
الشعر وخطأ العصر الجاهلي ... بقلم/ فتحي عبدالسميع
نبدأ دراسة الشعر من العصر الجاهلي، وهذا خطأ، نتشبث بحكاية الأصل، لكننا نجور عليها ونظلمها، نتمسك بنقطة ونعتبرها الأصل لكنها ليست الأصل.
تذهب أكثر الروايات إلى أن أول الشعراء ـ بمعنى الكلمة ـ هو المهلهل جد عمرو بن كلثوم وخال امرئ القيس ـ وإذا وضعنا في الاعتبار الروايات الأخرى نجد أصل الشعر العربي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي، ولا يمكننا اعتبار ذلك التاريخ أصلا للشعر، خاصة مع الكشوف الأثرية الحديثة التي قدمت لنا نصوصا شعرية مبهرة أبدعتها الحضارات العربية القديمة في العراق والشام ومصر، وهي تسبق عصر المهلهل بقرون طويلة جدا، لماذا لا نعتبر تلك النصوص أصلا للشعر؟
لم تكن الجزيرة العربية منفصلة عن ثقافة تلك الحضارات على مستوى العقائد والإطار الثقافي العام، لماذا لا نسأل عن تأثر المهلهل وأشقائه بذلك الأصل المهجور.
الشعوب العربية القديمة ( في العراق والشام والشمال الأفريقي) لا علاقة لها باللغة العربية، ولهذا نفضل المهلهل، وهذا خطأ، لا يسنده أساس علمي، وتجحده دراسات تذهب إلى نقيضه، كما هو الحال في تجربة على خشيم في كتابه (آلهة مصر العربية) حيث يذهب إلى أن علماء المصريات "أوروبوا" اللغة المصرية وحرفوها بشكل جعلها تبدو ـ خطأ ـ بعيدة كل البعد عن اللغة العربية، وراح يدلل على أن حضارة مصر القديمة عربية لغة ولسانا، تماما كحضارة الرافدين أو الشام أو الجزيرة أو الشمال الأفريقي، مع الوضع في الاعتبار فروق اللهجات، والكلمات التي تُهجر في كل اللغات.
البدء بالعصر الجاهلي يمنع وعيا أعمق بالشعر، ويربط الذائقة الشعرية، لا بالشعر ولكن بنموذج معين لا يعبر عن أصل الشعر، بل يطرح صيغة لها روعتها بلا شك، لكنها ليست الأصل.
أسباب الخطأ كثيرة ومتداخلة، وأهمها البؤس العلمي لجهابذة الشعر القدامى، والذين حرمهم زمنهم من معرفة هائلة قدمها علم الآثار الحديث، ومن الحمق امتلاك تلك المعرفة الجديدة مع التشبث بنفس رؤية الذين حُرموا منها.
من أسباب الخطأ، حرصنا على بدء تاريخنا العربي انطلاقا من مكة في زمن البعثة المحمدية تحديدا، وهذا خطأ، ووفق الثقافة الإسلامية نفسها تبدأ الدعوة المحمدية مع الإنسان الأول، مع آدم عليه السلام.
نتحدث عن عالمية الإسلام ونفكر فقط في الزمن التالي للبعثة المحمدية، لكن عالمية الإسلام تشمل أيضا ما سبق من أزمنة، كانت تحتوي على عصور جاهلية كثيرة تنتهي برسول أو نبي، مع الوضع في الاعتبار أن كلمة جاهلية تعبر عن انحراف في مسار التوحيد فقط،، وتلك العصور كانت مملوءة بالقيم الإنسانية الرائعة والخطوات الحضارية المُذهلة.
العصر الجاهلي لا علاقة له بأصل الشعر، والبدء به يجرح وحدتنا الثقافية العميقة، و يكرس لتفتت ثقافي غير حقيقي، فضلا عن تشويه الذائقة، وخنق آفاق الشعر الرحبة، وكلما كان الخطأ تأسيسيا كلما زادت أضراره.


