جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الرمانيسك المحلي المكون لقماشة كل نص روائي ليس بمقدوره أن يتحرر من إفرازات الزمان و المكان اللذين أنجباه و لهذا أتاحت فسحة القول المباح في الخمسينات المجال واسعا لإلقاء الضوء على المشهد المشحون بالإيديولوجيات الثورية و كلام الخشب المبشر بآمال وردية سرعان ما تهاوى بنيانها المرصوص مع هزيمة 1967 المدوية، مما أيقظ الحاجة إلى خطاب سرديّ و قوافٍ شعرية تختلف كليا عن تلك التي سبقتها، بغية الخروج من النفق و التخلص من نصوص مركزية ما خلت يوما من تداعيات الذات و فرقعات الأنا المتضخمة.
الرواية العربية في بداياتها الناضجة انطوت على وعد بتقديم صورة دقيقة و صادقة عن المجتمعات العربية و هي تعيش غمرة التحولات الكبرى خصوصا مع اتساع دائرة المد القومي و حركات التحرر، التي أفضت فيما بعد إلى الدولة الوطنية أو نموذج الدولة الأمة، و هما نموذجان قضيا على ربيع الرواية العربية و جعلا نصوصها تمتلئ بالمرارة و الحسرة و الخيبة و انكفاء الرواد على الذات من أجل المراجعة أو تمهيدا للانسحاب المتدرج الهادئ من المشهد الأدبي، أو الركون إلى صمت طويل انتظارا لأحداث أقوى تعيد الروح للركام الهامد من الأقلام.
وقع هذا مع أغلب رواد مرحلة البدايات و النضج، ابتداء من توفيق الحكيم و يحي حقي و انتهاء عند حنا مينا و غائب طعمة فرمان، مرورا بنجيب محفوظ و ذي النون أيوب.
الرواية من حيث أنها معرفة و متعة و رؤية للعالم يجب عليها أن تتوغل في دواخل النفس و ترتاد الفضاءات الحرجة و تستنطق ما حرمته الممنوعات و المقدسات، و تراهن على منظور أخلاقي-حياتي و تدسه بين ثنايا النص و تترك للقارئ الفرصة لاستشفافه خلسة و من ثَمَّ التفاعل معه سلبا أم إيجابا.
لا يهمنا أن يكون الروائي نسخة عن الباشا الذي لا يتغير، أم واحدا من الثوار الذين لا يمنعهم غبار النقع من المحافظة على تقاليد اللوردات، فالمهم أن يحتفظ النص الروائي بمركزيته و يظل هو الوحيد الذي يقول الكلمة الفصل التي تسدل الستار لتودع عهدا اللحد مؤذنة بانبلاج عهد جديد كله حق و خير و جمال.
بقلم الاستاذ سمير فضل

ساحة النقاش