الحلقة 9

هذه الفترة من ربيع 1955  بدأنا  نلامس ثورة التحرير فعلا.قبل ذلك كنا نتوجس جملة من الإرهاصات الغامضة . كنا  نسمع  الحديث السياسي  الذي يجري بين الكبار  ولم نكن نفهم   مع ان حديث الكبار  في ذاته في هذه الأرياف النائية  عن مصادر الأخبار  حديث مبتسر  لا يعني الكثير ؛ إذ لا مصدر  للمعلومات الجديدة  غير التسوق  حيث نقصد سوق نقاوس يوم الخميس  او سوق رأس العيون  يوم الأربعاء.

كان الكبار يتحاكون  عن حرب الهند الصينية  ويذكرون ال


الألمان  ويذكرون الروس  الذين يصورونهم  كانهم جبابرة  لا يمكن  ان يفهروا ؛ ويتحدثون بغموض  عن اللص  أو المتمرد ابن زلماط  الذي يتنقل  من جبل إلى جبل كالصقر .. وهناك  حديث الخوف  من الحرب؛ وهذا هو الهاجس  الأكبر السائد . الخوف. وكان قد ذكر أحدهم  وهو أخو زوج عمتي  أنه رأى  في منامه  أن ما يحدث في فاس ومكناس  من بلاد المراكش  قد يحدث عندنا  والخير هو  الهرب  والنجاة بالنفس ؛ وهو يروي حلمه الفظيع لمستمعيه في صيغة  سجع الكهان  كما يفعل  الشاعر الشعبي  المحلي  الاخضر بن شطوح  الذي  يرى  أهل الدوار  أن  أقواله تنبؤات  تتحقق دوما ؛ وقد تنبأ بعد  بأن شيئا  ما سيحدث  ومن يهرب إلى بلعطير ؛ رأسه ُثم يطير !.

وبالفعل ؛ غادر  الدوار  مهاجرا إلى فرنسا .. ويتحدثون  بغموض وخفوت  عن ظهور المجاهدين... أما نحن الصغار  فقد صرنا نخيف  بعضنا بعضا  بالمجاهدين بدل العفاريت  إذا سب  أحدنا الدين  او قال مهجورا من  الكلام .  وسكن في وعينا  أن المجاهدين  لا يخفى عليهم شيء  ويطلعون على الغيب  وعلى الضمائر.. وهم موجودون  خفية في كل مكان وحتى تحت الحجارة!..  فإذا قلبت حجرا  ربما خرج عليك  ونتأ من منقلبه  مجاهد مثل عفريت  يأخذ بيدك  على جريرتك !. فكنا نخاف  أن ينتأ  من تحت الحجارة مجاهدون  حقيقة لا مجازا. وكففنا  عن التلفظ  بمهجور الكلام  وسب الدين..

وذات يوم  صباحا  خرجت علينا من نقاوس فرقة من الجندرمة  على جياد  مطهمة.. وكنا في الجامع وقفوا طويلا في مفترق  طريق ريفية  وكنا نشرئب  بأعناقنا نتفرج عليهم من كوة  الجامع او من بابه المشرع ؛ ثم واصلوا  طريقهم  نحو  الدشرة  عند أقدام الجبل .. ولكننا  لن نرقبهم كيف عادوا إلى نقاوس .. إنما حين انصرفوا  من مفترق الطرق  ذهب بعض التلاميذ  إلى الموقع  وعادوا بأعقاب  السجائر التي  رماها اولئك الجندرمة  وكانت اعفابا طويلة بما فيه الكفاية ح وهو امر مدهش  إذ كيف  ترمى اللفافات  ولم يأخذوا منها غير نفس او نفسين!  ليعيد الكبار من التلاميذ إشعالها  وتدخينها في نهم  وفضول وافتخار..

إنما ذات صباح  من ذلك الربيع  ؛ وكنا لا نذهب إلى الجامع يوم الخميس  كله وصبيحة  الجمعة ـ وتلك هي الراحة الأسبوعية  ؛ وكان مفروضا على كل تلميذ منا  عشية  يوم العطلة الأسبوعية  دفعي بيضتي  دجاج للمعلم ـ  بوغتنا بالعسكر يقتحم  علينا  الحي  وكان أغلب  الرجال تسوقوا  أو ذهبوا  في شأنهم اليومي ؛ لذلك  حين وصلوا إلى حينا  لم يجدوا غير  النساء  والأطفال  وسيدنا المعلم  الذي  كان يؤم  من حين لآخر  بيت ابنته  التي هي زوجة عمي  والتي اشتكتني لأبي  وكان شيخا في الستينات.  اجتمعت النساء  ومعهن صبيتهن في بيت جدي  في حال من الترقب  المذعور ؛ ورفضت امي  الالتحاق بهن في إصرار عنيد رغم المساعي والوساطات لأنها  كانت تخاصمت مع زوجة جدي  وظلت بينهما حزازات  مريرة قائمة. فلم اكن ادري  ما اصنع بنفسي وقررت أخيرا أن ألتحق  بجمهور النساء والأطفال  في بيت جدي  متخليا عن امي العنيدة ؛ وفيما تحصنت  هي داخل البيت وأغلقت  على نفسها  الباب بلوحة الرتاج  وبالمفتاح . وقبل  أن يصل العساكر  كان هناك في بيتنا  مسدس وفي بيت جدي  بندقية صيد ؛ فتم إخفاء المسدس  بدسه في الرماد بكومة الزبالة ؛ اما  البندقية  فقد اخفيت  تحت سجادة  من حلفا كانت  معلقة على وتد  ناشب في جدار غرفة الكونتوار  وكان الخوف كل الخوف من قبل الجميع ان  يكتشف العسكر  ذلك السلاح  غير المرخص.. اقتحم  علينا ثلاثة انفار  من العساكر البيت ؛ وطلبوا منا بالإشارة  أن نخرج لظاهر البيت ..

كانوا روامة فرنسيين  لا يتكلمون  العربية  حمر الوجوه خضر الأعين ؛ فرأينا عسكريا  أسود البشرة  سوادا براقا  يذهب  إلى " الحانوت" ويشرع  في طرق الباب  على امي بمؤخر  بندقيته

وقد كانت  هي في حال من هيستيريا الصراخ المفزع.

وحين صمم  على تحطيم  الباب عليها  اضطرت أن تفتح.. فألقى  نظرة  عامة  وحرك بعض المتاع

 ثم غادر في  صمت  ليفتش من جديد  اللغرف الداخلية في صحن جدي  ومنها غرفة الكونتوار

ولم ينتبه إلى الحصيرة  التي  كانت معلقة  على الجدار تخفي  تحتها البندقية

.. أو لعله رآها  وغض النظر متواطئا فلم يشأ أن يثير  الأمر ؛ فهو سينغالي  مسلم  وليس روميا فرنسيا..

وانصرف العساكر  من الحي  مواصلين زحفهم  نحو الأحياء  الأخرى لتمشيطها  كانت قوتهم الكبيرة هناك في طريق البايلك  في الضفة المقابلة  من الوادي الصغير  يسوقون امامهم  المتسوقين  إلى نقاوس  كالقطيع  وقد صدوهم عن إكمال طريقهم  ألى السوق دون سبب  ما عدا  التعسف..

ولكن الحملة  مرت بسلام  ولم يعتقل أحد  أو يعذب .

. وبدا ان الرعب الذي سكن القلوب والعسكر يزحف نحونا  بوجههم الحمراء والسوداء  والبرادع التي يحملونها على ظهورهم

رعب لم يكن في محله..  

كانت هذه العسكرية اول عملية تمشيط  في جهتنا وكان  أغلب العساكر فيها  سودا من السينغال  فسميت السنة بعام  الساليقان..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 247 مشاهدة
نشرت فى 29 مايو 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,944