أنواع السينوغرافيا المسرحية
بقلم الدكتور جميل حمداوي
من المعروف عند الباحثين ودارسي المسرح أن السينوغرافيا تهتم بتأثيث خشبة المسرح وزخرفتها وتزيينها وتنظيمها وتعميرها، وتعنى أيضا بتأطير الفضاء الدرامي وتصويره وتفضية المكان الركحي ووضع مناظره المشهدية وبناء الديكور. لذا، فهي علم وفن، علم بالمفهوم أنها تستوجب خبرة تقنية وفنية وإلماما بالمقاسات الرياضية والحرف المهنية كالنجارة والخياطة والماكياج والهندسة والإضاءة والتحكم في المؤثرات الصوتية،وتحتاج إلى دراية كبيرة بعلوم التشكيل والهندسةالمعمةوالـﯖراﭭيك والحفر،
وهي فن بمعنى أن السينوغرافي لابد أن يكون له ذوق جمالي وفني في تأثيث الخشبة المسرحية، وأن ينطلق من روح إبداعية في فهم النص الدرامي وتفسيره وخلقه من جديد، كما تستعين السينوغرافيا بمجموعة من الفنون الجميلة التي تجعل من عمله عملا فنيا وأدبيا قائما على التأثرية الشعورية والانطباعية الفنية والتذوق الجمالي. وإذا كانت السينوغرافيا المسرحية قد ارتبطت بالدراما الفرعونية والإغريقية والرومانية والغربية والشرقية والعربية، فآن الأوان لمعرفة أنواع السينوغرافيا المسرحية وتبسيطها للقارئ قصد فهم مكوناتها واتجاهاتها الفنية وجوانبها الإيجابية والسلبية ، والبحث بجدية عن مرجعياتها التناصية وأصولها الثقافية ،
وتسطير أدوارها الأساسية والثانوية في تشكيل العمل الدرامي وصياغة الرؤية الإخراجية للنص الدرامي المعروض أمام المتفرجين.
أ/ تعاريف السينوغرافيا المسرحية: تهتم السينوغرافيا أو السينولوجيا بالديكور وتنظيم الخشبة الدرامية ماديا وتقنيا، وتعمل على تأثيث الركح وتصويره وتزيينه وزخرفته من خلال رؤية سمعية وبصرية متآلفة ومنسجمة لتشكيل رؤيا المخرج ورؤيا العمل الدرامي المعروض فوق المكان المسرحي. ويمكن تقديم مجموعة من التعاريف للسينوغرافيا من بينها: أولا أن السينوغرافيا هي:" فن تنسيق الفضاء المسرحي والتحكم في شكله بهدف تحقيق أهداف العرض المسرحي، الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث"، وتعني ثانيا: " فن تصميم مكان العرض المسرحي وصياغته وتنفيذه، ويعتمد التعامل معه على استثمار الصورة والأشكال والأحجام والمواد والألوان والضوء"، وهي ثالثا:" فن تشكيل المكان المسرحي، أو الحيز الذي يضم الكتلة، والضوء واللون، والفراغ، والحركة ( وهي العناصر التي تؤثر وتتأثر بالفعل الدرامي الذي يسهم في صياغة الدلالات المكانية في التشكيل البصري العام". ومن ثم، فالسينوغرافيا تصوير للفضاء المسرحي وتشكيل له عبر تأثيثه بمجموعة من العلامات السمعية والبصرية قصد توضيح معاني النص الدرامي وتفسير مؤشراته السيميوطيقية والمرجعية. وتنصب أيضا على الخلفية التشكيلية المتموقعة في فوندو المسرح، وكواليس الركح وجوانبه وأجنحته، والمنصة الموجودة في مقدمة المسرح، والجزئيات الثابتة أو المتحركة فوق الخشبة من قطع وأثاث وإكسسوارات… ، وصالة الجمهور.
ب/ تطور مفهوم السينوغرافيا عبر التاريخ: إذا تتبعنا تاريخ السينوغرافيا وتطورها التعاقبي، فسنجد بلا ريب أن هذا المفهوم قد انتقل من مفهوم الزخرفة والتزيين في الشعرية المسرحية الكلاسيكية لتعني العمارة والمنظور مع بدايات عصر النهضة ، لتعني فيما بعد تأثيث الخشبة بالديكور والمناظر، لتتخذ في العصر الحديث مفهوما أشمل باعتباره فنا مركبا يجمع بين العلامات اللغوية والبصرية والسمعية أو ما يسمى بفن الصور المرئية أو البصرية. ويثبت مارسيل فريدفوت بأن السينوغرافيا ولدت " من فن الزخرفة، ثم تطورت في معارضتها للزخرفة لتصل إلى فن الديكور. إن كلمة سينوغرافيا كلمة قديمة نجدها لدى الإغريق والرومان،كما استخدمها معماريو عصر النهضة. ولقد حدث تغيير بين المعنى الإتمولوجي حيث اشتقت كلمة سينوغرافيا والمفهوم الخاص بهذه الكلمة في عصر النهضة: فكلمة سينوغرافيا اليونانية تعني الزخرفة، أي تجميل واجهة المسرح بألواح مرسومة حيث كان المسرح خيمة أو كوخا من الخشب، ثم مبنى يحيط بساحة التمثيل في المسرح الإغريقي، وكانت هذه الزخارف التي ظهرت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد في تراجيديات سوفكلوس تمثل مناظر معمارية أو طبيعية لتوضيح موقع الحدث"


ساحة النقاش