التفريق بين "إذَنْ" و "إذًا" (الخلاف الإملائي)
الكتابة بالنون (إذَنْ): تُستخدم فقط عندما تكون الأداة عاملة وتسبب نصب الفعل المضارع (إذا تحققت شروط التصدير والاستقبال والاتصال).
مثال: "سأجتهد." - إذَنْ تنجحَ. (كُتبت بالنون لأنها نصبت الفعل)
الكتابة بالألف (إذًا): تُستخدم عندما تكون الأداة مُهملة ولا تنصب الفعل المضارع (سواء اختل شرط من شروط النصب، أو لم يأت بعدها فعل مضارع أصلاً).
مثال: أنا إذًا أُكْرِمُكَ. (كُتبت بالألف لأنها أُهملت بسبب الفصل بضمير "أنا"، فالفعل بعدها مرفوع).
باختصار: انظر إلى الفعل المضارع الذي يلي الأداة:
إذا كان مجزوماً، فالأداة هي لَا النَّاهِيَة.
إذا كان منصوباً، فالأداة هي إذَنْ (بالنون).
إذا كان مرفوعاً، فالأداة هي لَا النَّافِيَة أو إذًا (بالألف).
كتابة (إذَنْ) بالنون أو (إذًا) بالألف
هذه المسألة - كتابة (إذَنْ) بالنون أو (إذًا) بالألف - هي واحدة من أشهر المسائل الخلافية القديمة بين علماء النحو والإملاء.
يمكن تلخيص مذاهب العلماء حول كتابتها في ثلاثة آراء رئيسية:
مذاهب العلماء في كتابة (إذَنْ) و (إذًا)
1. مذهب الإعمال والإهمال (الرأي الوسط والمفضل إملائياً)
هذا هو الرأي الذي يفرق بين طريقة الكتابة بناءً على العمل الإعرابي للحرف:
الحالة الكتابة المعتمدة سبب الكتابة عند أصحاب هذا الرأي
إذا كانت عاملة (ناصبة للفعل المضارع) إذَنْ (بالنون) لأنها حرف، والحروف لا يدخلها التنوين الذي يُرسم ألفاً (مثل أنْ ولنْ).
إذا كانت مُهملة (غير ناصبة للفعل المضارع أو جاء بعدها اسم) إذًا (بالألف/التنوين) تعويضاً عن جملة أو فعل محذوف تقديره "إذا كان كذا"، أو للتفريق بينها وبين "إذَنْ" العاملة.
نقطة مهمة: هذا المذهب هو الأكثر اعتماداً في قواعد الإملاء الحديثة والفصل بين الحالتين، وهو ما يتيح للقارئ معرفة حالة الفعل المضارع بعدها (منصوب أو مرفوع) بمجرد النظر إلى شكلها.
2. مذهب المبرّد ومن وافقه (الكتابة بالنون مطلقاً)
الرأي الكتابة المعتمدة سبب الكتابة عند أصحاب هذا الرأي
الكتابة بالنون مطلقاً إذَنْ (في جميع الحالات) - هي حرف، والحروف لا تُنوّن (التنوين من خصائص الأسماء). - ضرورة التفريق بينها وبين "إذا" الشرطية. - صعوبة التفريق بين حالة الإعمال والإهمال على عامة الناس.
نقطة مهمة: هذا الرأي قوي من الناحية النحوية، لأن (إذَنْ) حرف في جميع أحوالها، ويُنسب إلى الإمام المبرّد قوله المشهور (أشتهي أن أكويَ يدَ مَن يكتب (إذَنْ) بالألف!).
3. مذهب المازني ومن وافقه (الكتابة بالألف مطلقاً)
الرأي الكتابة المعتمدة سبب الكتابة عند أصحاب هذا الرأي
الكتابة بالألف مطلقاً إذًا (في جميع الحالات) - اتباعاً للرسم الإملائي في المصحف الشريف (الرسم العثماني) حيث كُتبت دائمًا بالتنوين. - يُنظر إلى التنوين على أنه تنوين عوض عن جملة محذوفة، وليس تنوين نصب.
نقطة مهمة: هذا الرأي يعتمد على الرسم العثماني بشكل أساسي، لكن جمهور العلماء لا يقيسون قواعد الإملاء القياسية الحديثة على الرسم العثماني.
الخلاصة النهائية في الاستخدام:
الأكثر دقة في الكتابة الفصحى: هو الرأي الأول (الوسط) للتمييز بين العاملة (إذَنْ) والمهملة (إذًا).
الخيار الشائع اليوم: نظراً لهذا الخلاف القديم، يرى كثير من الباحثين المعاصرين أن الكتابتين صحيحتان بشكل عام، لكن يُفضل البعض الكتابة بالنون (إذَنْ) دائماً لتبسيط القاعدة.
زيادة :
للعلماءِ فيهَا ثلاثةُ مذاهبَ نوردُهَا بالتَّفصيلِ:
المذهب الأول: تكتب بالنون مطلقاً
أوَّلاً: ذهبَ الكوفيُّونَ والأكثرونَ مِنَ النُّحَاةِ إلى أنَّهَا تُكتبُ بالنُّونِ عَمِلَتْ، أي نصبَتِ الفعلَ بعدَهَا، أمْ لمْ تعملْ، والسَّببُ في ذلِكَ:
١ -للتَّفريقِ بينَهَا وبينَ (إذا) الظَّرفيَّةِ والفجائيَّةِ، لئلَّا يقعَ اللَّبْسُ.
٢ –لأنَّ الوقفَ عليهَا بالنُّونِ؛ لأنَّهَا حرفٌ مثلُ أنْ ولنْ، ولا يدخلُ التَّنوينُ في الحروفِ.
والَّذي عليهِ المعاصرونَ كتابتُهَا بالنُّونِ مطلقاً.
المذهب الثاني: تكتب بالألف مطلقاً
ذهبَ البصريُّونَ وابنُ مالكٍ إلى أنَّهَا تُكْتَبُ بالألفِ مُرَاعاةً للوقوفِ عليهَا، سواءً كانَتْ عاملةً أو لا.
المذهب الثالث
أمَّا المذهبُ الثَّالثُ الَّذي فَرَّقَ بينَهُمَا فهُمُ الفرَّاءُ والجوهريُّ وغيرُهُمَا:
قالَ الفرَّاءُ: إنْ أُلغِيَتْ كُتِبَتْ بالألِفِ لضعفِهَا، وإنْ أُعْمِلَتْ كُتبَتْ بالنُّونِ لقوَّتِهَا، وفي هذا تفصيلٌ:
١ -إذا نصبَتِ الفعلَ المضارعَ بعدَهَا كُتبَتْ بالنُّونِ لقوَّتِهَا، نحُو: يُقَالُ آتِيكَ، فَتَقولُ إِذنْ أُكْرِمَكَ.
٢ -إذا بقيَ المضارعُ بعدَهَا مرفوعاً كُتبَتْ بالألفِ لضعفِهَا، نحوُ: يُقَالُ آتِيكَ، فَتَقولُ إِذاً أُكْرِمُكَ.
٣ –إذا قالَ لَكَ قائلٌ: اللَّيلةَ أَزورُكَ، قلْتَ: إذنْ أُكْرِمَكَ، وإنْ أخَّرتَهَا؛ أي وقفْتَ عليهَا أَلغيتَ فقلْتَ: أُكْرِمُكَ إذاً.
٤ –إنْ وسَّطْتَهَا وجعلْتَ الفعلَ بعدَهَا معتمداً على ما قبلَهَا أَلْغَيْتَ أَيضاً، كقولِكَ: أنا إذاً أكرمُكَ.
٥ –إنْ أدخلْتَ عليهَا حرفَ عطفٍ كالواوِ والفاءِ فأنتَ بالخيارِ، إنْ شئْتَ كتبْتَ بالنُّونِ وإنْ شئْتَ كتبْتَ بالألفِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلاً}، وقولِهِ عزَّ وجلَّ: {فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً}.
والَّذي نراهُ نحنُ أنْ تُكتبَ بالألفِ دائماً، كمَا جاءَ في القرآنِ الكريمِ.
ولَكَ الخيارُ في تبنِّي أيِّ رأيٍ مِنْ هذهِ الآراءِ فكلُّهَا صحيحةٌ.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.


