جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
المناطق الخالية من الأسلحة النووية |
|
|
|
|
|
|
|
دائما ما تذكرني قصة المناطق الخالية من الأسلحة النووية تلك بقصة جحا وابنه عندما احتار في إرضاء الناس، فإذا ركب حماره وترك ابنه وراءه يقولون "ما لهذا الأب القاسي الذي يترك طفلا صغيرا سائرا بينما يركب هو الحمار؟!!!!" فإذا أجلس ابنه وراءه، يتعجبون "أما في قلب هذا الرجل شفقة أو رحمة حتى يجلس هو وابنه على مثل هذا الحيوان الضعيف الأخرس الذي لا يقوى على النطق بما ينوء به من حمل"، حتى فاض الكيل به فلم يركب هو أو ابنه وسارا وراء الحمار، ولكن هذا أيضا لم يفلح في درء تهكماتهم عليه ووصفه بأنه رجل رأسه "خالية" من العقل حتى يسير هو وابنه تاركين الدابة -التي خلقها الله لتحملنا- بلا حمل.
عذرا على المقدمة الطويلة، ولكن يبدو أن تلك الصفة "إن ماحدش عاجبه حاجة"، قد توارثتها الأجيال والنفوس البشرية، فبعد أن توصل الإنسان إلى اختراع الأسلحة النووية -بغض النظر أكان هذا بدافع الدفاع ضد الأخطار الخارجية أم لأحلام استعمارية فهذا ليس مجال حديثنا- وبعد أن قضى الليالي الطوال يفكر في كيفية التوصل لهذا الاختراع، رجع ليكتشف اكتشافا يشيب له الولدان وهو أن هذه الأسلحة خطرة ولا يجب أن تتواجد في أيدي كل من هب ودب. ومن هنا جاء اقتراح "المناطق الخالية من الأسلحة النووية" ومن هنا أيضا جاء حديثنا عنها في ألف باء سياسة.

مفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية:
على الرغم من أن مفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية تم تعريفه -حسب تعريف دليل المصطلحات والمختصرات الشائعة الاستعمال المتصلة بالأسلحة ونزع السلاح الصادر عن الأمم المتحدة- على أنها "مناطق محظور فيها إنتاج و/أو وضع الأسلحة النووية بموجب اتفاق بين دول المنطقة،". فإنه لا يزال مفهوما قابل للتطوير وفق ظروف كل حالة تطرح فيها على حده كما سنرى فيما يلي.
وعموما فإنه لكي نتفهم ما معنى أن تكون منطقة خالية من الأسلحة النووية، يجب أن نتناول أولا عنصرين مهمين مرتبطين بهذه الكلمة، وهما: أ-عنصر "النطاق" المحدد، أي وجود منطقة جغرافية محددة، هذه المنطقة قد تكون قارة أو إقليما أو أية مساحة ما. وتتحدد أطراف المنطقة في هذا النطاق.
ب- عنصر "الخلو" النووي، أي الحظر العام المرتبط بآلية تحقق، لكل ما يتصل بالتسلح النووي في المنطقة، وتتحدد التزامات أطراف المنطقة في هذا الإطار.
وبناء على هذين العنصرين يتحدد إطار كل المناطق الخالية من الأسلحة النووية، وذلك تبعا للسمات أو الخصائص المحددة لكل إقليم، على نحو يخلق "نموذجا" خاصا بكل منها.
عفريت ماقدروش يصرفوه:
منتصف الخمسينيات كان هو بداية مولد مفهوم "المناطق الخالية من الأسلحة النووية" على يد الأمم المتحدة كجزء من محاولتها لإقامة نظام عالمي لمنع انتشار الأسلحة النووية، ولكن سرعان ما اتسع هذا المفهوم لوضع المزيد من القيود على الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، والدول المانحة لتلك الأسلحة، على حد سواء، ولكن فكما يقولون "تمخض الجبل فولد فأرا" فبينما بلغت عدد المشروعات التي طرحت لإقامة مناطق خالية من الأسلحة النووية في أقاليم العالم المختلفة منذ منتصف الخمسينيات -أي منذ بدابة ظهور المصطلح- 25 مشروعا على الأقل، إلا أن النتيجة كانت أربعة فئران.. أقصد مشاريع.
1 . معاهدة تلاتيلولكو 1967 في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي: بعد محرقة هيروشيما أي بعد السادس من أغسطس عام 1945 وقف العالم مشدوها أمام خطيئة قد تلي في ذنبها الخطيئة الكبرى ألا وهي القوة التدميرية للأسلحة النووية، خاصة حين تم استخدامها على هذا النحو، ولذلك فبعد انتهاء تلك الفترة الدموية وهي فترة الحرب العالمية الثانية، بدأ العالم يفكر في كيفية اتقاء شر هذه الصنيعة اللعينة التي كانت بمثابة "عفريت ماقدروش يصرفوه" فجاءت معاهدة تلاتيلولكو التي منعت حظر انتشار الأسلحة النووية في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وذلك في الرابع عشر من فبراير عام 1967. وتلاتيلولكو هذه هي اسم مقاطعة في المكسيك. وقد تم تفعيل هذه الاتفاقية في الثاني والعشرين من أبريل عام 1968، وقد قام بالتوقيع عليها جميع دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي البالغ عددهم 33 وكان آخرهم كوبا في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 2002.
2- معاهدة راروتونجا- 1985 في منطقة جنوب المحيط الهادي:
عملت هذه المعاهدة على خلق منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب المحيط الهادئ. بعد ستة عشر عاما من معاهدة تلاتيلولكو، أي في عام 1983 عرضت أستراليا إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية جنوب المحيط الهادئ، ومن ثم قام أعضاء منتدى دول جنوب المحيط الهادئ بتوقيع معاهدة في السادس من أغسطس عام 1985 في مدينة راروتونجا عاصمة جزر الكوك (Cook Islands)، لإنشاء المنطقة المراد إنشاؤها.
3- معاهدة بانكوك 1995 في منطقة جنوب شرق آسيا: بعد حوالي عقد واحد من معاهدة راروتونجا، أي في الخامس عشر من ديسمبر 1995 تم عقد معاهدة بانكوك -في العاصمة التايلاندية- لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في منطقة جنوب شرق آسيا. وعلى هذا الأساس قامت سبع دول وهي: بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام، بالإضافة إلى لاوس وكمبوديا وميانمار بتوقيع تلك المعاهدة.
4- معاهدة بليندابا- 1996 في قارة أفريقيا: في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1961 وكنتيجة طبيعية لأول اختبار نووي فرنسي في منطقة الصحراء الغربية ناشدت الجمعية العمومية أعضاء الأمم المتحدة لوقف مثل هذه التجارب التي تتم في منطقة مأهولة بالسكان -غرب أفريقيا- ومن المفترض ألا يتعرضوا لمثل هذه المخاطر، وعلى هذا اجتمع رؤساء البلدان الإفريقية للتفكير في معاهدة تمنع انتشار مثل هذه المهازل. وبعد عدد من الاجتماعات التي أخذت وقتا طويلا -كما هو واضح من فرق عدد السنين- تم طرح المعاهدة للتوقيع في الثاني عشر من أبريل عام 1996 في مدينة القاهرة، وبمعاهدة بليندابا يكون هناك 54 دولة مستقلة من المجتمع الدولي من الممكن أن يكونوا أعضاء في تلك المنطقة الخالية من الأسلحة النووية.
هذه المعاهدات ما هي إلا محاولة لمنع انتشار الأسلحة النووية، فكل هذه المحاولات غرضها تقليص التهديد النووي لدول الإقليم الواحد -أيا كان- وخلق المزيد من الثقة المتبادلة بينها، وتسهيل عملية ضبط التسلح على المستويات الأخرى، كما أنها تعمل على حماية دول الإقليم من التعرض لمخاطر استخدام الأسلحة النووية، فإقامة مناطق خالية من الأسلحة النووية توفر فرصة لعدم وجود الأسلحة النووية المملوكة لدول أخرى في الإقليم، والحصول على ضمانات أمنية من الدول النووية، بعدم استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضدها، إلى جانب تسهيل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لأن إقامة مناطق خالية من الأسلحة النووية توفر أساسا منطقيا لتدعيم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الإقليم، وتساهم في منع الاعتداء على المنشآت النووية، مع ضبط تداول المواد النووية بشكل غير مشروع.
مش بالساهل:
إن عمليات إنشاء تلك المناطق في أقاليم العالم الأخرى، كشمال أوروبا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وشبه الجزيرة الكورية، واجهت مشكلات مختلفة، كما أن عمليات إنشاء كل منطقة من المناطق القائمة قد استغرقت عدة عقود، فحتى بالنسبة للأقاليم التي أقيمت فيها تلك المناطق كانت هناك مشكلات معقدة أدت إلى عرقلة إنشائها لفترات طويلة. فحتى عام 1985 تقريبا، لم تكن قد قامت سوى منطقة واحدة خالية من الأسلحة النووية في إقليم كثيف السكان، هو "أمريكا اللاتينية"، وظلت مسألة إقامة منطقة لانووية في قارة إفريقيا على الأجندة الدولية منذ عام 1961 -كما رأينا- وحتى عام 1996.
كما أن عقبات متعددة قد اعترضت مسار عملية دخول معظم تلك المعاهدات حيز التنفيذ الفعلي لفترات طويلة أيضا، فلم تتحول معاهدة تلاتيلولكو إلى "واقع سياسي" عمليا، إلا بعد 27 سنة من التوقيع عليها، وظلت أهداف أساسية لمعاهدة راراتونجا معلقة حتى وقعت فرنسا على برتوكولاتها عام 1996، والطامة الكبرى أن معاهدة بليندابا لم تدخل حيز التنفيذ القانوني حتى الآن.
وفي النهاية، فإن مفهوم المناطق الخالية من الأسلحة النووية ذاته يمثل شكلا من أشكال الترتيبات الداخلة تحت مفهوم أوسع هو "المناطق منزوعة السلاح" ولكنّ لهذا حديثا آخر.
| |
|
|
ساحة النقاش