جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الحلقة 12
... وفيما بعد ؛ وحين صرت أنا الأطول في التلاميذ بالجامع واكون على راس الصف حاملا العلم ؛ وهو شرف عظيم كنا نتسابق عليه؛ كان يؤرقني الاتجاه حين يقول المدرب ؛ يمين در. او شمال در .. إذ لم أربط العلاقة بذراعي ؛ بل ربطتها بالجهات ونحن واقفون في اتجاه معين .. فكنت أفلح في الدوران إذا كنا مستقبلين الجنوب ؛ وأرتبك في بقية الاتجاهات . لكن ما ألهب حقدي هو أن أحدهم بمجرد أن يتراخى المدرب ؛ الذي هو الطالب أو يغيب من هوأكبر مني سنا ؛ ويجد الصف نفسه وحيدا ؛ يسارع شانئي المصطف خلفي للنتوء والبروز من الصف نفسه لينصب نفسه علينا مدربا قائدا ويردد العبارات القيادية الآمرة من مثل صياحه: خطوااااه... تنظيم... اعتدااااال.. ... قف... إلى الأمام سير . حيث يتعين علينا عندما يقول " أربع" أن نركل الأرض بقوة أشد بأقدامنا اليمنى.. كان ذلك المدرب الفضولي أقل مني عمرا بأشهر وأقصر مني قامة .. ولكن كانت له بنية قوية ؛ ومع أننا لم نتصارع ليتحدد من منا الأقوى لتتحدد الزعامة ؛ ولمن تؤول؛ فقد كانت تلك المصارعات تجري دوما حتى بين الكبار الراشدين ..
ومرة شك سيدنا الطالب في هذه الفتوة بيني وبين أحد اندادي ؛ فأشار علينا بطرف عصاه أن ننهض وطلب منا أن نتعافر أي نتصارع في أربعة أشواط في قلب حجرة الجامع.. ولم تكن الغلبة لأحد .. كان يصرعني مرة واصرعه مرة .إلا انه لم تجر بيني وبين هذا الند الجديد الوقح مقابلة الفتوة لا بمبادرتنا اثناء اللهو واللعب كما يحدث عادة ولا بأمر الطالب .. ولذلك ظللت في خلدي أهابه سرا ولا أستجيب لاستفزازاته التي تطلب ضمنيا إجراء هذه المبارزة الرمزية ؛ وفضلت أن يبقى الغموض أفضل من أن تضيع مني الزعامة كليا بطريقة شرعية إذا جرت المبارزة وغلبني. وحين يلومني صحبي قائلين لماذا تترك له القيادة وانت الأكبر والأطول والأكثر تقدما في الحفظ ؛ ازعم لهم وأعزي نفسي في الحقيقة بأن رفع الراية أغلى وأثمن وأرفع ولا يمكن ترك الراية ليحملها مرفوعة ويسير بها على رأس الصف ابن من ذبحته الثورة.. وهو تبرير لست مقتنعا به انا ذاتي في دخيلتي لأن بيت أهله صار مركزا من مراكز الثورة في المشتى يؤمه المسؤولون ؛ ولذلك عاد الاعتبار إلى بيتهم ولم يعد ذلك الذبح مسبة ولا عارا ؛ وقد صارت المنحة المالية التي تقدمها السلطة الاستعمارية لتلك العائلة نظير ذبح اثنين من أفرادها مجندة في خدمة الثورة بتحويل بيتهم الشتوي إلى مسكن دائم وقد رحلوا إليه من فج غنية وصار شبه مركز يتردد عليه مسؤولو الثورة . والفعل الحادث الجديد يجب ما قبله وينسخه..
ويبدو أيضا أن نظام الثورة فرض على سيدنا إدخال تمارين الرياضة البدنية في مهام التعليم ؛ فجاء ذات مساء ممون المشتى الوحيد المرخص له من قبل سلطة الثورة بالتسوق إلى نقاوس بشيء لا عهد لنا به ؛ كرة منفوخة من هذه الكرات الرخيصة المصنوعة من لدائن صفراء وحيث إنه لا عهد لنا في الريف لا بمشاهدة كيف تلعب هذه الكرة ولا بممارسة اللعب بها .فقد كان رفاقنا او بعض منهم يخرجون إلى البطحاء الواسعة التي تفصل الجامع عن بعض السكنات المجاورة ؛ ويشرعون في رفسها بأقدامهم بين الحجارة الناتئة هنا وهناك والركض معها أو النط وراءها فيما الغبار يتطاير بين أقدامهم لغير غاية او هدف . ولم يكن لي ميل للجري وراء الكرة .. وكان لي قبل ذلك في طفولتي الباكرة كويرة جاء بها والدي من مهجره ولأنها كانت من صلب المطاط المصمت ؛ وحيث إني لم أكن ادري ما يفعل بها ؛ فقد كنت أرمي بها في قوة إلى الأرض فتقفز إلى أعلى حتى تلامس سقف البيت وتأخذ في النط هنا وهناك في أرجاء البيت؛ فقد تسقط على رف المواعين الطينية فتنجو تلك المواعين من السقوط ومن الانكسار بأعجوبة وقد تسقط على دلو الماء وقد تسقط على رأس أحدهم .. وكل ذلك يدفع إلى المرح من جهة وإلى سخط الأم الخائفة على ماعونها وهذا كل شيء.
على كل ؛ لم يدم الحال بتلك الكرة الصفراء في الجامع حتى اختفت . ومع استقدام الكرة عرفنا ايضا شيئا اسمه السبورة مع اصابع الطباشير التي كنا نسميها الدباشير ؛ والتي لم نعرف لا نحن ولا الطالب ما هو الغرض منهما ولذلك ظلت السبورة مهملة هناك في أحد أركان الغرفة وقد امتلت بخرشات لا معنى لها حتى كانت مداهمة من مداهمات العسكر فأتلفها..
ساحة النقاش