جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الحلقة6
أثناء غياب والدتي كانت إحدى الفتيات من الأقارب قد سخرت تسخيرا لتطبخ لنا ؛ وغالبا كنت ألازمها ملتصقا بجانبها
في النوالة ( المطبخ) حيث تقوم بالطبخ ؛ اقوم بمساعدتها في تأجيج النار بوضع الحطيبات الجافة تحت التنور المركب فوق مناصب من حجر "الأثاقي"
كانت الفتاة رائعة الجمال ويزيدها الصهد والعرق الذي يتشكل قطرات على جبينها وجيدها ألقا ونعومة
كما لو كانت وردة يانعة تكسوها حبيبات من ندى×
فكان ذلك يبهرني ؛ وأجدني بطريقة فطرية ولا شعورية أتحرك وآتيها من خلفها وأطوقها بذراعي الصغيرتين واضعا خدي على خدها المورد ؛ وربما تقبيلها ولثمتها من خدها الوردي الأخاذ؛ لا أذكر بدقة؛ وهذا كل شيء؛ تعبيرا عن ذلك الإحساس الفطري المبهم من الافتتان بالجمال الذي يسطع منها سطوع النجوم .. ولكن الفتاة الشقية تفهم ذلك التصرف البريء بطريقتها الخاصة
البعيدة تماما عن اهتمام الطفل وتظنه مراودة إيروسية ؛
ولذلك تفاجئه في الغد حين أكملت طبخها ؛ وها هي تغلق باب الغرفة وتنبطح أرضا وترفع لبسها إلى صدرها بطريقة رعناء همجية ؛ وتدعو المراهقة المتلهفة؛ الطفل الذي لا يتجاوز عمره أربع سنوات إلا بالكاد في موقف يشبه موقف امرأة العزيز مع يوسف : أن هيت لك..
ويجيبها الطفل ببراءة تامة مندهشا مبهوتا من هول المباغتة : إنه لا يعرف..
لا يذكر بالضبط طريقة العقاب القاسي الذي سلطتها عليه جراء الرفض بعد ذلك ؛ ولكنه عوقب من مراهقة كانت في طور مراهقتها الباكرة ؛ وكانت ربما تريد أن تختبر أعضاءها استعدادا ليوم زفافها الذي كان يوما قريبا ؛ فأخطأت الاختيار؛ وعاقبت صبيا فيما لا ذنب له ولا معرفة له بسببه.
بعد هذه الفتترة من عودة الأم من المشفى معافاة ؛ امسيت أدرك الأحداث تماما ؛ وسرعان ما حمل والدي حقيبته للعودة إلى مهجره لنواجه نحن حياة الضنك والخوف من جديد .
كانت والدتي تروي لي قبل النوم حكايات لا تكاد تنتهي عن الأغوال والتهامهم للناس ؛ ولذلك كلما أفلت الشمس ؛وجاء غبش المغرب اشتد خوفي المبهم من هذه المخلوقات التي لا تبقي ولا تذر ؛ وكان النوم وحدنا في بينتا يعني اننا معرضون للافتراس..
لقد كان جدي هو الذي يأتي لمؤانستنا ؛ لكنه من حين لآخر كان يخلف وعده فنموت ونحيا من شدة الخوف والرعب عند كل نبأة نسمعها أو صوت لحركة خارج البيت الموصد بإحكام وهذا الخوف بل الرعب غبر متأت من مزاعم امي عن الأغوال فحسب ؛ بل هناك أيضا حديث مستتر عن كثرة أعمال السطو وقطاع الطرق ؛ وحديث عن شخصية غامضة مثيرة للرعب في كل مكان
شبيهة بالشخصيات الخرافية هي شخصية بن زلماط رئيس عصابة تمارس السطو وقطع الطرق والسطو على البيوت في الليل ونحو ذلك .. فالخوف إذن مضاعف بين أشباح الأغوال وأشباح الخونة من اللصوص أو عصاباتهم المستعصية عن كل قوة أو قانون.. ويبدو أن تلك العصابات التي أشيع عنها أنها عصابات لقطاع الطرق ؛ هي في الواقع جماعات صغيرة من طلائع ثورة التحرير الوطني صعدت إلى الجبال ولم تنتظر اليوم الموعود؛ والحديث عنها بتلك الطريقة المخزية من دعايات الاستعمار وأعوانه
في هذه الفترة التحقت بالجامع؛ وهو المؤسسة الوحيدة التي يتاح فيها التعليم في هذا الريف المعزول .. وإن توافرت مدرسة كولونيالية في أعلى دشرة وادي القصبات في فج عميق على بعد سبع كيلومترات ؛ فلم يلتحق بها احد من أبناء هذا الحي المعزول .
ونكتفي برؤية المعلم فيها على دراجته يعبر طريق البايلك ذاهبا صاعدا إلى المدرسة صباحا او عائدا نازلا منها نحو نقاوس مساء.
وكنا نحن الصبية نتداعى لمشاهدة الدراجة ؛ رغم أن الطريق بعيدة عنا بنحو خمسمئة متر .. ومع أننا لانجهل الدراجة تماما فقد كان احد الأقارب يأتي على دراجة من فج غنية البعيد من وراء الجبل وكنا نراها عن قرب ؛ كانت تبدو لنا من الآلات العجيبة ومن أشياء العصر الغريبة .. وحيث إن التعليم لدى حكومة الاحتلال أمسى إلزاميا ؛ وبسبب بعد المدرسة والخوف من الفرنسة والمروق من الدين كان الأولياء يدفعون رشوة لأعوان الإدارة الاستعمارية مثل القايد والشامبيط والدايرة كي يعفوا أبناءهم من ارتياد مدرسة الكفار..
تم التحاقي بالجامع في امسية من أحد أيام خريف 1953 وهو تاريخ أحدده اليوم من مؤشرات تخصني؛ وصرت قداشا اي تلميذا _ أرجح أن لفظة قداش لفظة شاوية تعني الخدوم الذي يقدم الخدمة والساعي على الآخرين يخدمهم فهم يقدش على الطالب أي يخدمه مقابل التعليم الذي يتلقاه ) تم استقبالي بحفاوة
وقد قدمت للطالب سيدنا سي عيسى الحامي طبقا من خبز الرقاق اكل منه أشداقا ووزع أشداقا على القدادشة احتفاء بمقدم قداش جديد باعتبار ذلك تقليدا متبعا..
قدم لي المعلم لويحة خشبية مكتوبا عليها الفاء التهجية وراح يعلمني ان أضع اصبعي تحت كل حرف ينطقه هو: ألف ؛ باء؛ تاء...
وأعيد أنا نطقه محاكيا على أثره ؛ ثم سلمني إلى أحد التلاميذ الكبار لمتابعة العملية الميكانيكية لحفظ الألفباء ..
وما كادت صلاة العصر تقام حتى كنت حفظت اللوحة.. وكان رضا الطالب علي باديا ؛ وعلى العموم كانت البداية موفقة.. إن بعض تلك الحروف مازالت راسخة أشكالها في ذاكرتي البصرية ؛ كل حرف في مكانه من السطر في اللوحة وبشكله الذي رسمه به الطالب .. وفي الغد كتب على الوجه الثاني من اللوحة الحروف نفسها مشكولة بالحركات باء نصب تاؤ نصب باء رفع تاء رفع أب وقف؛ أت وقف .. ولآني فهمت استراتيجية العمل الآلي المتماثل ؛ لم يدم الحال سوى صبيحة واحدة حتى كنت حفظت كل حركات الحروف وسكناتها ليقوم بعد ذلك وفي إثر محو اللوحة بتشريط سورة الفاتحة؛ والتشريط هو كتابة سيدنا الطالب على اللوحة بقلم الرصاص ثم يقوم القداش المبتدئ يعاود الرسم ويقلده الحذاء حذو الحذاء بقلم متخذ من القصب يغمس في دواة بها صوف مشوي ؛أي بمحاكاة ما كتبه المعلم بقلم الرصاص.
بعد الفاتحة والمعوذتيم ؛ ومع سورة قل هو الله أحد ؛ التحق الطيب بن الشيخ سعد بالجامع؛ ولا ادري كيف ارتبطنا بعضنا مع بعض ؛ هو لم يبدأ من الألفبائية ؛ بمعنى ان والده الشيخ علمه ولقنه ذلك مسبقا.
وظللنا بعد ذلك فرسي رهان ؛ لا نمحو ألواحنا إلا مع بعض ؛ ولا نحفظ إلا مع بعض لسنوات.ولا يعاقبنا المعلم إلا مع بعض.
فقد حدث مرة ان دخلت مع صديقي الطيب في موجه هستيرية من الضحك غير المفهوم ولا المبرر حتى بالنسبة لنا ؛ فقام الطالب من شدة الغضب بتحمير قدمينا فلقة ؛ وبرفع كل منا إلى أعلى وخبطه بالقوة على
الحصيرة مما ادى إلى انشطار لوحتي إلى شطرين.
أول عقاب تعرضت له قبل ذلك كان في سورة "إذا جاء نصر الله"؛كان الطالب يلقنني السورة وعند الوصول إلى عبارة " واستغفره" كنت أردد بعده " واستغرفه" بقلب بعض الحروف . حاول في البداية تلقيني العبارة في صبر وبالتي هي احسن فلما اصررت على التقليب اللساني للعبارة بحروفها الكثيرة الشاقة؛ صفعني صفعا مدويا . أصر هو على الصفع ؛ واصررت على موقفي الثابت في التقليب الشائن للأصوات ؛ولم يستطع أن يزعزع لساني من موقفه من العبارة المقلوبة قيد أنملة رغم عدد الصفعات الحارة التي تلقيتها . وكانت تلك اول مظلمة اعرفها في حياتي . لقد كنت أرغب أن ألفظ العبارة كما يلفظها الطالب ولكن لساني الذي لم ينضج عضله بعد لمثل هذه المعضلة الصوتية أبى علي ذلك.
.
ساحة النقاش