وإذَا المَـــــــــــــــــوؤودَة سُئلــت 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الألَم يزْداد ؛ ينْخُـر بقَسْوة خصْرهَا ، يسْتعْمِره ، يخْتفِي للحَظات قليلَة ، تسْترجِع فِيها أنْفَاسَها ،ثمّ يعُود ثانية بنَفس الوتِيرَة ليشْتدّ ؛ ولتئِنّ هي بصمْت تحْت قطْعة قمَاش تمْلأ فمَهَــا ، حذَرا من أنْ تسيْقظ بنَاتها الثّلاثة الصّغيرات ، لكِن !! ، مَن ذا الذّي سيُنادي "الدايَة مريَم" ، وزوجُها غَائب منْذ عدَّة أشْهُــر ؛ يبْحث بالصحراء عَــن جِماله الضَّالة ...

القمَر محَاق والوقْـت متَأخِّر ، لا أحَد يقِظ غيْر القنْفـذ يتَسلَّى بقـرْمشَة بَعْض الخنَافسِ وعاصِفة مجْنونة ثَائِـرة ، مرّ أسبوع ولازالَت تصَارع الرَمل والخيام و تنُـــوح . 

الألم يتَواتر ، يتَسَارع ، يشتَد ؛ فتضْحك ، تقُــول فِي نفْسِها ( هكَذا آلام مخَاض الولَد الذَّكر، سَريع ، مُوجِع ، لا يتْرك الفُرصَة لأمِّه لتتَنفَّس) ؛ إذن هيّا يا ألَـم أرجُوك أقْس .. و ، اشْتدَّ ، تسَارَع ......

لا منَاصّ من الذّهاب وحِيدة للدَاية وإلا قَــد تَلد و يمُوت الطّفل ، حيَاتها معْقُودَة بِه ، علَى أنَّ عقَد " لالّة النَّايمة " السَّبع كفِيلة بأن يُخْرَس الجَميع ...

تستَّرت عَن العاصفة ، وضَعت يدًا تحْتَ بطْنها وأخْرى علَى ظهْرها ومشَت ببُطء تتَرنَّح حَافيَة ، تُسقُطها الرّيح تَارة ويوقِفُها الألَم تَارة أخْرى، و بينَما هِي كذلك ، فاجَأها الطَّلق ؛ تكوّرت علَى الأرْض ، غارسَة يديْها بالرّمل بقُـوّة ( لالاَ لن ألِد حتَّى أصِل الدَّاية ) ، عبثًــا تُحاول فقْد حَان وقْت الوِلادة ، عضّت عَلى كُــمِّ ثوبها خَوف سمَاع صُراخِها ، وظلَّت تنْتظر تنَاثر النُّجوم من عينْيها هكَذا حفِظت عن أمها ( ولادَة الطِّفل الذّكر صعبَة ياابنتي ، تتحَول السَّماء من زرَقاء إلى سوداء ، يغْشَاكِ ظَلام حَالك ، تتطَاير فِيه النُّجوم دُون وجهَة ) ، ارتمَى المَولود أمامها يتوسَّد التُّربة ، بحالتِه تلك كَان يمُثل لوحَة الحكِمة الإلهيَّة ومفْهوم البَداية والنِّهايَة ، اقتَربَت منْه تحتَضنُه ، تنَظِّفه بثَوبِها ، تحسَّست سوءتَه رغْم الظُّلمة ( أتُراه ذكَرا أمْ أنْثَى ؟ ) ، أَّواااه يا " هنيّة" ، بنْت أخرى ، ماسَأقول لزَوجي وقد تعهَّد تطليقِي لو أنجَبت الرَّابعَة ، أهل القرية وكلامُهم المُقرف المُقيت ، تعِبْت ، لابُد أن أنْتهِي منْها ، وأحْكي لَهُم أنَّها ماتتْ ، أو أتْركُها هُنَا وأمْضي علّ بعْضَ السيّارة يجِدونَها ، أو يلتَهمُها ذئْب أو أفْعَى لايهُمُّني ، رمتْها بالأرْض وقفَلت راجِعَة ، تبيَّن لها تحْت ردَاء الظُّلمة أنَّ الحبْل السُّريّ لازَال مُلتصقًا بهَا ، تذكَّرت ماتقُوم بِه "الدَّاية مَريم " عند التَّوليد ؛ تحْسب بمِقدار ثَلاث أصَابِع وتقُصّ ، هِي الآن ستُخالفُها ، ستتْركه بِها وتمْضِي ، أوستَلفُّه حَول عنُقها تريحُها من عَذاب مَوتٍ بطيء .

بينَما هِي تحثُّ الخُطى خَوفًا من أنْ يعْرف أحَد بأمْرها ، كَان صْوت الطِّفلة يتشَبَّث بذيْل ثَوبِها ، يسْتصْرخ رحمَة الأمّ فيهَا ، اقْشعَرّ بدنُها ، درّ صدرُها حليبًا غزيرًا بلَّل ثوبهَا ، كلُّ ذلِك لَم يجْعلْها تلتَفت ، بلْ مضَت فِي طَريقِها .

صبَاحا عثِر علَى جثَّة إمْرأة ، يلُف رقبتَها شيْء كمَا الحبْل السُّري للجنِين تحْتضِن مَولُودة حدِيثَة الوِلاَدة معْقُودة السرّة

ashrafmamoon

سجل أعجابك بالمجلة وقل رأيك بصراحة فيما قرأت فيها.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 3 مايو 2015 بواسطة ashrafmamoon

الشاعر أشرف مأمون

ashrafmamoon
مجلة اليكترونية للمبدعين في كتابة القصة والشعر والمقال والخواطر والومضات والأغاني والدراسات الأدبية والحوارات وكل مايتصل بالفنون. »

تسجيل الدخول

ابحث

عدد زيارات الموقع

44,485

اعلن عن مهنتك وشركتك ومواهبك

يمكنك أن تعلن هنا عن مواهبك وشركتك وطلباتك من وظائف أو مخرجين ومنتجين ومطربين ومؤلفين أغاني وكل مايتصل برجال الأعمال والأدب