جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
..... على ان أشد الأصوات رعبا هي صفير الرياح في ليلة شتوية ثلجية .. وقد رأينا ذات صباح كيف أن الرياح تعصف بالثلج وتذروه وتسوقه أمامها تشكله كما تتشكل كثبان الرمل في الصحراء . كنت وأمي وأختي الرضيعة مريم وحدنا في بيتنا ولم يكن في البيت حطب ؛ لقد غادر الوالد كالعادة إلى مهجره مسندا العناية بنا لجدي وأعمامي ؛ فكانت النتيجة الإهمال والتسيب ..
حين همدت العاصفة أخذت أمي شطأها المجدول من شعر العنز؛ وقامت تسعى في أقصى الأرض وسط ركام الثلوج تحاول جلب ما يمكن أن تشعل به النار في الكوخ .
وعادت بعد ساعة تسب وتلعن اليوم الذي جاءت فيه إلى الحياة ؛ مندسة في شالها المبتل ؛ وقد جاءت ببعض عيدان وأشواك لا تسمن ولا تغني من برد ؛ واختلطت في عينيها دموع البرد الصاقع ، بدموع الألم الصاعق ، بدموع حظها العاثر الذي رمى بها إلى هذه الحياة على هذه الحال من النكد والقسوة والضياع ؛ بغياب رب العائلة الدائم..
الحلقة الخامسة j تم بعد التجمع ذبح بعض الجديان؛ وسرعان ما أنضجت العجائز ثريدهن؛ وبعد أن ألقين لقيمات من الشخشوخة للجهات السبع نحو الآفاق حقا ونصيبا للأولياء الصالحين امثال سيدي عبد الرحمن وسيدي العربي وسيدي الجيلاني طلبا للاستسقاء من خلال شفاعتهم وبركاتهم؛ غرضن الثريد المكلل بلحم الجدو على المزرجين المزدردين الذين كانوا يخطفون اللقمات بأيديهم اختطافا من غير ملاعق في جو من الحبور والسعادة ح واظن أن تسمية الزردة جاءت من طريقة اختطاف الطعام والاتهامه وازدراده فهم يزدردون الطعام ازدرادا وابتلاعا من غير مضغ. لذلك يسمى هذ الاحتفال زردة..
ويتفرق الجميع بمجرد الانتهاء من انتهاب المثرد .. لا أتذكر هل كنت تناولت شيئا من هذا القربان .. الشخشوخة ..
فوالدي كان بطيء الحركة متأنيا ولم يكن يدخل السباقات ولم يكن من ذوي الباع الطويل ولا رحب الذراع في الحيلة والنشل ؛ واستبعد ان تكون يده قد وصلت إلى المثرد..
إن ذلك العمق العظيم الذي رأيته يومئذ في الأخدود لم يعد كذلك الآن ؛ وكذلك تلك الأحواض التي كان ماؤها شديد الاخضرار لم يبق منها اليوم غير صورة شاحبة باهتة مع عريشة النخلة التي تيبست سعفاته من اطرافها ولا تحتفظ إلا باخضرار السعفاف الجديدة المنبثقة من قلبها.. وكان الأخدود قد تقلص وكأن الأحواض قد فقدت سعتها ولونها وهو ما يعني أن الإدراك البصري في الطفولة كاد جديدا حادا مختلفا عن المراحل اللاحقة من عمر افنسان.. وهذا المعنى من انكماش الخدود اليوم في نظري هو مصير كل تضاريس الجغرافيا التي تحيط بحينل ؛ فكل الوديان وكل الجبال وكل الوهاد وكل السهول تبدو اليوم لعيني منكمشة منحسرة بالقياس لما كانت عليه من فخامة وعظمة وازدهاء وهي تتجلى لي في أيام الصبا الباكر إن حدة رؤية الألوان تضارع حدة سماع الأصوات ح ؛ ومن الصوات التي رسخت في ذاكرتي صرير صوت حذاء والدي ذي اللون الحمر الذي جاء به من فرنسا.. لقد كان ذات صباح باكر يسوف بي وبأمي البهيمة التي كنا نمتطيها في طريقنا إلى نقاوس حيث أهل والدتي ؛ وفي منطقة تسمى مدرج هضبة التافوة اشتد ذلك الصرير في تناغم غريب .. تلاى لماذا أدركت الصوت الصار الملح بهذا الوضوح الشديد في هذا المقطع من الطرير دون سواه؟.. وظات أصوات تلاميذ المدرسة الكولونيالية في نقاوس تتردد كذلك قي اذني ؛ ونحن نمر بالقرب منها على ظهر بهيمتنا .. لقد كانوا يرددون اسماء الحروف والأعداد بصورة جماعية وراء صوت المعلم وبدا لي ذلك يومئذ شيئا غريبا مدهشا ؛ وكان والدي يستحث البهيمة على السير في خفوت كما لو كان على حياء.. ولم ادرك من مبنى المدرسة سوى سياجها او بابها الخارجي ؛ لا ادري ؛ وكان عبارة عن شباك من خشبات زرقاء متباعدة مدببة من الأعلى وقد اعترضتها ألواح متباعدة افقيا من اتلخلف تشدها بعضها لبعضها في اماكنها المتساوية المسافات فيما بينها..
من الأحداث التي بدأت أدركها تماما ميلاد أختي مريم .. لقد ولدت في الربيع ؛ وكانت القابلة هي ذاتها أم السعد التي سبق لها أن استقبلت صرخة مولدي ؛ وقد انجر عن مولد مريم تدهور صحة والدتي .. جاء لها والدي بأحد المرابطين ليقيم لها حفلة نشرة وتعزيمة يُذبح له فيها ديك أسود وتطفأ فيها النيران لطرد الجن الساكنين من بدن المريضة . وفي المرة الثانية أعلم المرابط عبد الله الوالد بان مسالة هذه الولية ليست مسألة نشرة أو جن وعفاريت بل هي مسألة طبيب واعتذر عن القدوم..
إن المرابط يقتنص ضحاياه من النساء السليمات الأبدان وسرعان ما يتخلى عن النساء المريضات العجفاوات ابدانا ؛
ويصرحون ان تعازيمهم ونشراتهم ورقياتهم لا تصلح لهن .. الرقية والنشرة والتعزيمة تصلح فقط للمرأة التي تريد الإنجاب.. وق
حضرت فيما بعد إخدى الحفلات في صباي الباكر لامرأة جارة تطلب الإنجاب بالرقية ؛ وكيف عبث بها الراقي الدجال حين طردنا نحن الأطفال من حفل الرقية المزعومة وأطفأ الأنوار ليختلي بها .. وظل خيالي يرسم لي كيف مرغ ذلك الراقي الشرير شرف المرأة في ظلمات رقيته وفي حمأة الحرام الصريح.
وذات صباح باكر من الشتاء البارد أخذني والدي لبيت جدي وأوصاه بي خيرا ؛فيما أركب هو الوالدة على البهيمة وساق بها نحو نقاوس ليترك الصبية الرضيعة عند الجدة من الأم هناك ويمضي بالأم في الحافلة نحو مشفى بريكة . مكثت الوالدة في المشفى نحو شهرين عرفت أنا خلالها معنى اليتم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ؛ وقد حاق بي ما حاق من احتقار الصبية الأقران ومن وسخ وقمل وإهمال وجوع وعري ..فلما عادت الأم للبيت عادت الحياة وامحى كل ذلك البؤس ؛ وكانت كثيرا ما تروي لنا حكايات لطيفة عن "الأخت " الممرضة التي كانت تقوم بالسهر عليها وقد اتخذتها صديقة ؛ وانا اليوم مندهش لامرأة ريفية ألفبائية استطاعت أن تعقد صلة مودة وصداقة عميقة مع ممرضة فرنساوية ؛ وأن تظل تذكرها حينا من الدهر تماما كما لو كانت تتحدث عن ملاك من ملائكة الرحمة ؛ وكانت تسبغ عليها كل حين آيات من العطايا والهدايا التي أنستها عزلتها في المستشفى حيث لا من عائد ولا من يلقي عليها إطلالة.. يتبع..
ساحة النقاش