خطبة جمعة
بعنوان
( أيتامنا من لهم ! )
كتبها / عبدالله بن فهد الواكد
الخطبة الأولى
أيها المسلمون :
الولد نعمةٌ منَ اللهِ على والدِه ، يَبُرُّ بهِ ، ويقضي لوازمَهُ ، ويعينُهُ ، ويقومُ على خدمتِهِ إذا كبُرَ ، والوالدُ نعمةٌ منَ اللهِ على ولدِه ، يربيهِ ، ويسقيهِ الحنانَ ، ويواسيهِ في الأتراحِ والأحزانِ ، ويحرصُ على مصالحِهِ ، قال تعالى : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) ، وعندماَ يفقدُ الولدُ أباهُ ، يفقدُ شيئاً عظيماً ، يفقدُ ذلكَ الجبلَ الأشمَّ ، والصخرَ الأصمَّ ، الذي يحميهِ ويواسيهِ ، ويذودُ عنه ويراعيه ، يفقدُ ذلكَ الحنانَ ، وتلكَ الجِنانَ ، يفقدُ ذلكَ الحرصَ وتلكُمُ الشفقةَ والمحبةَ ، ففي فَقْدِ الأبِ يا عبادَ اللهِ ، مصيبةٌ عظمى على الولدِ ، ولذا سُميَ اليتيمُ يتيماً ، لأنَّ اليُتمَ في اللغةِ ، هو ما عزَّ نظيرُهُ ، وصَعُبَ مجانِسُهُ ، واليُتمُ قدَّرهُ اللهُ ، قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ ، بخمسينَ ألفَ سنةٍ ، لكنَّ الإسلامَ ، إعتنى باليتيمِ أيما عنايةٍ ، واهتمَّ بهِ أيما اهتمامٍ ، فأمرَ بالإحسانِ إليهِ ، والشفقةِ عليهِ ، قالَ اللهُ تعالى : ( وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ) ومنَ الإحسانِ إلى اليتيمِ وكفالتِهِ ، رعايتُهُ ، وتربيتُهُ ، وحفظُ مالِهِ ، والدفاعُ عنهُ وعن حقوقِهِ ، ولفضْلِ ذلكَ وشرفِهِ ، قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : (( أناَ وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ كهاتينِ )) وأشارَ بالسبابةِ والوسطى ، وفرَّجَ بينَ أصابِعِهِ ، فهذهِ المنزلةُ العظيمةُ ، والقربُ منْ منزلةِ سيدِ ولدِ آدمَ ، إنما تُدركُ بكفالةِ اليتيمِ ، وقدْ جعلَ اللهُ الإحسانَ إلى اليتيمِ ، سبيلاً للنجاةِ يومَ القيامةِ ، قالَ تعالى ( فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) ، ونهى اللهُ عزَّ وجلَّ عنْ قهرِهِ وإهانتِهِ ، فقالَ تعالى : ( فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ) وأمرَ سبحانَهُ بالإنفاقِ عليهِ ، وجعلَ ذلكَ من وجوهِ الإنفاقِ فقالَ سبحانَهُ : ( يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ) وأمرَ بحفظِ مالِ اليتيمِ فقالَ سبحانَهُ : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) وتوعَّدَ مَن أكلَ أموالَ اليتامى ، فقالَ جلَ وعلا : ( إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) وفي الصحيحينِ ، من حديثِ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه : نَهْيُ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، عنِ السبعِ الموبقاتِ ، وذكرَ منهاَ : (أكلَ مالِ اليتيمِ ) فإنَّهُ من السبعِ الموبقاتِ والعياذُ باللهِ ، التي توبقُ عملَ الإنسانِ ، وتوردُهُ جهنمَ ، وقد جعلَ اللهُ لليتامى ، سهماً في غنائمِ المسلمينَ ، وفي فيئِهِم ، قالَ تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وقالَ جلَّ وعلا :( مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .
أيها المسلمون : إنَّ اليُتْمَ ليس عيباً ، ولا نقيصةً ، إنما هو قضاءٌ كتبهُ اللهُ على بعضِ عبادِهِ ، ليبلوَا بعضَناَ ببعضٍ ، وليس اليُتْمُ منقِّصاً لليتيمِ ، ولا قاضياً عليهِ ، ولا مكبلاً لهُ ، فكم من الأيتامِ الذين برزوا في المجتمعاتِ ، وكانَ لهمْ باعٌ طولى في التقدمِ والرقيِ ، وفي العلمِ والتوجيهِ ، فإِمامُ اليتامى ، هو محمدٌ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، سيدُ الأولينَ والآخرينَ ، أفضلُ من سارَ فوقَ الثرى ، وخيرُ من سارَ تحتَ الثريا ، آواهُ اللهُ وهداهُ وأغناهُ ، قال سبحانَه : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ ) ذلكَ سيدُ البشرِ محمدٌ ، توفي أبوهُ وهُوَ في بطنِ أمهِ ، وتوفيتْ أمُه وهُو في السابعةِ من عُمُرِهِ ، فكفلَه جدُّه عبدُ المطلب ، ثم عمُّه أبو طالبٍ ، حتى أوحى اللهُ إليهِ ، وكلَّفَهُ بهذهِ الرسالةِ العظمى ، التي أشرقتْ بهاَ الأرضُ بعدَ ظُلماتِها ، وتآلفت بها القلوبُ بعدَ شتاتِها ، وأخرجَ اللهُ بها الأمةَ منَ الظلماتِ إلى النورِ ، فصلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ .
فلنتذكرْ يا عبادَ اللهِ ، لنتذكرْ هؤلاءِ الأيتامَ بيننَاَ ، ولْنخشَ عليهِمْ كخشيتِناَ على ذريتِناَ ، قالَ تعالى : ( وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ) فإذا رأيتَ طفلاً يتيماً ، فذكِّر نفسَكَ لو كانَ أولادُكَ مثلَهُم ، ماذا تتمنى لهُمْ ؟ وكيفَ تريدُ الناسَ أن يعاملوهُمْ ! واعلمْ أنهُ ليسَ بينكَ وبينَ ما ترى ، إلاَّ أنْ تودعَ الثرى .
فيا من ترجوا ما عند الله : أنظرْ إلى الأيتامِ نظرةً حانيةً ، واحنُ عليهمْ حنُواً رقيقاً شفيقاً ، فإنَّ رعايةَ الأيتامِ خلقُ أهلِ الإسلامِ ، بل خلقُ سيدِ الأولينَ والآخرينَ ، محمدٍ صلى الله عليه وسلم
إخوةَ الإسلامِ : لما قُتلَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنهُ يومَ مؤتةَ ، تركَ وراءَهُ صبيةً صغاراً ، فجاءتْ أمُّهم تشكوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ ، تشكوا يُتْمَ أطفالِها وحالتِهم فقالَ عليه الصلاةُ والسلام : (أتخافينَ عليهِم وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! ) ، ولمَّا قدِمَ الوفدُ بعدَ الغزوةِ ، بحثَ عليه الصلاةُ والسلامُ عنْ أولادِ جعفرَ ، فأركبَهُم معَهُ ، إكراماً لهم ، وتضميداً لجراحِهم ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.
وكانتْ أمُّ المؤمنينَ ، عائشةُ رضي اللهُ عنها ، ترعى أيتاماً ، تكرمُهم وتحسنُ إليهِم ، هكذاَ كانتْ أخلاقُ أهلِ الإسلامِ ، يتنافسونَ في الخيرِ ، ويتعاونونَ على البرِّ والتقوى ،
فيا أيها الناسُ ، قدِّموا لأنفسِكم ما دمتم أحياءَ ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
إخوةَ الإسلامِ : رعايةُ اليتيمِ حقٌ على جميعِ المسلمينَ ، ومِنْ أعظمِ رعايةِ اليتيمِ أن يُعلَّمَ ، ويوجَّه ، ويربَّى على الخيرِ والصلاحِ ، ليكونَ عضواً صالحاً في مجتمَعِهِ ، فهؤلاءِ الأيتامُ ، قدْ أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بإكرامِهم ، والإحسانِ إليهم ، ونهي عن ظُلمِهم ، والبغيِ والعدوانِ عليهم ، فالمسلمونَ كالجسدِ الواحدِ ، إذا اشتكى منهُ عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمى والسهرِ .
ورعايةُ الأيتامِ ، قد هُيئتْ لها جهاتٌ مختصةٌ بها ، لكنَّ المجتمعَ المسلمَ ، مأمورٌ بالتعاونِ على البرِ والتقوى ، والعونِ على المصالحِ ، وإذا علمَ المسلمُ أيتاماً ، وعلمَ حالَهُم ، خصَّهُمْ ببرِّهِ وزكاتِه ، وخصَّهم بصدقتِهِ وإحسانِهِ ، وإن كانَ لا يعرفُ أيتاماً ، أو صَعُبَ عليهِ القيامُ عليهِمْ ، فإنَّ الجمعيةَ الخيريةَ في منطقةِ حائل ، لديها مشروعُ كفالةِ اليتيمِ ، فينبغي التعاونُ معهم في ذلك ، لأن هذا من التعاونِ على البر والتقوى ، جعلنا اللهُ وإياكم من المتعاونينَ على ما يُرضِي اللهَ ، وصلو وسلموا .
أقسام الموقع
ابحث
تسجيل الدخول
عبدالله بن فهد الواكد
إمام وخطيب جامع الواكد بحائل - المملكة العربية السعودية »
عدد زيارات الموقع
71,380


ساحة النقاش