جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
هو ليس نقدا ؛ ولكنه انطباع سريع عن رواية " وداعا أيتها العيون الوردية " لأديبتنا الطموحة حليمة مالكي وأثر في ذاكرتي عنها بعد الانتهاء من قراءتها منذ أسبوع خلا..
جاءت الرواية في مجلد ضخم يتألف من 693 صفحة من نشر مؤسسة فونم للنشر.. لا أخفي أن الرواية تحتاج لمن يود استيعابها وتقري بنياتنها ومرامي الكاتبة الأديبة النبيهة فيها أن يقرأها مرتين .. ولم يتح لي ذلك بسبب ضخامتها التي تتطلب وقتا طويلا لإعادة القراءة وهو الوقت الذي لا أملك للأسف..
الرواية حديث فريد عن عشق فريد متأصل بين الزوجة التي جاء خطاب الرواية على لسانها وبين زوجها.. وعلى المدى المتطاول للصفحات المتلاحقة يتجلى هذا العشق في مختلف تطوراته من عتبات إحدى المتوسطات حين كان يطارد الفتى رامي ـ نبيل ـ قيصر ؛ فتاته أسماء التي تحمل بدورها ثلاثة أسماء مثل مطاردها الذي سيقنعها من خلال مواهبه الفذة بالزواج.. حتى عتبات لحظات الاحتضار المعنوي لقيصر على عتبات المدائن الفاضلة ومنها مدينة النور..
خلال ذلك تمر أمام أعيننا عشرات المشاهد من الصراعات النفسية الجميلة التي تحتدم بين الزوجين العاشقين ؛ وهي صراعات غايتها تأجيج اللهب في جمرات الهيام المستحكم بينهما..وتتسرب الأحداث بين أصابعنا أطيافا أطيافا..وقد اندغمت الأحداث وأناشيد الحب والعشق فلا يكاد ينفصل الحدث عن النشيد ولأن للعشق مظاهر؛ فقد كانت الدانتيلا حاضرة بقوة وفهمت أن الدنتيلا تلوح إلى هذا الجانب المادي من العلاقة الحميمية بين الذكر والأنثى ؛ وارتفع نشيد الدانتيلا في الرواية حتى ليوشك القارئ مثلي أن يتساءل لمَ لم تكن الرواية حاملة للدنتيلا عنوانا وقد احتفلت الكاتبة بها كل هذا الاحتفال المشروع في الغرفة الوردية التي هي غرفة النوم الزوجية.. ولكن العشق غيرة أيضا .. فكان للغيرة في الرواية ألف وجه ووجه بدءا من تلك المرأة الأجنبية التي تدير "مؤسسة " لبيع الأجساد.. إلى ابنة عم الزوج التي حاولت بعث علاقتها مع ابن عمها في عرين الزوجية وقد خابت في الزواج من ابن عمها رغم كل التحصينات والفخاخ التي أقامها والدها لهذا الغرض.. وتفعل الغيرة فعلتها في البطلة إلى درجة إقدامها على الانتحار ، و حينئذ تنشأ بؤرة لغيرة مضادة من الزوج تجاه الطبيب المعالج للزوجة جراء محاولة الانتحار.. وإلى جانب الدانتيلا بتخريماتها المغرية ولونها الوردي والغيرة ومطباتها كان العمل والنضال..إن نبيل محرر لصفحة "الوسيط" في صحيفة عريقة ؛ وهو يتلقى الشكوى من المواطنين فلا يكف عن نشرها فحسب بل يسعى لحل الإشكالات المطروحة في الشكاوى كما لو كان وسيطا جمهوريا .. ويلقى في ذلك عنتا ونصبا ؛ فيما تتخلى أسماء عن وظيفتها لتزيل مستوى الغيرة المتأججة في صدر زوجها في البنك لتتفرغ للكتابة.. وتأتي الأسفار وتأتي جولات السياحة.. ويأتي الدخول إلى مدينة النور وياتي حديث السياسة المتشعب الغامض المشحون بهواجس الأمن حيث يتعرض قيصر الذي هو نبيل الذي هو رامي للاغيال.. وقد صارت له مكانة مرموقة .. وبين الحياة والموت وبين الاحتضار والانبعاث تنسج الأديبة آراءها ومواقفها في الحياة السياسية وتدور الأحاديث من حيث بدأت..
الرواية زمكانيا غير محددة المعالم.. فالمتوسطة التي يجري فيها أول حدث عشقي لا نعلم في أي مدينة تقع ؛وكذلك بيت الزوجية ؛إنما يأتي حديث عن قسنطينة كذاكرة لا كحدث يقع أمام عيني القارئ ؛ وتأتي جولة سياحية إلى مدينة جميلة الأثرية بذات البعد .. وكذا سفرة شهر العسل إلى باريس..
وتفرض علينا تلك السفرة أن نستحضر في أذهاننا بعض التشابه مع رواية ذاكرة الجسد لمستغانمي من خلال وصف بعض الأعمال التشكيلية رغم اختلاف طبيعة تلك الأعمال ؛ وهو الأمر نفسه في صدد الحديث عن قسنطينة وتقاليدها في الأفراح والأعراس..وأزعم أن ظلال أحلام مستغانمي كانت ترف من جو حالق بعيد على مجمل " وداعا أيتها العيون الوردية ". فقد أسست مستغانمي للرواية العربية النسوية لغة جديدة.. هي هذه الخطابات الشعرية المتطاولة التي تدسها دسا في صلب نص يفترض فيه أن يكون سرديا ..واتخذت الأديبة منحى كتابات مستغانمي نسقا واتجاها..وأرى أن لكل أديبة أن تبحث لنفسها عن نسق خاص بها لا يحيل إلى أي نسق آخر..
وما قلناه عن المكان نقوله عن الزمن..فليس هناك زمن يؤطر الأحداث ماعدا بعض الإشارات الخافتة التي نستشف منها أن الأحداث جرت من وقت قريب جدا من أيامنا هذه..
ولذلك كله أقول موجزا إن الأديبة حليمة مالكي في روايتها "وداعا أيتها العيون الوردية " كانت شاعرة أكثر منها ساردة تلقى خطابات كثيرة قبل أن تجرنا لحدث من الأحداث تماما كما كانت تفعل أحلام مستغانم.. وتعجبني عبارة قالها أحد الشخوص في رواية أصابع لوليتا لواسيني لعرج ناصحا لبطل الرواية الذي قد يكون هو الكاتب عينه: قلل من الإنشائية ؛ فهي على الرغم من مظهرها الجميل ... خادعة. إذهب نحو القصة وبشكل مباشر وسترى بنفسك التحول والقوة واتضاح الرؤية..."
أعلم أن الرواية في غناها تحمل الكثير ؛لكن هذا ما انطبع في ذهني مما أردت أن أقوله عنها من غير مجاملة ولا تحامل..وسيقول الدارسون الجادون عنها الكثير الكثير مما خفي عن قراءتي السريعة المتواضعة..أتمنى للأديبة أن تكون روايتها هذه لبنة في هرم أدبي شامخ شرعت في بنائه.. وهي قادرة من خلال هذه التجربة أن ترقى إلى أرفع مكانة في كتابة الرواية الجزائرية الرصينة البعيدة عن تلك الكتابات العدمية التي تغطي أسماء كاتبيها الساحة اٌلإبداعية في وسائط الإعلام في الجزائر من غير حق
..أبو العباس برحايل
يوم 14/9/2014
ـ ملاحظة خارج السياق: الأديبة تمتلك خزانا عظيما من اللغة وهو ما يسمح لها بالتعبير عما تشاء من أحداث ومواقف.. ولكن الكتاب يعج بأخطاء اللغة وسواء تعلق الأمر بالأخطاء المطبعية أو بعوامل أخرى ؛أناشدها أن تخصص مدققا لغويا يعينها على تصحيح تلك الأخطاء في الطبعات القادمة..
ساحة النقاش