منتديات المربد للشعر والادب والثقافة والفنون

ديوان: (أمشي على حروف ميتة)
للشاعرة الإيرانية (ساناز داود زاده فر)
ترجمة: محمد حلمي الريشة
ط1 (2015م)
دراسة نقدية: الشاعر حسن منصور
طلبت مني الشاعرة الإيرانية المذكورة Sanaz davood zadeh far القيام بدراسة نقدية لديوانها هذا، وأرسلت إلي نسخة إلكترونية منه (pdf) فقمت بدراسة سريعة له أنشرها هنا بناء على طلبها، وستنشرها صحيفة الحياة (في فلسطين) حسب ما أفادتني به الشاعرة. وفيما يلي الدراسة المذكورة:
أمشي على حروف ميتة
عنوان هذا الديوان يوحي بشيء من الإحباط أو اليأس عند الشخصية المتكلمة فيه، سواء كانت شخصية رمزية مستعارة أو شخصية الشاعرة ذاتها. ويتأكد هذا الشعور منذ الصفحة الأولى، ففيها: (حين نكون معاً تكون بيننا مسافة دخان عدة سجائر)، وكذلك في النص التالي له مباشرة. ومن قراءتي الأولية لنصوص الديوان خرجت بانطباع عام هو أن القلق والشعور بالألم هو الذي يسيطر على الأجواء العامة فيه. 
ومنذ النص الأول تطالعنا مفارقة غريبة مألوفة؛ هي أن يجتمع الحبيبان فيكون بينهما نوع من الغموض القلِق أو عدم الصفاء، وهذا يسبب النفور وربما الصمت بين الطرفين، ولكن عند الفراق فهما كما تقول: مثل (كوب من الشاي الساخن إلى جانبه سكر)..وتؤكد ذلك قائلةً: (وهذه التجربة دائماً). وهذا النص (الأول) ربما يكون المفتاح الصحيح لما بعده، وأعتقد أن كوب الشاي الساخن يرمز إلى حرارة شوقهما إلى بعضهما، فهما يريانه حلواً كالسكر الذي بجانب كوب الشاي.
ثم تتوالى النصوص ونكتشف فيها مزيداً من المفارقات؛ كهذه المفارقة بين بدء الحب عند الحبيبة وبين كون هذا البدء هو زمن انتهائه عند حبيبها... وهي بلا شك مفارقة مؤلمة جداً لها: إذ كيف تبني حبها الوليد الناشئ على فراغ سيخلفه غياب التجاوب عند الحبيب؟ ومن هنا تبدأ المشكلات بالنسبة إليها : فإلى أين تذهب إذا رفضها الحبيب ولم يفتح لها باب قلبه؟. وهي تخشى العودة، ولذلك فهي تردد: (إذا أعود سيخيطون لساني وشفتي)... ومن هنا أيضاً يبدأ الأمل في اللقاء بالحبيب ليكون هو الوطن، وتبدأ الانتظار وتخاطبه قائلة: (...وأنت مجرد حلم). وهنا نلمس صعوبة الانتظار ومرارة الإحباط واليأس الذي بدأ يصاحبه ويبرز. ومادام الانتظار سيطول فالإنسان ينكفئ على نفسه (Introvert) ويبدأ في تحليلها وفي التذكّر واستعراض ما مضى...فتقول: (بخار حديثك أحاط كل مخيلتي بالضباب ....... يداك منذ سنوات بعيدتان عني). وتتذكر هذه العاشقة المسكينة حياتها فتقول: (ولدت وكنت أبكي)، وكأن كل حياتها بكاء متواصل، ولذلك فهي تطمع في ابتسامة ولو كانت هي ابتسامة النهاية، إذ تقول: (أريد أن أرحل مع ابتسامة تشبه الموناليزا). وهي من ناحية أخرى تريد التمرد على ذاتها وعلى ظروفها القاسية فتقول: (وأرسِلوني إلى باريس وادْعوني جولييت .. سأكون العطر الأكثر مبيعاً)، فهي هنا تتشبث بالحياة وبالحب وتواصل محاولة الخروج من الدوران في دائرة ذاتها، ولكنها تربط هذه الذات بمحيطها الشامل، بالأرض التي لو زلزلت فإنها (ستنيم هزاتها آلامي) على حد قولها، وكأن في زلزال الأرض وتصدّعها العزاء لها أو أنها تشغلها عن ذاتها وآلامها. وتعود إلى مخاطبة الحبيب الذي لا يأبه بها ولا يحس بألمها حتى لو فهم أنها تحبه... وتعبر عما تختزنه في قلبها من حرارةٍ فتذكر اليورانيوم المخصب كأنه في سريرها وليست هي التي من لحم ودم، وينعكس هذا التصور على المدن وعلى المحيط الذي تعيش فيه. وتتخيله كأنه صار ضبابياً ودخاناً أبيض (من كابوس نووي صار أكثر سخونة) على حد وصفها. 
وتتوالى هذه النصوص وراء بعضها على شكل حلقات في سلسلة واحدة متصلة، حيث لم ينفصل كل نص عن تاليه بعنوان مستقل، مما يدل على أنها تعبر عن حالة واحدة تعيشها صاحبتها، وهي تتنفسها باستمرار وتَواصُلٍ لا ثغرة فيه تسمح بأن يكون هناك عنوانٌ منفصلٌ لكل دفقة شعوريّةٍ منها. وقد أعدْتُ قراءتها أكثر من مرة فتعمق لديّ إحساسي الأول، ولا أدري لماذا شدّتني المقطوعات الأخيرة إليها، فتوقفت عندها ورأيت نفسي أقف بين طرفين هما البداية والنهاية. وأحاول أن أراجع خطوات المسيرة بينهما وما هي المشاهد والأحداث والأفكار التي صاحبت هذه الخطوات. وقد تكلمنا عن البداية، فماذا عن النهاية وعن الجسر بينهما؟ 
في الصفحة الثانية والخمسين نقرأ هذا النص: (مثل مسدس محشو بالرصاص.... إذا أطبقتُ جفنيَّ سيقتلك رصاصي... أما إذا لم أطبقهما ... فإن جزئياتي مثل حقيبة ظهر مليئة بالبارود... على كتفيّ.... وسأصبح قنبلة... إذا أطلقتُ النار ... سأصير مثقبة .... كأن كلينا يقاتل من أجل الموت. ) 
هذا نص نرى فيه مدى التوتر والشحنات المضغوطة والمحبوسة، وكيف تتوثب في قلب هذه العاشقة المحبطة، بل هي تكمل ذلك بعملية (إسقاطِ) ما تُحسُّ به على من حولها وما حولها.. إذ تقول: (كأن رائحة البارود تخرج من أفواه الناس). ويستمر هذا البوح المعبر عن الألم وعن المعاناة حين تقول: (... وألمي محفور في جسدي بالحروف المسمارية، شاهدوا ألمي في المتحف )، كما تستمر عملية (الإسقاط) على الطبيعة وعلى البيئة كما يبدو من قولها: (لقد تحول قلم الرصاص خاصتي إلى شجرة طائرة مليئة بالغربان ... وغطت الغربان كل كلماتي. الآن كيف يمكنني أن أكتب أن قلبي كان لديه حمامة لك؟) وكل هذه التعبيرات تدل على الإحباط، وربما على ما هو أبعد من الإحباط؛ أعني على خيانة الحبيب وعلى غدره، وكأنه قتل حمامة السلام بينهما، وهي التي ترمز إلى الحب الجميل بينهما، وكأن هذا العمل جعل الدنيا كلها سوداء كالغراب في عينها فلم تعد ترى شيئاً جميلاً، وهذا المعنى يؤكده ما ورد في (ص58): (كل حبي في علبة كبريت، أشعل سيجارتك بعود ثقاب من خيالي... يكفيني منك هذا ورائحة التبغ التي جعلت حياتي ضبابية). فحياتها ضبابية ... بمعنى أنها تعيش بلا مستقبل واضح المعالم أو الاتجاه والحدود... فهو إذن التيه والحيرة والتشاؤم وربما الشعور بالاغتراب الناتج عن الإحباط الذي ولده غدر الحبيب أو غيابه وعدم اكتراثه... ولهذا فهي تخاف من هذا المستقبل فتقول: (... فالسلام لا يمكن أن يكون). ونسأل وكيف يتضح المستقبل بدون السلام؟ وكيف تطمئن له؟. ولكن رغم هذه المرارة والإحباط فهي لن تنساه ولن تنسى الحب، ولهذا نسمعها تقول: (سأرقص وأنا أتذكرك، وسأنقش رقصتي على حجر، وبعد بليون سنة سيكون الحب معنى هذه الرقصة). ولكنها تقول أخيراً: (كل ما أكتبه... يصير سجناً أو موتاً ... بالأبجدية المريضة. .. لا بد أن نعيش الحرية بلغة الإشارة). 
وأرى أن خاتمة هذا النشيد الطويل المليء بالشجن والألم كانت خاتمة متمردة على الكلام بحروفه وألفاظه ومعانيه، وكأنها تريد أن تقول ـ بعد كل ما قالت ـ بأن كل ما تقوله لم يعبر عمّا في قلبها وفي مشاعرها من عمق... وهنا يظهر الإشكال الفلسفي بين الفكر والواقع الرمزي المترجم للفكر إجمالاً، وهو (واقع الحروف والكلمات)؛ فالفكرة والمشاعر تكون حية في النفس ومتألقة الوضوح والنشاط والحضور والحيوية، ولكن عندما نترجمها إلى كلمات فإنها تبدو باهتة أو ربما تجمدت أو ماتت، والشاعرة تحس بهذا، ولذلك فهي تريد أن تحل هذه الإشكالية بلغة الإشارة لا بلغة الحروف والكلمات المكتوبة، لعل في الإشارة شيئاً من المباشرة يختصر الكلام، ولذلك فربما تكون فيها حرية وقدرة أكبر من الكلمات على التعبير الكامل أو الصادق والحقيقي. وأعتقد أن عنوان الديوان (وهو أمشي على حروف ميتة) قد نبع من هذا المعنى من هنا. 
ولو عدنا إلى القسم الثالث من هذه النصوص (حسب ترتيبنا)، وهو القسم الواقع بين البداية والنهاية، لوجدنا أنه يشبه طريقاً تصعد وتهبط بنا في مسارات ومحطات عديدة، ولكن هذه المحطات وهذه المسارات لا تختلف كثيراً عن البداية والنهاية، ولعل الاختلاف ينحصر في المناظر والصور والمشاهد التي نمر بها خلال عبور هذا الجسر بين البداية والنهاية. وأما الجو العام فهو لا يختلف في حرارته وأمطاره وأنوائه.... ولا شك أن هناك آفاقاً ودوائر أوسع من الدائرة الذاتية للشاعرة قد طرقتها وارتادتها ـ إذا افترضنا أنها هي الشخصية التي تتكلم عن نفسها في هذه النصوص ـ ، وهي بلا شك أوسع أيضاً من دائرة العلاقة بينها وبين الحبيب الذي خان أو غدر؛ فهي توظف شيئاً مما حولها من البيئة، وتلتفت إلى بعض الأسماء المشهورة سواء من البشر، مثل (يونان) أو (سياه)، أو من بعض الأدوات التي تحمل معنىً ثقافياً أو تراثياً واجتماعياً، مثل (دمام وصنج). وبالإضافة إلى ذلك لا يخلو هذا الجسر بين طرفيه (بدايته ونهايته) من وقفات (تأمل، أو استبطان للذات)، كقولها على سبيل المثال: (... جزيرة معزولة مطوقة بوهم من الأنابيب المتشابكة، ونيران لا تنتهي...إلخ)، وقولها: (خلاصتي كاليعسوب الذي يذهب على حروف قلبك ويذهب...). 
ونلاحظ أن الخطاب موجه من الشاعرة إلى هذا الحبيب في معظم المواضع بضمير المخاطب (أنت) أو بكاف الخطاب أو بأفعال الأمر (وهي أيضاً للخطاب) وفاعلها (ضمير المخاطب) مضمر فيها كما هو معلوم: ومن الأمثلة على ذلك قولها: (أصبحت أنت عالم آثار...)، وقولها: (مرّرْ يدك عليها، ستحبل من يدك، ثم ستلد كلمات، ضعها بجانب بعضها البعض... ).
وأحياناً أخرى تستخدم الوصف مع ضمير الغائب (هو) في وصف هذا الحبيب وما يتصل بموضوعها معه، كقولها: (كان متعباً جداً للتفكير أنه أشعل سيجارة .... استلقى على أريكة جلدية، وحاول أن ينسى العالم كله....هوى نائماً). 
وبالإجمال، فإن التجربة الوجودية العنيفة والمؤلمة في هذه النصوص جسدت معاناةً إنسانيةً حية متحركة في آفاق واسعة وعريضة، وهي تمثل جانباً من مأساة الإنسان ومن حقيقة وجوده في هذا العالم وهو جانب ما يُسمّى (القلق الوجودي)، ولكنها من الناحية الأخرى تمثل قدرة الإنسان على أن يتخطى آلامه وأن يتحدى ذاته، وأن يحيل الألم إلى عمل فني سواء بالكلمة أو باللون أو بأي أداة تعبيرية يستطيع إنطاقها لتترجم ما يفكر فيه أو يحس به. وهذه هي روعة الإنسان واستحقاقه أن يكون سيد المخلوقات في هذا الوجود.
وقد نجحت الشاعرة بدون شك في ترجمة مشاعرها على المستوى اللغوي والفني، وإن كانت تقول بأنها تفضل استخدام لغة الإشارة على لغة العبارة، بل ربما كان قولها هذا هو الدليل الأكبر على إخلاصها في ترجمة مشاعرها وصدقها في كل ما عرضته في نصوصها ضمن الصفحات الاثنتين والستين التي شكلت حجم هذا الديوان. تم بحمد الله
الشاعر حسن منصور

cdwew

منتديات المربد للشعر والادب والثقافة والفنون

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 77 مشاهدة
نشرت فى 24 إبريل 2016 بواسطة cdwew

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,612