
انهمرت دموع الأب المكلوم وعلا نحيبه - بعد أن ظل متماسكاً طوال فترة العزاء - وهو يرى طليق ابنته , بعدما وقف إلى جوارهم لتلقي العزاء , يحاسب على تكاليف الليلة , في الوقت الذي إختفى فيه تماماً زوجها الثاني الذي أحبته وقاطعت اهلها من أجله بعدما بلغّه أن إخوتها ينوون طرده إذا ماحضر الجنازة أو العزاء , عانق كريم الأب والإخوة والدموع تترقرق في أعينهم من شدة الحزن على ما آلت اليه الأمور , صعد برفقتهم لتعزية حماته السابقة ثم استأذن للذهاب إلى بيته ليرتاح من عناء يوم طويل ساعد فيه على إجراءات الجنازة والدفن , ورافق طليقته إلى مثواها الأخير والدموع تملأ مآقيه , ونظرات الإشفاق تخترق كيانه .
...
ألقى بنفسه على سريره في غرفته القديمة التي يقيم بها منذ طلاقه وانخرط في البكاء , جافاه النوم فوجد نفسه يستعرض الأحداث التي مرت بحياته خلال السنوات الخمس الأخيرة , تذكر كيف قابلها أول مرة يوم أن ذهب الى السنترال لتركيب هاتف لشقته , لم يكن يدري وقتها أن لحظة دخوله قد تزامنت مع انتباهتها من التفكير في ما كان يؤرق ليلها وينغص عليها نهارها .. إنتظارها لمن يأتي ويخلصها من ذلك الحي الشعبي الذي انتشرت الشدات الخشبية المقيتة أسفل بيوته الآيلة للسقوط , والذي يرعبها التفكير فيما قد يحدث إذا ما انهار أحدها , ويخلصها أيضاً من تلك الشقة الضيقة , ذات الغرفتين والحمام الوحيد الذي يتعارك إخوتها ويتسابقون لدخوله كل صباح .
...
حين أمسكت بطلبه لتفحّص بياناته , كان إسم الحي الراقي الكائنة فيه شقتة هو أول مالفت نظرها , التقت نظراتهما حين انتقلت ببصرها من الطلب لصاحبه , في الحال حدثت نفسها " كيف السبيل إلى قلب هذا المتأنق ذو البذلة الفخمة والكرافيت الأنيقة , لاشك أنه يعمل في وظيفة محترمة بمرتب كبير , عليها أن تبذل قصارى جهدها للإيقاع به" , سألت نفسها : هل ياترى سيكون صيداً سهلاً لمن تربت في حواري الحي الشعبي الفقير , حيث تحكي النساء قصصهن المليئة بكلمات فاحشة عبر شرفات البيوت ونوافذها طوال اليوم.
...
استفسرت عن بعض المعلومات , قامت إلى أحد الشبابيك , سألت الجالس وراءه سؤالاً , ثم كرت راجعة إلى مكتبها وهي ممسكة بطلبه , كان يتبعها كظلها في الغدو والرواح, ربما أرادت أن تريه رشاقتها وأناقتها , قالت له فيما بعد , أن مظهره - وهو يمشي وراءها - ذكّرها بذلك الشخص الوقح الذي اقتفى أثرها وكاد أن يلتصق بها الصباح وهي في طريقها لركوب المترو مسلطاً نظراته الوقحة على عجيزتها , تعجب يومها كيف ترى النساء بظهورهن , جلست على كرسيها وأخذت تشرح له الخطوات وهي تبتسم إبتسامة غامضة , تعرفها النساء , فيها (وعود وعهود), جعلت كيوبيد - الذي كان يتسكع بالجوار - يقهقه ضاحكاً ويملأ صوت دفيف جناحيه المكان مما جعل كريم لايسمع إلا صوتها ولا يرى إلا ابتسامتها , سرعان ما استل كيوبيد أحد سهامه , أوتر به قوسه اللعين , ثبت نفسه طائراً في مكانه , ثم أطلق .. ولكن ياللأسف - لأنه أعمى كما يقولون – أصاب سهمه رأس كريم فسقط صريع العيون الجميلة المسلطة عليه سالبة منه أي مقاومة تذكر.
...
لم يتقبل أبواه الأمر , لا أحد يستطيع لومهما , فشتّان ما بين وحيد أبويه ميسوري الحال والذي يحتل منصباً مرموقاً ويقطن في أرقى أحياء المدينة , وبين سندريلا القرن العشرين التي تقطن أفقر أحيائها , بنت بائع العرقسوس الجوال , ذو الكتف المائل والركبتين المرتعشتين والذي لا تكاد ملابسه تجف من البلل , وتنحصر آماله في الإختفاء عن أعين مفتشي الصحة , أثناء محاولته اليومية للحصول على لقمة العيش.
...
لم يستطع الأب الوقوف أمام رغبة ولده العارمة في الزواج من سهام , الحب الأعمى المأخوذ بالجمال الخادع , غير الآبه ببذور الخراب الكامنة وراء عدم توفر المعلومات عن العروس انتصر في النهاية , للخلاص من الحرج , أخفى والدي العريس عن عائلتهم خبر هذا الزواج المتدني المستوى وحضر معه والداه وخالته فقط , أخليت الشقة من بعض المنقولات لكي يتسع الصالون لضيوف العروسة وأهلها الذين قدموا خصيصاً للفرجة على عريس الغفلة , علا صوت أغاني الأفراح الهادرة , نثرت الورود ووزعت الحلوى والمشروبات , وما أن وقعّ كريم على قسيمة الزواج وأنطلقت الزغاريد في أرجاء المكان , حتى أصبحت سهام تملك زوجاً.
...
عرف كريم بعد الزواج أن سهام قد أخفت عنه حقيقة إصابتها بمرضٍ في القلب , وتحذير الأطباء لها من محاولة الإنجاب , خوفاَ من تشوه الجنين بسبب العقاقير التي تتناولها , أخفى حزنه العميق في قلبه ولم تبدر منه أي بادرة لوم لها , مع مرور الأيام نصحها بعض الاطباء بإجراء جراحة في القلب تتمكن بعدها من التوقف عن تناول العقاقير وحينئذ يمكنها الحمل , , لم يتوان كريم عن تنفيذ رغبتها التي كلفته كل ما يملك من مدخرات.
...
ما كادت سهام تشفى من الجراحة حتى بدأت رحلة البحث عن الإنجاب , شاهدت أحد الاطباء يتحدث في برنامج تليفزيوني عن حالة مشابهة لحالتها فطلبت الذهاب اليه , لم يرفض كريم , أطاعها وكله أمل أن يقنعها الطبيب بضرورة الإنتظار حتى تشفى تماماً , طلب الطبيب من الزوجين تحليلاً خاصاً , جاءت النتائج صادمة , الزوج أيضاً غير قادر على الإنجاب , انقلبت حياتهما رأساً على عقب وأصابها الإكتئاب , في محاولةٍ منه لاسترضائها ولتأمين مستقبلها كما إدعت - ولشدة حبه لها وثقته فيها - نقل إليها ملكية شقتة دون استشارة والده الذي كان يودع أيامه الأخيرة في الدنيا.
...
تغيرت تصرفاتها بعدما تحسنت حالتها الصحية , إحساسها بالدونية لوضاعة أصلها مقارنة بزوجها , جعلها تتعصب وتفتعل المشاكل معه , تعرفت على أحد زملائها في العمل , شيطان من شياطين الانس , من نفس بيئتها وطباعها , تطور شعورها نحوه من الزمالة الي الألفة ثم العشق والوله , استطاع في لحظة ضعف منها أن يوسوس لها ويقنعها بطلب الطلاق من زوجها كي يتزوجها هو , استحكم الخلاف بينها وبين كريم عندما علم برغبتها في الطلاق والزواج من شخص آخر , تصادف ذلك مع اشتداد المرض على أبيه مما دعاه إلى الإنتقال لمنزل والديه للعناية به ورعايته في أيامه الأخيرة , استغلت سهام فرصة غياب كريم وحزنه على والده الذي إنتقل إلى رحمة مولاه , وإنشغاله مع والدته بالأمور المالية والقضائية التي أعقبت الوفاة , وطلبت الطلاق منه مستعينة بالتحاليل الطبية التي تثبت عدم قدرته على الإنجاب.
...
علمت أسرتها بحصولها على الطلاق , فوقفت كلها مع كريم وطالبوها برد الشقة إليه , هددها أبوها بالتبرؤ منها ومنعها من دخول بيت أسرتها مالم تسلم الشقة لصاحبها , كان زميلها صعلوكاً مفلساً لا يمكنه تجهيز شقة جديدة , فرفضت رفضاً باتاً طلبهم ولم تهتم بأحد وتزوجت دون علم أهلها , قاطعها الجميع , الأم فقط - رغم استنكارها لما فعلته إبنتها! – سهرت إلى جوارها بالمستشفى في بداية حملها , ذات ليلة استدعي الأب على عجل لرؤية ابنته التي ساءت حالتها الصحية فجأة بسبب إمتناعها عن تناول العقار تشبثاً منها بالحمل , أرادت الحصول على كل شيء , فخسرت كل شيء , لم تنجُ ...
...
بانتهاء فترة الحداد ذهبت عائلة سهام الى شقة إبنتهم وقاموا بإتلاف كل المنقولات فيها , تدخل أهل الخير وحكموا بعودة الشقة إلى صاحبها الأصلي , على أن يقوم بتعويض الزوج الثاني عن نصيبه في الميراث , في حين تنازلت أسرتها عن نصيبها , عادت الشقة إلى كريم إلا أنه ظل يسأل نفسه: لماذا حدث كل ذلك ؟ ماهو الخطأ الذي ارتكبته؟ كيف يقابل المعروف بكل تلك الإساءة؟, لماذا أرادت الإنتقام مني بلا ذنب جنيته؟, هل كانت تخدعني وتدعي محبتي ؟, أي رغبة في الإمومة تلك التي تتعلل بها كذباً وقد تزوجت وهي تعلم عدم مقدرتها على الحمل ؟, من تكون تلك الجاحدة التي أحببتها ووهبتها كل ما أملك؟, أسئلة كثيرة جعلت تدوي في رأس كريم دون أدنى أمل في الحصول على إجابة , فالوحيدة التي كانت تملك الإجابة عنها قد رحلت ... رحلت ومعها أحلامها , لم تترك خلفها سوى أسئلة ... أسئلة كثيرة ... أسئلة مشروعة.


