الفصلُ الثالث  – الاستعارةُ

*-تمهيدٌ:

سبقَ أنَّ التشبيهَ أولُ طريقةٍ دلتْ عليها الطبيعةُ; لإيضاحِ أمرٍ يجهلُه المخاطبُ، بذكر شيءٍ آخر، معروفٍ عنده، ليقيسَه عليه، وقد نتجَ من هذه النظريةِ، نظريةٌ أخرى في تراكيب الكلامِ، ترى فيها ذكرَ المشبَّهِ به أو المشبَّهِ فقط.

وتسمَّى هذه بالاستعارةِ، وقد جاءتْ هذه التراكيبُ المشتملةُ على الاستعارة أبلغَ من تراكيب التشبيهِ، وأشدَّ وقعاً في نفس المخاطبِ، لأنه كلما كانتْ داعيةً إلى التحليقِ في سماء الخيالِ، كان وقعُها في النفسِ أشدَّ، ومنزلتُها في البلاغة أعلَى.

وما يبتكرهُ أمراءُ الكلامِ من أنواع ِصور الاستعارةِ البديعةِ، الّتي تأخذُ بمجامعِ الأفئدةِ، وتملكُ على القارئ والسامعِ لبَّهما وعواطفهُما هو سرُّ بلاغةِ الاستعارةِ.

فمنَ الصورِ المجملةِ الّتي عليها طابعُ الابتكار وروعةُ الجمالِ قولُ شاعر الحماسةِ:

قومٌ إذا الشرُّ أَبْدَى نَاجِذيه لهم ... طارُوا إليه زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا

 فإنهُ قد صوَّر لك الشرَّ، بصورة ِحيوانٍ مفترسٍ مكشِّرٍ عن أنيابهِ مما يملأُ فؤادكَ رعباً،ثم صوَّر القومَ الذين يعنيهم، بصورِ طيورٍ تطيرُ إلى مصادمةِ الأعداءِ; طيراناً مما يستثيرُ إعجابكَ بنجدتِهم، ويدعوكَ إلى إكبارِ حميَّتِهم وشجاعتهِم.

ومنهم منْ  يعمدُ  إلى الصورة الّتي يرسمُها، فيفصلُّ أجزاءها، ويبينُ لكلِّ جزءٍ مزيتَهُ الخاصةَ، كقول امرئ  القيس في وصفِ الليلِ بالطولِ :

فَقُلْتُ له لمَّا تَمطَّى بِصُلْبِهِ ... وأرْدفَ أعْجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ

ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي    بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ

 فإنه لم يكتفِ بتمثيلِ الليلِ، بصورة شخصٍ طويلِ القامةِ، بل استوفى له جملة َأركانِ الشخصِ; فاستعارَ صُلباً يتمطَّى به، إذ كان كلُّ ذي صُلبٍ يزيدُ في طولهِ  تمطيهِ، وبالغَ في ذلك بأنْ جعل له أعجازاً يردفُ بعضُها بعضاً، ثم أرادَ أن يصفَه بالثقلِ على قلبِ ساهرهِ، فاستعارَ له كلكلاً  ينوءُ به أيْ  يثقلُ به ،ولا يخفَى عليكَ ما يتركُه هذا التفصيلُ البديعُ في قلبِ سامعهِ من الأثرِ العظيمِ، والارتياح ِالجميلِ.

ومنهم منْ لا يكتفي بالصورةِ التي يرسمُها، بل ينظرُ إلى ما يترتبُ على الشيءِ فيعقِّبُ تلك الصورةِ بأخرَى أشدَّ وأوقعَ، كقول أبي الطيب المتنبيِّ:

رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى ...    فؤادي في غِشاء من نِبالِ

فصِرْتُ إذا أصابتْني سِهامٌ ... تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ

 فإنه لم يكتفِ بتصويره ِالمصائبَ سهاماً في سرعةِ انصبابِها، وشدةِ إيلامها، ولا بالمبالغةِ في وصف كثرتِها، بأنْ جعلَ منها غشاءً محيطاً بفؤادهِ، حتى جعل ذلك الغشاءَ من المتانةِ والكثافةِ، بحيث إنَّ تلكَ النصالِ مع استمرار ِانصبابِها عليه، لا تجدُ منفذاً إلى فؤادهِ، لأنها تتكسرُ على النصالِ الّتي سبقتْها، فانظرْ إلى هذا التمثيل ِالرائعِ، وقل لي: هلْ رأيتِ تصويراً أشدَّ منهُ لتراكمِ المصائبَ والآلامَ؟

=============

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 12 مشاهدة
نشرت فى 2 أكتوبر 2025 بواسطة asmaalkhwas

اسماء محمد الخواص

asmaalkhwas
مرحباً بك في عالم المعرفة، بوابتك الشاملة نحو التعلم المستمر. قصتنا بدأت بإيمان عميق بأن التعليم هو المفتاح لفتح آفاق جديدة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

13,768