قراءة نقدية بقلم الاستاذ : صالح هشام /المغرب *

لنص : (السراب ) للأستاذ أشرف مامون /مصر

الأستاذ أشرف ،توفق بشكل كبير في اختيار عتبة النص : السراب ، كلمة لها دلالات كبيرة ، وغنية بالحمولات اللغوية التي تستوجب تأويلات لا حصر لها حسب الرؤية الشخصية لكل قاريء على حدة ، السراب هو الأمل الذي لا حدود له إنه الفراغ والتلاشي والعبث والضياع ! موجود غير موجود ،السراب استهلاك الطاقة الجسدية بدون طائل ، أن تجري وراء اللاشيء ! هو العنوان الأنسب للأخذ بأذن القارئ، وإجباره على إكمال النص ، هو الواجهة التي تستقطب العيون المتذوقة ، للنصوص ، عنوان يثير الكثير من التساؤلات في نفس القارئ ، فيجري وراء الأحداث لتتمتها ، فإقبال المستهلك على المواد المعروضة يستدعي تأثره اولا باللوحة الإشهارية الأنيقة والجذابة ،واللوحة هي هذا العنوان ( المحسوس / المجرد ) الذي يجمع كل المتناقضات هناك شيء آخر لا يقل أهمية عن العنوان وهو الاستهلال ، فهو أيضا بمتابة لاصق يغري القاريء ! استهل الكاتب نصه بتلك الكلمة التي تثير الخوف في النفس الوحدة ، وما أصعب أن يجد الإنسان نفسه وحيدا لا أحد يسنده ظهره ، في عالم مليء بالتناقضات ، والصراعات والمشاكل التي لا تنتهي ، والتي تنقلب فيه المفاهيم رأسا على عقب، يقول رائد الشعر العربي الحديث المرحوم محمود درويش (كم كنت وحدك يا ابن أمي ....كم كنت وحدك .....يا ابن أكثر من أب ...كم كنت وحدك ،) ألاتثير في أنفسنا هذه الكلمة الرهبة والخوف ، فهي ترادف الاستيحاش !،فأسباب الأقبال على قراءة النص إذن متوفرة سواء تعلق الأمر بالعنوان أ و البداية الاستهلالية وقد نجح الكاتب في نصب فخه إذ لا محيد عن إتمام النص لإزالة مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تراوده ، وهذا دليل على أن الكاتب نجح في استقطاب القاريء من وجهة نظري كقاريء متذوق قبل أن أكون ناقدا ! أهتم دائما بالتعمق في تحليل المقومات الفنية ، قبل التعمق في المعاني والأفكار التي تعرض في النص فقط لأني أعتبر أن المعاني متوفرة ولا تهمنا بقدر ما تهمنا طريقة التعبير عن هذه الأفكار ، لكن في بعض الأحيان تجد نفسك مجبرا على أن تعرج على التيمة التي يطرحها الكاتب في نصه ، وهي في هذا النص تجبرنا على تناولها ولو بالتحليل الموجز قبل مناقشة المقومات لما لها من بعد إنساني كبير ! يعالج الأستاذ أشرف في نصه هذا أزمة المثقف في عالم التناقضات، في عالم تمكنت منه الماديات ، في عالم تقدر فيه قيمة الشخص بما في جيبه لا بما بين تلافيف دماغه ، وبما يملك لا بكيفية تفكيره ، هو عالم الانحطاط الفكري إذن ! هذا العالم التعس البئيس الذي لم يعد فيه مكان للمثقف،فلا مئات الكتب والروايات تساوي شيئا أمام عجلة سيارة فارهة ، انقلبت الموازين رأسا على عقب فضاع المثقف المسكين تدوسه ارجل الجهلة يقول أبو العلاء المعري :
لما رأيت الجهل في الناس فاشيا ~~تجاهلت حتى ظن اني جاهل .
فالذي يجد ويكد ويدرس ويثقف نفسه وغيره لا قيمة له في هذا العالم المتخلف ! هذه بطبيعة الحال وجهة نظري الخاصة في محتويات النص . وإن كنت أعتبرها شخصية لأن النص يبقى دائما منفتحا على تعدد القراءات ، هذا التعدد الذي يمنحه القوة والتمسك بالحياة ،والنص الذي لا يحتمل تعدد القراءات ميت لا محالة ! هذه في نظري تيمة النص ، وقد نجح الأستاذ أشرف في التعبير عنها بأسلوب جذاب ، وأنيق ، بالنسبة لطريقة السرد يلاحظ أن الأستاذ يمتلك أدواته السردية ، بتمكن ! وظف السارد ضمير المخاطب للبطل ، وهذا التوظيف ، ليس غريبا عنا وإنما نجد ه في الأدب العربي بشكل ملفت للنظر ،هذا الذي نوجه له الخطاب كبطل يقول امرؤ القيس في مطلع مقدمة المعلقة :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ~~بسقط اللوى بين الخول فحومل
قد يكون المخاطب هو السارد نفسه أو يكون هو (البطل /السارد/الكاتب )، فتتداخل الأدوار ويتمسك أحد بظل الآخر ، طريقة الأستاذ أشرف في نقل الأحداث إلى القاريء ، تجعله بشكل أو بآخر يشارك في إعادة بناء النص ، فيتفاعل ويفرض نفسه كمبدع لأن القراءة نوع من الإبداع لكن ليس كل قراءة تستحق التسمية ،فهو لا يستقبل كل ما يقدم له بطريقة سلبية ، وأعني بالتفاعل إشراك القاريء في إعادة بناء القصة ،فالحيوية في طريقة السرد ، قد تحقق هذه الغاية المثلى التي يتوخاها كل كاتب وكيفما كان نوع نصه ! وأشير إلى أني أتكلم هنا انطلاقا من تجربتي الخاصة في تفاعلي كقاريء مع أحداث هذا النص الهادف (السراب ) وديدن نجاح الكاتب في الإبداع بصفة عامة هو قبل كل شيء السيطرة على القاريء والمقصود بها هنا : التحكم في انتباهه وتوجيهه ليكمل النص دون أن يشعر بأي ملل يذكر، و إن كانت أصبحت معضلة كبيرة جدا في عالم بدأت فيه القراءة تحتضر أمام هذا الخضم الكبير من المغريات ووسائل الاعلام ، يعتبر (كيروغا هوراسيو ) وهو من كتاب القصة القصيرة في الأروغواي أن ( القبض على أرنب أسهل من القبض على القاريء ) ولعل أبرز ما يجعل في اعتقادي هذا النص ناجحا هو اللغة التي وظفها الأستاذ أشرف ، فهو طباخ ماهر ، لغته لا تخلو من بهارات تعطيها نكهة خاصة وأقصد بالبهارات تلك الانزياحات اللغوية من حين لآخر ، فليست هناك مبالغة في توظيف بلاغة الغموض ، وليس هناك تقشف وتقتير في توظيفها ،وخير الأمور أوسطها ،واللغة تعتبر من أبرز وسائل النجاح في النصوص السردية ، لا يعقل أن نطلب من الكاتب التكثيف في النصوص القصيرة دون أن نطلب منه الاشتغال على اللغة ، لأنها هي التي تمكننا من التكثبف وإدارة الأحدات والأبطال أي بناء القصة وذلك في مساحة ضيقة جدا في هذا الحيز تحتدم الصراعات بين الأبطال ، فتغلي كالحمم البركانية التي تبحث عن الخلاص ، تستلزم توظيف الكاتب عين الحرباء التي ترى في جميع الاتجاهات لاحتواء جميع جوانب القصة ، وهذه عين المبدع ، لا يرى إلا من زوايا مغلقة ومتعددة لكنها ثلاثية الأبعاد ،فلغة الكاتب أشرف على ما أعتقد من الأسباب التي تخلق في نفس القاريء نوعا من الارتياح والتمتع الفني بالقصة ! فهي بعيدة عن الابتدال والمباشرة وبعيدة عن التعقيد ! في بعض الأحيان يعتقد الكاتب أن الإيغال في التلاعب بالمفردات من شأنه جلب القارئ وشد انتباهه ، إلا أنه يحصل العكس إذ ينفر من متابعة قراءة النص ، فالإدهاش لا يحصل دائما من خلال تكسير المألوف ونهج التركيب اللغوي الذي يخالف المنطق ! عندنا في اللغة ما نسميه في النقد بالسهل الممتنع ، وهذا الأسلوب هو (قبض العصا من الوسط )، لا ضرر ولا ضرار. وأجزم أن الكاتب قد نجح في هذا التوظيف الجميل للغة ، باعتبارها لباسا أنيقا لتلك الأفكار التي يستهدف توصيلها للقاريء عندما تكون اللغة سليمة من الأخطاء والتراكيب التي بها عيوب ينصرف ذهن المتلقي والناقد على حد سواء إلى البحت عن مواطن المتعة والإدهاش والغرابة ، أما إذا كانت بعض الأخطاء فإن القارئ ينصرف ذهنه عن القراءة ككل ، الأستاذ أشرف وفق في السيطرة على مقاليد اللغة ، التي تم توظيفها في هذا النص الرائع ، مسيرة سردية موفقة !!!
بقلم الاستاذ : صالح هشام / الرباط / المغرب
الثلاثاء ٣ نونبر ٢٠١٥ ~~~~~~~~~~~~~

السراب قصة قصيرة للاستاذ أشرف مامون .
وحدك في هذا العالم الملئ بالألم والسكون وحدك تقف بين هذه التيارات المتصارعة والأمواج المتلاطمة ثابتا لا تتحرك
لم تصدق حين دخل عليك في مكتبك مبتهج الوجه وهو يخرج استمارة الإعارة وهو يضغط بإصبعه على اسم هو اسمه على تاريخ السفر والترحال
عليه أن يودع الأصدقاء زملاء الغرفة ؛الجامعة؛ المقهى والنادي كلهم سوف يودعونه عند باب المطار تاركينه يركب بمفرده... معه حقائبه وكل ذكرياته تاركا خلفه زوجة وحفنة أولاد( سوف أرسل لكم كل ما تريدون) وأخرج من حافظته ورقة بيضاء وأخذ يخط بها ما يرغبون تهافت الزملاء عليه من يريد بدلة جديدة من تريد فستانا ..وحدك جلست وحين انفضوا من حوله سألك في إلحاح: وأنت يا أستاذ صابر ماذا تريد.. قل لا تخجل فنحن أخوة قلت فى استحياء: أريد أرض عبد الرحمن الشرقاوى.. بداية ونهاية نجيب محفوظ..... ومائة عام من عزلة جارسيا ماركيز؟.........علت وجهه الدهشة وأنت تردد أسماء كتب تريد قراءتها
هكذا ودعت صديقك لتعود إلى شقتك تدخل تقابلك بوجهها المتحجر وهى تسـأل : ماذا ستفعل في إيجار الشقة وثمن اللحم تغلق باب غرفتك وتلقى نفسك على الفراش تحس أن الجدار يميل عليك وأن سقف الغرفة يدور من حولك
حين دق الباب دخل زميل دراستك وهو مندهش من الجدران الرطبة وطلاء الشقة المتساقط والأثاث المهترئ وهو يقدم لك بطاقة بها دعوة لحفل تقيمه الجامعة لخرجيها يطلب منك أن ترتدي ثيابا لا يعرفك فيها أحد
وأنت تدخل من فتحة الباب تحس أن هذا المكان ليس في الكون أن تلك الوجوه لا يملكها بشر تتطلع للوجوه المكتسية بالأقنعة... تتفجر ينابيع الذكريات... تقترب منك في دلال تشم رائحتها وهى ترتدي قناع( لوليتا ) قالت وهى تضحك بمجون ألم تعرفني ؟ تضع إصبعك على جانب رأسك .. آه إنها الفتاة التي كانت ترتدي الجيبون القصيرة والبلوزة التي تظهر نصف نهديها قلت لها كثيرا أن تقلع عن هذه الثياب لكنها لم تقلع قالت وهى تمص شفتيها: لو سمعت كلامك لما تزوجت ولما أصبحت هكذا الآن أملك ما أملك... تمص شفتيك وأنت تسير بينهم ...لم تصدق ما يحدث تسمع ضحكاته لقد عرفته انه من كان يهرب دائما ليعمل في ورشة للسيارات
قال في سخرية : هل رأيت ما فعلت لقد أصبحت أملك توكيلا للسيارات الفارهة هل تحب أن أهديك واحدة؟
لم تصدق تضرب كفا بكف وأنت تواجه هذا العالم الغريب الملئ بالأشباح والأقنعة وحدك فى بدلتك وحين اقترب صديق وهو يسأل :لقد انتهى الحفل ولماذا لم تخلع بدلتك؟
تضع يدك في الجيب المثقوب وتترك المكان... تسير في الطريق الملئ بالأشجار الواقفة المتربة ...تقف وسط الطريق والعربات تجرى مسرعة بجوارك وهم يطلبون منك الابتعاد عن الطريق وأنت تقف حجر عثرة تعوق حركتهم يطلقون أبواقهم تحس بها تخترق جدار صدرك ومربعك الخاص تغلي خلاياك يدور عقلك تكاد تسقط في الزلق والطين وحدك تسير في الطريق المترب بحذائك المهترئ تحس بالماء الرطب وهو يتسلل من ثقوب حذائك إلى قدميك تبتل و يتسخ بنطلونك...
وحدك من رفضت ترك الجامعة وأن تكون مثل البشر رفضت أن تكتب اسمك في قوائم الترحال رفضت أن تتزوج من هذه أو تلك لأنك تخيلت انك لن تكون الرجل الذي حلمت أن يكون .. وحدك من رفضت أن تركب عربة أو أن تعطى للطلاب دروسا لأنك شعرت أنهم سيشترون النجاح بما يدفعون
وحدك في الغرفة تتكور تكاد تموت حزنا وأنت تلفظ ما تبقى في صدرك من كلمات الآباء والأجداد يرن صوت من سمعتهم في الحفل تتذكر الناس وهم يتغامزون عليك يسدون آذانهم لو تكلمت يغلقون أعينهم لو وقفت أمامهم
تجلس الآن ورأسك بين ركبتيك تتململ .. تحس بدوار يلف رأسك ؛ وحدك الآن ولا شيء سوى الوحدة والسراب!

ashrafmamoon

سجل أعجابك بالمجلة وقل رأيك بصراحة فيما قرأت فيها.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 136 مشاهدة
نشرت فى 4 نوفمبر 2015 بواسطة ashrafmamoon

الشاعر أشرف مأمون

ashrafmamoon
مجلة اليكترونية للمبدعين في كتابة القصة والشعر والمقال والخواطر والومضات والأغاني والدراسات الأدبية والحوارات وكل مايتصل بالفنون. »

تسجيل الدخول

ابحث

عدد زيارات الموقع

44,482

اعلن عن مهنتك وشركتك ومواهبك

يمكنك أن تعلن هنا عن مواهبك وشركتك وطلباتك من وظائف أو مخرجين ومنتجين ومطربين ومؤلفين أغاني وكل مايتصل برجال الأعمال والأدب