الحلقة 10

 وبعد أيام فقط ؛ ونحن في الجامع  باغتنا العسكر  فلم نستطع الهرب ؛ لكن أحدنا  تجرأ  وخرج مطلقا  ساقيه للريح  مسرعا  كالريشة  فأطلقوا عليه زخة ماطرة  من نيران رشاشاتهم  دون ان يصيبوه  وتلك اول مرة  نسمع فيها عن قرب  لعلعة الرصاص  ودويه الذي يصمي الآذان . ولم يكن سيدنا حاضرا  حين اقتحموا علينا  الجامع .. نظروا في ألواحنا  وقدموا للكبار منا جريدة بالعربية  وطلبوا منهم  قراءتها ؛  ولم نكن يومئذ نفهم شيئا   ولم نكن نعرف وظيفة  للجرائد  ما عدا أنها  لقرطسة  السلع  ولفها فيها .. ويبدو  أنهم فهموا  أن هؤلاء التلاميذ الريفيين  لا علاقة لهم بالسياسة  فانصرفوا عنا من غير تعليق

 وتتالت الحملات  التمشيطية بعد ذلك  تترى ؛ ومع أن الحملة  لم تسفر عن شيء ؛ لكن سيدنا  الذي كان من الحامة  بجبل بوطالب ؛ رأى  أن يتوقف عن  تعليمنا ؛ وأن يرحل  عنا إلى أهله  وبلده هناك ؛ وقد رأى رأي العين  مظاهر الحرب القادمة ؛ فمن الحصافة  والنظر   السديد  العودة إلى بيته  وقد أزفت ساعة البلاء.. واضطر اهلنا ان يبحثوا  لنا عن طالب جديد  ؛ ولم يكن غير عمي احمد  الذي  عاد حديثا من  المغترب  وما زال بعد منتشيا  بزيجته  التي  لم يمض عليها  غير أسابيع.. ولكنه لم يبد  اجتهادا  كافيا  في عمله  حتى  يرضى عنه  الأولياء ؛ فأقصي  بعد فترة  وجيزة  او تخلى  هو بإرادته  عن الجامع وهو السبب الراجح؛ فقد كان مضرب المثل في الكسل  واللامبالاة  وعدم  تحمل المسؤولية ؛ ويكفي انه  عاد  من المغترب  خاوي الوفاض وقد مكث هناك  شهورا  لم يستطع خلالها  ان يحوز منصب عمل  قار ؛ فسئم منه عمي حمو  وأرسله  عائدا إلى أرض الوطن  بمهر عروسه ؛ وتم  في الجامع تعويضه  بسيدنا  الذي  يترسم  في المنصب إلى غاية الاستقلال..

وفي هذه الفترة انتقلنا  كما ذكرت قبل إلى بيتنا الجديد  الذي  تم بناؤه  وهو يتألف من  غرفتين كبيرتين  وحوش   واسع  لكن المطبخ  لم يبنه البناءان الماهران  بل  لفقه والي تلفيقا  بطريقة بدائية  برص الحجارة  بعضها  ببعض من غير  طين  ولا ميزان  خيط الشاقول  فجاءت جدرانه  معوجة  ولم يكن منسجما  في شكله  مع بقية البناء.

في هذه الأثناء شاهدنا أيضا إنزالا جويا ؛ في منطفة  خالية من منخفض  سهل السعيدة  الذي يفصل  مشتانا  عن نقاوس ..  وكان بالنسبة  لنا نحن الأطفال  وربما حتى الكبار  شيئا  رائعا  خارقا للعادة  ما دام  لا يؤذينا . راينا طائرات  عملاقة  وهي تلقي  من علو منخفض  أجساما  سوداء  في تتابع ؛ قال الكبار إنها للمظليين  ولا ادري  كيف علموا ذلك  ؛ وهم سرعان ما يفتحون مظلاتهم  فتهوى بهم  في توأدة ومهل  ولا  يسقطون سقوطا ؛ ولكننا لم نكن  نراهم  حين يلامسون اديم الأض. لقد  كان جرف  منطقة  القص المرتفع  يحجب عنا  الرؤية .. ثم كانت عملية  تمشيط اخرى  وجرت هذه المرة  وسط شائعات  مرعبة  تزعم  بأن  العسكر يقتلون  لأطفال  الذين يصادفونهم  أصبنا  نحن الأطفال  بهلع قاتل جراء هذه الإشاعة  المرعبة . وكنا  وطننا وعودنا أنفسنا  على أننا  ميتون  لا محالة  فنحسب للعساكر خطواتهم  في ذعر حقيقي  وهم يزحفون  حثيثا  يقتربون من بيوتنا  متمنين ألا  يصلوا  أبدا؛ أو يحدث شيء يصرفهم عنا .. كانوا يمشون  مشتتين متباعدين  بعضهم عن بعض  على رقعة واشعة  من الحقول المحصودة حديثا .. وأذ وصلوا  وتحدثوا غلى الكبار  في هدوء أدهشنا .ز لقد كانوا مسالمين تماما  وقال الكبار  بأن الأغلبية العظمى  من هؤلاء العساكر مراكشيون .. العجب  وهم يأخذون اماكنهم  نحت جدران البيوت  طلبا للظلال  والاستراحة  دعوا بعضا منا  نحن الصبيان  وكنت احدهم  واحتضنونا  وأعطوتا  بعضا من زادهم  المتمثل  في قطع  مربعة  من القاطو  غليظ سميك وكان له طعم  مالح  وغريب ؛ ومع ذلك تناولناه  بالقضم  والهضم  ويبدو  أنهم طمأنوا الكبار  وهم  يتحدثون إليهم بود وسكينة إلى درجة  رأينا الحبور  على وجوه  هؤلاء الكبار  الذين راحوا في حماسة  يطلبون من ربات البيوت  ان يعددن  قهوة الضيافة  لهؤلاء العساكر  الذين كنا ظنناهم  وحوشا وقتلة   وقد جاؤوا خصيصا  ليقتلونا نحن الأطفال .. هل كانوا من مؤيدي  ثورة التحرير رغم أنهم  كانوا مجندين في اللفيف  الأجنبي  من عسكر فرنسا؟  بالتأكيد هذا هو سبب هذه الحفاوة  المفاجئة من الكبار  والوداعة  من هؤلاء العساكر  المراكشيين  العرب  الذين غابت رحمة امثالهم  بعد ذلك فيما سيأتي  من اهوال المداهمات  والتمشيط 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 20 مشاهدة
نشرت فى 2 يونيو 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,945