الحلقة 11

في هذا الصيف راينا أيضا امرأة في الخمسينيات من غير عجار  ولا نقاب  بل في لباسها اليومي  العادي في حر القيلولة

وهي  تخبط  بقدمها الحافية قصب  الحقول المحصودة  صائحة  صارخة  بأعلى صوتها  تعدد مقتل  أبيها واخيها ؛

وهي ترمي  الخطى مهرولة  لتقطع مسافة  تزيد عن عشر كيلوميترات  بغاباتها  وباحراش الجبل  المرعبة  كي تلحق  ببيت  والدها  الذي قتل  البارحة ليلا  ذبحا في فج  غنية البعيد.  لقد كان والدها  الدايرة  لدى قايد العرش  هواول ضحية  من ضحايا الثورة  ؛ ذبحته الثورة مع ابنه  الذي خلف وراءه أرملة وأربعة صبية .. لقد جاءته فرقة من المجاهدين وطلبوا منه  أن يهيئ  للفرقة عشاء  ومبيتا ؛ فجادلهم  في عنف  وهو يظن انه مازال في منصب دايرة  وتطور  الجدال  إلى درجة  ركب فيها  ابنه  إلى ثكنة الجندرمة في عين ازال  ليشي بهم  ويستقدملهم  عسر فرنسا .. ورغم أن خروج العسكر لم يسفر عن شيء  لأن فرقة المجاهدين  غادرت  ولكنهم  أقاموا  له ولابنه  محاكمة  ثورية  وحكم  عليه  هو  وابنه بالإعدام.   الغريب أن  الحكم  سمع به الجميع  ولم ينفذ  في الحين  حتى جاءت ساعة الصفر  التي نفذ فيها  ذلك الحكم تحت  جناح ظلام الليل.. تحاشى  الرجلان  المبيت في بيتهما  أياما  ثم  عادا  مستسلمين ؛ وقد تبين لهما  ان الفرار لايفيد  او ربما ظنا   منهما  ان المسألة  مزحة وقد انتهت!.. لقد زلزلت  حادثة  ذبح الرجلين النفوس  وأحدثت دويا  عظيما في الدوار  ؛ وانتهى  إلى الأبد  حكم الدايرة  والشنبيط  والقايد  وحل محله حكم جديد هو حكم الثورة

في هذه السنة 1955 تم تنصيب  هياكل الثورة  التنظيمية في دوارنا .. وشرع  الأفراد يتجندون  في صفوف الثورة  ؛ ودفع والدي  مسدسه  لمسؤولي المشتى في الدوار  وصرنا لا نتنفس إلابالثورة 


ومن أوامر الثورة التي تم تنفيذها  بحزم ودون  جدال التخلص من الكلاب ؛  وقد كان لدينا كلب رائع سماه والدي  فريز باسم  رب العمل الذي كان يشتغل عنده في فرنسا  ولدى عمي  كلب يسمى سحابا  ولدى جدي كلب يسمى شرماط ,, وكلاب أخرى في الحي  ؛ سيقت هذه الكلاب  المحكوم عليها بالإعدام  ما عدا أنها  في الليل  تنبح لكل حركة  وكل طارئ ؛ والعمل الثوري  الذي يقتضي  السرية  لا يسمح  بنباح مما يدل  على دخول المجاهدين  للحي  ؛ صدر الحكم وسيقت الكلاب  في قطيع مقرونة في حبال  طويلة  في مهرجان من النباح  الصاخب وكأن الكلاب فهمت  المصير الدامي الذي ينتظرها إلى جرف عال قرب  عين جافة  تسمى  عين التين الذكري .. سميت على  شجرة تين صغيرة تتوسط الجرف . وهناك تم إلقاؤها من أعلى الجرف  إلى الوهدة  التي كانت صخورها  في قعرها العميق  في الانتظار  لتنفجر هناك دماؤها وتتمزق  جلودها على بطونها  وتتقطع أشلاؤها  وتتهشم  خياشيمها وتتطاير امخاخها .. كانت مذبحة على كل حال .. فقد عشنا  نحن الأطفال  مأساة  لفراقنا لكلابنا المأنوسة المحبوبة.

 على مستوى  الجامع وذات مساء  في إثر  صلاة  العصر  وهو الوقت  الذي  نعلق  فيه اللواح  على وتد بارز  مثبت في الجدار بجوار كوة  نضع فيها  دوياتنا وأقلامنا القصبية  ونقوم  لصلاة العصر  على الصفات  العريض المستوي  بالأرض  في باحة  الجامع  مع المصلين  من  الحي ..

ننتظم  في حلقة  ونشرع في التلاوة الجماعية  تكرارا  لدعم ماحفظناه  من قبل على  الألواح  حفظا فرديا ..

في هذا المساء  بمجرد   الانتهاء من الصلاة  حضر  مراقب التعليم  التابع  لنظام الثورة  وأخرجنا إلى بطحاء  بظاهر الجامع   مع اولئك المصلين الكبار  الذين  لم ينصرفوا  بعد إلى بيوتهم  او ألى قضاء مصالحهم . وانتظمنا واقفين  كبارا وصغارا  في حلقة كبيرة جدا  ونشر الرجل  الضابط؛  مراقب التعليم  الراية الوطنية  بلونيها البيض والأخضر يتوسطهما  النجم والهلال  الأحمران ؛ ولم  نكن  رأينا  الراية                     قبل ذلك المساء . طلب الضابط من الجميع  أن يستعدوا  وأن ينزعوا عمائمهم  وطرابيشهم

ـ وكنت أنا أضع  طربوشا احمر  تونسيا على رأسي  ليس له شرابية ـ

 وامرنا  أن نضع ايدينا  على أصداغنا  تحية للراية  بما في ذلك  والد اول ملتحق  بالثورة  من حينا الشيخ سي ساعد ؛ والده الذي يبلغ  من الكبر عتيا  فوقف المسكين  في صف الدائرة منحنيا  وقد نزع عمامته  فبدا أصلع الرأس               تحوطه بعض  الشعيرات  المشتعلة شيبا أبيض. وشرع  الضابط  يلقننا  اناشيد  وطنية  مثل :  علمي علمي .. يا علم اشرقي  واخفقي. ومثل : من جبالنا  طلع صوت الأحرار ... وكانت  تلك الأناشيد  قد وصلت  إلى جامعنا  قبل وصول الضابط  ؛ من خلال  بعض القدادشة  الذين  كانوا يدرسون  في جهات اخرى  ومر عليهم المراقب  قبلنا ؛ ثم  استلم  منه  الراية أحد  كبار القدادشة  وشرعنا نتدرب  في حركات عسكرية  فرحنا  لها غاية الفرح ..  وقد تم تصفيفنا  في صفين متوازيين  وشرعنا في السير العسكري  بخطوات منتظمة  أو بالأصح ينبغي أن تكون منتظمة  تحت أيقاع : أحد اثنين ,, احد اثنين..ثلاث أربع.. أحد اثنين.. احد اثنين..  ولم نفلح في إيقاع موحد للخطو ,, وكل كان يخبط  خطوه  خبط عشواء  في ارتباك شديد .

ومنذ نلك الأمسية  الفارقة  تغير  التنظيم في الجامع  وصار الإنشاد  والسير بالراية  فيما نسميه تدريبا  هو ديدننا كل مساء

وقد نسينا تماما  عادة التلاوة الجماعية  لسور القرآن  عقب صلاة العصر  وكنا سعداء بهذا التغيير غاية السعادة .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 234 مشاهدة
نشرت فى 4 يونيو 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,942