![]() |
الأمس والغـدبقلم: على جمال الدين ناصف |
|
|
|
لى صاحب أنعم الله عليه بالثراء فى المال فكان يمتلك مصنعا كبيرا وضع فيه كل ما يملكه من مال عن حصاد سنين العمر، فقد أصابه النار فأتى عليه بكامله وقدرت خسائره بالملايين. فصاحبى هذا فى السنين الاخيرة من عمره، ليس له قوة الشباب ولا أمل الشباب، إذ كانت ثروته الضائعة هى ثروة العمر وحصاد جهد و مجهود العمل... جاءه من يسأله عن هذه الكارثه وأسبابها ومقدارها، فأجابه: "لست أفكر فى شئ من ذلك، وإنما يملك علىٌ كل فكرى الآن: ماذا أنا صانع غدا".
لقد نال من إعجابى هذا الاتجاه العملى فى التفكير، فأنه دليل الحياة وعنوان القوة، ومبعث النشاط، فما دمت حيا عليك أن تفكر دائما فى وسائل الحياة ووسائل السعادة فى الحياة، فتلك كلها أمامك لا خلفك وهى فى الغد لا فى الأمس.
إن ما أجاب به صاحبى يؤكد أنه يمتلك عقليه أقوم مما إبتلعته النيران، ونفسية خالدة لا تفنى بفناء المال، لذلك يتبدى أمامنا أن الحياة الناجحة تفكر فى الغد والحياة الفاشله تبحث فى الأمس، ولعلى فى هذا السياق أتذكر ما قالوه قديما "إذا أفلس التاجر فتش فى دفاتره القديمه". فلأمر ما خلق الله عز وجل الوجه فى الأمام ولم يخلقه فى الخلف، وجعل بقدرته العين تنظر إلى الأمام ولا تنظر إلى الخلف، فقد يلوى الانسان عنقه لينظر الى الوراء إذا دعت الضرورة، ثم يعود إلى سيرته الاولى وماكان عليه من النظر الى الامام ويمضى قدما لشأنه، فإننا لم نرى إنسانا طبيعيا قد لوى عنقه بصفه دائمه ونظر الى الخلف دائما. وقد شاءت قدرة الله علينا أن يجعل لنا عقلا ينظر إلى الأمام وإلى الخلف معا، فيكون نظره للخلف وسيلة لحسن النظر إلى الامام، فالبعض من الناس ينظرون بعقولهم إلى الخلف وقد عكسوا الوضع فجعلوا النظر الى الخلف غاية لا وسيلة.
إن هؤلاء الناس ما إن حدثتهم فيما هم صانعون غدا، حدثوك عما صنعه أباؤهم الأولون، كيف كانوا محاربين ذو شأن عظيم، كيف إنتصروا فى أعتى المعارك واشدها، كيف سادوا العالم وتسيدوه، و كيف وكيف.. الخ.
لا نختلف مع هؤلاء الناس فى ذلك كثيرا أنه حق لو أتخذ وسيلة لعمل مستقبل، ولشحذ الهمه لعمل مستقبل، أما أن يكون غرضا فى نفسهم، فإنه يشكل حديث العجزة ومن أصابهم الفقر العقلى وضعف الارادة.
فهؤلاء الناس اللذين يثيرون العداوات والاحقاد القديمة بين رجال الامه و قادتها، فإن طالبتهم أن ينظروا إلى الامام، تجدهم يأبون ألا يذكرون لك تاريخ وحزازات وسخائم الامس، وهم بذلك لا يدرون أنهم يعطلون مصلحة وخير المستقبل، فليس من الصح أن ينظر فى الامس إلا لتجنب أخطاء الغد، والانتفاع بصواب الامس وخطئه فى الغد.
إن هؤلاء الناس وقفت عقولهم وإعتقادهم بأن كل شئ كان خيره فى الامس وشره فى الغد، فخير البلاغة عندهم ما قال به الجاحظ، وخير الفلسفه عندهم ما قاله إبن سينا وإبن رشد والفارابى، وخير النحو أيضا ما وضعه سيبويه، وخير الاخلاق أخلاق آبائنا وخير صور الدنيا ما سبق من العصور، وأنه لم يتبقى فى هذا الزمن إلا الحثاله من كل علم وأدب وخلق... الخ، وأنهم يعتقدون أن العالم كله سائر إلى التدهور فى الغالب، فالامس خير من اليوم، واليوم خير من الغد، فهذه العقلية لا تنفع للحياة أو للجهاد أو لمن أرادوا أن يتبوءوا مكانا فى سلم الحياة، إنما تنفع للفناء وما نحوه.
أن ما يجب أن ننشده هو المستقبل لا الماضى، أن نسعى دائما إلى اللغه التى تصلح لنا و تؤدى مطالبنا فى الحياة هى فى المستقبل لا فى الماضى، فليس لنا فى الماضى إلا ما يصلح للمستقبل بعد أن ننقيه من غباره وإبعاد ما تعفن منه. فالخير دائما إن كنت فى ظلمة أن تأمل فى طلوع الشمس غدا من أن تذكر طلوعها بالأمس، فترقب طلوع الشمس غدا هو الامل والطموح إلى ما هو آت، وفى هذا معنى الحياة، وفى تذكرك طلوعها أمس حسرة على ما فات وألم من خير كنت أنت فيه إلى شر صرت فيه، وفى ذلك معنى الفناء.
أن شر ما نلحظه على هؤلاء الناس حنينهم الشديد إلى الماضى، لا أملهم القوى فى المستقبل، وإعتقادهم أن خير أيامهم ما سلفت لا ما أقبلت، وإعجابهم الشديد بأعمال الماضى وإهمال الحاضر، أعتقد أن هؤلاء لهم منظاران: منظارمكبر يلبسه إذا نظر إلى الماض... ومنظار مصغر أسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل، يتلذذون فى أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذهم أن يتدبرون فيما يجب أن يفعله الاحياء. كل ذلك يلائم ما فى نفسهم من تعظيم الماضى وتحقير أو تدنية الحاضر والمستقبل، أنهم يعيشوا فى أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا فى حياة واقعة، وحول هذه المعيشه الحالمة، تراهم ينسجون دائما ما يوافقها ويمازجها ويجاريها، ويكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة، وماذا عليهم إن عملوا لينعموا بالدنيا والآخرة.
(بورسعيد - مصر)
[email protected]
[email protected]




ساحة النقاش