قراءة سريعة في نص الأستاذ الأديب/ ياسر جمعة
بقلم: أحمد سعد
...............................................
*هنا*
(اسمى غائب أيضا.. أردده فى سري كي لا أنساه؛ وأشارك في أحاديثهم، أحيانا، بصوت لا أعرفه.)
.........................................................
أعتقد أن العنوان ( هنا) لا يشير إلى مكان بقدر ما يشير إلى ذات الإنسان، أو هو صرخة تحاول أن تطغى على صخب الحياة لتلفت الأنظار، فأنا هنا و هنا أنا، لأني بالنسبة لذاتي أنا المركز، و أنا الأولى بالنظر و الاهتمام...
اسمي هو العنوان الدال عليّ أنا، لو افتقدته افتقدت تاريخي و وجداني، مبادئي و سماتي، لو افتقدت كل هؤلاء الذين ينضوون تحت مُسمّايَ، فمن عساني أكون، شخص بلا لون أو ملامح بلا موقف أو فكر بلا انتماء لأصله الأصيل الذي هو ذاته الفريدة النادرة الوحيدة، فلقد أبدعني الله بيديه لوحة ليس لها مثيل، ليس لي شبيه طبق الأصل لأن بارئي قادر و قد جعل من كل إنسان نسخة فريدة وحيدة، فلن تجد في مليارات البشر من لدن آدم إلى أنا و ما أدراك ما أنا! صنعة الكبير المتعال، لن تجد نسخة واحدة تشبهني في كل شيء، لأن الحكيم الخبير العليم شاء ذلك (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود : 118] اختلافا شكليا و كيفيا و كميا و فكريا، لذلك أريد أن أحافظ على كياني بترديد اسمي، فوعيي بنفسي هو خط الدفاع الأول ضد التماهي و الضياع و اتباع القطيع، لذلك كانت المسؤولية فردية، و الولادة و الموت كذلك، فعدوي الأول هو غيابي عن ذاتي و تمييعي وسط ملايين بل مليارات البشر، لا أحد منهم سيحمل عني أثقالي أو يحس بما أعاني و لو أحس فما هو بمخفف عني نصيبا من العذاب، فحين يؤلمني ضرسي لن يحس بألمي أحد مهما كان قريبا و مهما كانت صفته، لن ينتقل الألم إليه و يتركني أو يتقاسمه معي، و إن أبدى شعوره بالتعاطف.. لكن و آه من لكن و ما أدراك ما لكن! حين أخرج من نفسي و ألقي بها في بحر البشر المتلاطم، لابد أن أسبح مع التيار و إلا صرت غريبا وحيدا منبوذا، أو قل سجينا معتقلا، أو قل مجنونا، فالمواءمة و التماهي و اتباع تيار المجتمع الغالب تصبح واجبا، و إلا فلتتحمل ما لاقاه كل من حاول أن يكون مستقلا و يعبر عن ذاته بكامل ما أوتي من حرية و فكر و قناعة، الأسهل أن لا نقاوم و نركب الموجة بإرادتنا لنسلم من مغبة الانسلاخ أو السحق بالخارج و نضطر إلى التقوقع داخل محارة الذات الصلدة الصلبة، و حينها سنصاب بفوبيا الناس أو الرهاب الاجتماعي، و نكون أشبه بمن قذف نفسه في اليم و هو لا يجيد السباحة، فها أنا أتعلم العوم و أختلط و أعايش لكن لا أحس بي أو أراني أو أمتلك القدرة على تحريك الأمور كما أريد و كما أشاء إلا بحسابات دقيقة، و توازنات لابد لي منها، تفقدني استقلاليتي، كراكب قطار، لا حيلة له إلا أن يلتزم بمقعده و لا يقفز من الباب أو الشباك، ليظل سالما على الأقل إلى حين، و في خضم البشر أستغرب نفسي و شكلي و صوتي و فكري، فلو راقبت كل ما أقول و ما أسكت عنه و ما آتي و ما أدع، و تيار الشعور المتدفق تحت جلدي، لو راقبت كل ذلك جيدا، فسأستغرب نفسي و أستهجن ما أفعل، لأنه بالمقارنة بما أنا عليه حقيقة، أنا لست أنا.. ففي وسط الناس يفقد لوني تميزه و يصير باهتا أو مائعا محايدا. ..

ashrafmamoon

سجل أعجابك بالمجلة وقل رأيك بصراحة فيما قرأت فيها.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 86 مشاهدة
نشرت فى 9 مايو 2015 بواسطة ashrafmamoon

الشاعر أشرف مأمون

ashrafmamoon
مجلة اليكترونية للمبدعين في كتابة القصة والشعر والمقال والخواطر والومضات والأغاني والدراسات الأدبية والحوارات وكل مايتصل بالفنون. »

تسجيل الدخول

ابحث

عدد زيارات الموقع

44,485

اعلن عن مهنتك وشركتك ومواهبك

يمكنك أن تعلن هنا عن مواهبك وشركتك وطلباتك من وظائف أو مخرجين ومنتجين ومطربين ومؤلفين أغاني وكل مايتصل برجال الأعمال والأدب