها إلي مغادرة أسوار وبوابة المدرسة.. يعاودها الإحساس المرير بأنها تتلاشي: وجوداً، وكياناً، و إرادة.
إبراهـيم سـعده
[email protected]
نشرت فى 12 يوليو 2010
بواسطة child-trafficking
عدد زيارات الموقع
5,493


ساحة النقاش