يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”.
هذا الحديث النبوي الشريف يؤكد أن الإسلام دين عمل وإنتاج، وقد حث الله تعالى المسلمين على أن يعملوا وأن ينتجوا، وذلل لهم الأرض ليمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزق الله الذي يسره لهم فقال سبحانه وتعالى: “هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشُورُ” وقال عز وجل: “وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ”.
الحديث النبوي يرفع من قيمة العمل، ويبين منزلته السامية في الإسلام.. والمراد في الحديث كل أنواع الانتفاع من المال الذي يحصل عليه الإنسان من عمل يده، وليس المراد تخصيص الأكل بالذات، إلا أنه نص على الأكل، وخصه بالذكر، لأنه أظهر وجوه الانتفاع وأهمها.
والخيرية المقصودة في قوله صلى الله عليه وسلم “خيرا من أن يأكل من عمل يده” تكون في الدنيا، وفي الآخرة.. أما في الدنيا فإن النفع يعود على العامل، وعلى غيره ممن يصل إليه نفعه، كما أن الإنسان بالعمل يحفظ ماء وجهه، ويصون كرامته الإنسانية من المذلة لإنسان آخر.. وأما في الآخرة: فبما يحصله من ثواب عظيم، وأمر كريم، حيث استجاب لله ورسوله فسعى في الحياة، وحظي بشرف العمل ومثوبته.
العمل المطلوب شرعاً
وعن أنواع العمل المطلوبة شرعا والتي حث عليها الحديث صراحة وضمنا يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: يشمل العمل أنواعا كثيرة دعا إليها الدين، وحث عليها القرآن والسنة.. فهناك العمل الزراعي، وفيه يقول عز وجل: “وَآيَةٌ لهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَناتٍ مِن نخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجرْنَا فِيهَا من الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ”. وجاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة”.
وهناك العمل التجاري.. قال تعالى: “وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ” وقد حض الإسلام كل من يشتغل بالتجارة أن يتحرى الصدق والأمانة، وبيّن أنه إن صدق في تجارته كانت له عند الله منزلة عظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: “التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء”.
وهناك العمل الصناعي.. قال الله تعالى: “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا” وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله”.
وكما وجه الإسلام إلى الانتفاع بخيرات الأرض، وجه الإنسان كذلك إلى الانتفاع بخيرات البحر، فقال تعالى: “وَهُوَ الذِي سَخرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً”. ووجه الإنسان إلى الانتفاع بالثروة الحيوانية عامة فقال تعالى: “وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلا بِشِق الأَنفُسِ إِن رَبكُمْ لرؤوف رحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”.
إتقان وتخطيط
وهكذا نرى أن الإسلام كما يوضح الدكتور عمر هاشم يحث أتباعه على العمل في شتى جوانب الحياة، وقد حرص على أن يتقن كل واحد عمله، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” أي يحسنه ويخلص لله فيه، والعمل المتقن هو القائم كذلك على أساس علمي، وتخطيط مدروس، يبذل فيه أفراد المجتمع غاية ما في وسعهم نهوضا بالأمة وتقدما بالمجتمع، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا على شرف العمل ومنزلته بأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده، فكان يصنع الدروع ويبيعها، فيأكل من ثمنها.. وفي هذا بيان لسمو العمل ورفعة منزلته في الدين حيث إنه طريق الأنبياء عليهم السلام، فقد كان لكل واحد منهم نوع من العمل يقوم به، ويعيش من ثمرته.
وقد خص الرسول صلى الله عليه وسلم داود بالذكر من دون الأنبياء، عليهم جميعا الصلاة والسلام لأنه كان غنيا عن التكسب، وليس في حاجة إلى العمل، لتوافر المال لديه، ومع هذا لم يرض أن يأكل إلا من عمل يده، فيكون غيره إذا أولى بذلك.. وقد كان داود عليه السلام خليفة لله في الأرض، وسخر الله له الجبال والطير، وأخضع له الجن والإنس.. قال تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوبِي مَعَهُ وَالطيْرَ وَأَلَنا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدرْ فِي السرْدِ” (سبأ: 10 11) أي اصنع الدروع لتحصنكم، أي تكون واقية لكم، وتحميكم في وقت الحروب.
لقد تراجعت معدلات العمل في كل مجتمعات المسلمين بعد أن تلاشت قيمة العمل والإنتاج في حياة كثير من القادرين على العمل والمؤهلين له علميا وبدنيا، وذلك بسبب كثير من المفاهيم الخاطئة التي تسربت إلى عقولهم ونفوسهم.. فوجدنا من يهمل العمل لأنه كما يقول ليس في حاجة إليه ويكفيه ما ورثه من أموال وممتلكات ومشروعات تدر عليه عائدا يكفي احتياجاته وزيادة.. ووجدنا من يهمل العمل ويفضل أن يعيش عالة على غيره تحت زعم أن معظم وقته وجهده للعبادة استنادا إلى فهم خاطئ لقول الحق سبحانه “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”.
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق: ليس من المقبول ولا من المعقول أن يستخف الإنسان بقيمة العمل وأهميتها البالغة للحياة والأحياء.. فلا خير في إنسان لا يعمل، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى في المسجد رجلا يتحامل على الناس فسأل عنه فقالوا له: هذا عابدنا.. فسأل عمن يرعاه ويؤكله؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، فقال: “كلكم خير منه”.. وهذا يعني أن ترك العمل بحجة العبادة يعد لونا من ألوان التنطع في الدين، فالعمل نفسه عبادة، لأنه امتثال لأمر الله تعالى للإنسان بإعمار الأرض.
عمارة الأرض
وعمارة الأرض لا تتحقق إلا بالعمل الدؤوب، وبذل الجهد، والسعي في الأرض بحثا عن خيراتها، واستخراجا لمعادنها، وتمهيدا لطرقها، واستزراع كل شبر صالح للزراعة فيها، وغير ذلك من مسؤوليات عديدة اختص الله بها الإنسان وحده في هذا الكون، وعلى الإنسان أن يحقق مشيئة الله من ذلك كله بما وهبه من قوى وقدرات، وبما أنعم عليه من مواهب وملكات.
وتقديرا من النبي صلى الله عليه وسلم للعمل وحثا عليه وجدناه في كثير من الأحاديث يمتدح اليد العاملة ويصفها بأنها “يد يحبها الله ورسوله، وأنها يد لا تمسها النار أبدا”.. كما ينبه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى أن الإيمان من دون عمل لا خير فيه.. فالإيمان كما يقول في حديث شريف ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.. وتأكيدا لذلك نجد ارتباط الإيمان بالعمل الصالح في معظم الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإيمان.
إننا نعيش عصر العولمة.. عصر لا قيمة فيه لمن لا يعلم ومن لا يعمل.. والفارق بيننا وبين الدول التي تعيش نهضة علمية وصناعية واقتصادية أنهم يتعلمون ويوظفون عقولهم لكي يعملوا وينتجوا ويساهموا في صنع حضارة بلادهم.. أما نحن أمة الإسلام.. أمة العلم والعمل فلم نعد نعطي للعمل المكانة الحقيقية التي ينبغي أن تكون، ولذلك تخلفنا وتراجعنا وأصبحت الفجوة كبيرة جدا بيننا وبين الأمم والشعوب التي تعمل بهمة ونشاط وجد وإتقان.. فهل يحرك فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شعورا بالذنب، ويدفعنا إلى أن نتخلى عن مفاهيمنا الخاطئة حول العمل والإنتاج؟


ساحة النقاش