من هم أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم

ثم سمى لنبيكم صلى اللّه عليه وآله وسلم أهلاً حيث سمى للذين نبأهم أهلا، قال اللّه عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[طه: 132]، فهم أهله كما جعل للأنبياء أهلا، فاتَّبَعُوه وأطاعوهُ فيما اخْتَصَّهم به من المواعظ على لسان نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ثم قال عز وجل: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِيْ القُربى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيْهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُوْرٌ شَكُوْرٌ﴾[الشورى: 23]، وقال: ﴿وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ﴾[الإسراء: 26]، فنحن ذوو قرباه دون الناس، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُريدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وُيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً﴾[الأحزاب: 33].

وقد أعلم أن جهالا من الناس يزعمون أن اللّه إنما أراد بهذه الآية أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خاصة، فانظر في القرآن فإن كان إنما جعل أهل الأنبياء أزواجهم في الكتاب الذي أنزله عليهم فصدقوه، وإن كان سَمَّى للأنبياء أهلا سوى أزواجهم فهذه الجهالة بأمر اللّه؟ أرأيت نوحاً ولوطاً عليهما السلام حيث أمرا بترك امرأتيهما، أليس قد كان أهلُهما سواهما؟ قال عز وجل لنوح: ﴿احْمِلْ فِيْهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنْهُمْ﴾[هود: 40].

وقال: ﴿وَإِنَّ لُوْطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِيْنَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِيْنَ إِلاَّ عَجُوْزاً فِيْ الغَابِرينَ﴾[الصافات: 133 - 135].

وقال ليوسف(ص): ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيْكَ ربكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيْلِ الأَحَادِيْثِ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوْبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾[يوسف: 6]، أفترى أن آل يعقوب إلا النساء؟ ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَى آَلِ يَاسِيْنَ﴾[الصافات: 130].

وقال لإسماعيل (ص): ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ﴾[مريم: 55].

وقال تعالى - في الصفوة -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وُنُوْحاً وَآلَ إِبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِيْنَ﴾[آل عمران: 33].

وقال:﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ﴾[هود:73].

أفترى أن اللّه تبارك وتعالى أراد بهذه الصفوة، وما ذكر من أهل الأنبياء نساءهم، أم رأيت موسى صلى اللّه عليه حين يقول: ﴿وَاجْعَلْ لِيْ وَزِيْراً مِنْ أَهْلِي﴾[طه: 29] أهله الذي سأل منهم الوزير أزواجه؟!

أرأيت إذ يقول لقوم صالح صلى اللّه عليه: ﴿قَالُوْا تَقَاسَمُوْا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُوْنَ﴾[النمل: 49]؟ أليس ترى أن له أهلا وأن له ولياً دون قومه؟ وقال زكريا صلى اللّه عليه: ﴿فَهَبْ لِيْ مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِيْ وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوْبَ وَاجْعَلْهُ ربْ رَضِيّاً﴾[مريم: 5 - 6]، أفلا ترى أن للأنبياء أولياء دون قومهم؟ أفلا ترى أن الأنبياء قَبْلَ محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم أوتوا أهلا فما أهل الأنبياء بأعدائهم، وما أعداء الأنبياء بأهليهم.

فانظروا في أهل نبيكم ومن كان أهل العداوة من قومه، قال اللّه عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوْحِيْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوْراً وَلَوْ شَاءَ ربكَ مَا فَعَلُوْهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُوْنَ﴾[الأنعام:112]، أرأيت حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيْلاً﴾[الأحزاب: 28].

وقال: ﴿عَسَى ربهُ إِنْ طَلَقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾[التحريم: 5]؟ أرأيت لو طلقهن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ما كان له أهل بيت من أهله وذريته؟ سبحان اللّه العظيم!! إنما يقول جل ثناؤه لهن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِيْ بُيُوْتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيْفاً خَبِيْراً﴾[الأحزاب: 5].

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لاَ تَدْخُلُوْا بُيُوْتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ﴾[الأحزاب: 53]، إنما يريد اللّه جل شأنه بهذه الآيات المسكن من البيوت.

وأما الآية التي ذكر اللّه فيها التطهير فإنما هو بيت النبي صلى اللّه عليه أهله وذريته، وإنما قال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً﴾[الأحزاب: 33] ولم يقل إنما يريد اللّه ليذهب عنكنَّ الرِّجْسَ، ثم قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾[الأحزاب: 23] فلم يُفَضِّلهن على أحد من النساء بآبائهن، ولا بأمهاتهن، ولا بعشيرتهن، ولكن إنما جعل اللّه الفضل لهن لمكانتهن من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فكيف لا يكون لأهل بيته الفضل على بيوت المسلمين، ولورثته على ورثتهم، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هو جدنا، وابن عمه المهاجر معه أبونا، وابنته أمنا، وزوجه أفضل أزواجه جدتنا، فمن أهل الأنبياء إلا من نزل بمنزلتنا من نبينا صلى اللّه عليه وآله، والله المستعان.

وقال اللّه تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُريةً﴾[الرعد: 38] وكذلك فعل اللّه به صلى اللّه عليه وآله وسلم جعل له أزواجاً وذرية، ثم بين ذلك في الكتاب حين أمره أن يُبَاهِلَ النصارى في عيسى بن مريم صلى اللّه عليه، فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللّه كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُوْنُ الحَقُّ مِنْ ربكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيْهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَى الكَاذِبِيْنَ﴾[آل عمران: 59 - 61]، فلم يكن تبارك وتعالى يأمره أن يدعو أبناءه وليس له أبناء، فكان ابناه يومئذ الحسن والحسين عليهما السلام، لم يكن له ابن يومئذ غيرهما.

وقال اللّه عز وجل وهو يذكر نعمته على إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوْحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُريتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوْبَ وَيُوْسُفَ وَمُوْسَى وَهَارُوْنَ وَكَذَلِكَ نَجْزِيْ الْمُحْسِنِيْنَ وَزَكَريا وَيَحْيَى وَعِيْسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِيْنَ﴾[الأنعام: 84 - 85]، فَنَسَبَ اللّه عز وجل عيسى إلى إبراهيم في الكتاب، وجعله من ذريته، ثم قال: ﴿وَإِسْمَاعِيْلَ وَاليَسَعَ وَيُوْنُسَ وَلُوْطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِيْنَ﴾[الأنعام: 86]، ثم قال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرياتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾[الأنعام: 87]، فذكر اللّه جل ثناؤه أهل الخيرة من أبناء الأنبياء وإخوانهم، ثم قال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوْبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيْهِ مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ بَعْدِيْ قَالُوْا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُوْنَ﴾[البقرة: 133]، فجعل اللّه إسماعيل وهو عم يعقوب من آبائهم، هذا لتعرف منزل أهل الأرحام في كتاب اللّه، ثم قال: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُريتُهُمْ بِإِيْمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُريتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِيْنٌ﴾[الطور: 21].

وقال في صاحب موسى صلى اللّه عليه حين أقام الجدار: ﴿فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيْمَيْنِ فِيْ الْمَدِيْنَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوْهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ ربكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ ربكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيْلُ مَالَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾[الكهف: 82]، فكان تأويل ذلك مما لم يعلم موسى، حَفِظَ اللّه الغلامين بصلاح أبيهما، فمن أحق أن يرجوا الحفظ من اللّه بصلاح من مضى من آبائه من ذرية نبيكم؟!

فنحن والله ذرية النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته، مُتَّبِعُوْنَ له، معتصمون بالكتاب الذي جاء به، نُحَرِّمُ حَرَامَهُ ونُحِلُّ حلاله، ونُصَدِّقُ به، ونعلم منه أفضل مما يعلم الناس من تلاوته، ونؤمن من تأويله بما يعلم الناس منه وما يجهلون، لم يَدَّع الناس عندنا مظلمة من أموالهم التي قتل بعضهم بعضاً عليها، ولم نجاهدهم إلا على أن يضعوها مواضعها، ويأخذوها بحقها، ويعطوها أهلها الذين سماهم اللّه لهم؛ فعلى ذلك قَاتَلْنَا مَنْ قَاتَلْنَا منهم، واحتججنا عليهم بأنهم لايتبعونا إذا دعوناهم، ولا يهتدون بغيرنا إذا تركناهم، ولا يزدادون في ذات بينهم إلا بعداً وتفرقاً.

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 258 مشاهدة
نشرت فى 25 سبتمبر 2010 بواسطة abumalek2010

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

9,870