الساعات الشمسية في تدمر ابتكارات حجرية ترصد إيقاع الزمن
اهتدى التدمريون من خلالها إلي تقسيم ساعات النهار

اهتم الإنسان منذ بدء الخليقة بالزمن وراح يتخيل العديد من الطرق والوسائط لقياسه فابتكر المزولة الشمسية والساعة الرملية والساعات المائية والساعات الحجرية كما اعتمد علي الشمس في تحديد أوقات الصلوات وأيام الأعياد والمواقيت المختلفة.



وقد ارتبط التقويم الشمسي بدوران الشمس وما ينتج عنه من تغير الفصول من دون أن يكون له أي ارتباط بالقمر أو أطواره، وكان للعرب قصب السبق في تطوير التقويم الشمسي بالاعتماد علي مبدأ أقره بطليموس الذي كان يعد الأرض مركز الكون والكواكب ومن بينها الشمس والقمر كلٌ يدور حول الأرض في حلقة محددة له. ومواضع الحلقات بعضها بالنسبة إلي بعض تُحدد حسب الأرصاد
وقياس أبعاد الكواكب وزوايا انحراف بعضها عن بعض و"ذات الحلق" فيها لكل كوكب حلقة في فلك الكواكب أي مداره حول الأرض ويحيط بجميع هذه الحلق "دائرة السماء الكبري" وما فيها من نجوم أما فلك الشمس فهو مقسَّم حسب الطريقة البابلية إلي اثني عشر قسماً يضم كل قسم مجموعة من النجوم سمّوها برجاً ولذا سمّوا فلك الشمس الظاهري منطقة البروج وهذه البروج ملتفة حول الأرض بالترتيب التالي "برج السرطان، برج الأسد، برج السنبلة ويُسمي برج العذراء"، وهناك أيضاً برج الميزان، برج العقرب والرامي، برج الجدي، برج الدلو، برج الحوت، برج الحمل، برج الثور، وبرج الجوزاء".

ويعود للعالم الفلكي الدمشقي "ابن الشاطر" الفضل في إدراك حقيقة أن الأرض تدور حول الشمس طبقاً لحساباته الفلكية التجريبية، الأمر الذي يؤكد نيله قصب السبق في إطلاق هذه النظرية الجذرية في علم الفلك وفي تصحيح الكثير من المقولات الشائعة حول المجموعة الشمسية.

التقويم الشمسي

من الأساليب التي عرفها القدماء لمعرفة الزمن وتحديد المواقيت الساعات الشمسية الحجرية، وتنتشر في مدينة تدمر الأثرية إلي الآن عدد من الساعات المنحوتة من الحجر بشكل نصف قبة ويعود تاريخ بعض هذه الساعات إلي القرن الثاني الميلادي في فترة ازدهار تدمر، وهي تدلنا علي مدي ما وصلته الحضارة التدمرية من تقدم في مجال العلوم والفلك.

وتدّلنا النصوص المكتشفة في تدمر أن التدمريين قد تبنوا "التقويم السلوقي" لتأريخ
أحداثهم، ويبدأ هذا التقويم في شهر "أكتوبر" عام 312، وهو تاريخ عودة القائد السلوقي "سلوقس نيكاتور" إلي بابل. وكان هذا التاريخ يقابل أول شهور التقويم المقدوني "ديوس"، وقد اتبع التدمريون ومقدونيو آسية الغربية ذلك في تقويمهم. وبحكم علاقات المدينة التجارية والمستقلة عن أي نفوذ سلوقي أخذ التدمريون بهذا التقويم الذي استخدموه كأمر يناسبهم في تصريف أمورهم اليومية.

ومن ساعات تدمر الحجرية واحدة اكتشفت ضمن فقرات عمود تذكاري يعد من أطول الأعمدة التدمرية "13م" أقامته قبيلة "بني معزين"، وهي من أشهر القبائل التدمرية، لشيخها "سلام اللات" العام "63 64" للميلاد.

وتاريخ بناء هذه الساعة يعود لتلك الفترة، وقد أعيد بناء العمود عام 1975م، وعلي جانبه الجنوبي بقايا تمثال منحوت من أصل العمود للشخص المكرم، وتقع الساعة الشمسية تحت قدميه بشكل نتوء بارز، وتحت الساعة لافتة تدمرية كتب عليها "هذا تمثال سلام اللات بن يرحبولا بن نوربل" الملقب ب"دعيل التدمري" من قبيلة "بني معزين"، وقد أقامته له هذه القبيلة لأنه قام بأعمال كثيرة لفائدتها وكان صالحاً تقياً. بني كثيراً من الأبنية وقدّم عدداً من التقدمات وأنفق مالاً كثيراً، ولهذا أقيم العمود والتمثال والساعة علي شرفه في شهر فبراير سنة 375 - س "64 م".

وثمة ساعة أخري عبارة عن قطعة مربعة من الحجر الكلسي القاسي مجوفة بشكل نصف مستدير عُثر عليها في أحد البيوت القديمة في تدمر، وربما كانت تزين واجهة أحد القصور التدمرية المتأخرة أو كانت متوضعة علي أحد الأعمدة التي لم يعثر علي أثر لها حتي الآن.

مواقيت الزوال

حول هذه الساعات وآلية عملها تحدث الباحث الأثري خالد الأسعد مدير متحف وآثار تدمر ل"الراية" قائلاً:




اهتدي الإنسان التدمري من خلال هذه الساعات إلي تقسيم ساعات النهار ضمن نصف دائرة حجرية مقسمة إلي اثني عشر حقلاً ومرقمة من شروق الشمس حتي غروبها، فتحدد أشعة الشمس المواجهة لها الظلّ بواسطة قضيب برونزي مثبت في مركز الدائرة، وعندما تشرق الشمس يقع ظلّ أشعتها من خلال القضيب علي الساعة في الأعلي، وعندما يحل الزوال يصبح الظل علي الخط الأوسط أو الساعة السادسة وعندما يتجاوز باتجاه الغرب يسقط الظلّ فوق الخط السابع ثم الثامن وهكذا.

توثيق المعاملات الرسمية

وحول ضرورة وجود هذه الساعات في تدمر قديماً وأهميتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية يقول الأسعد: كانت تدمر مدينة تجارية، ومن هنا دعت الحاجة فيها إلي توثيق المعاملات في الدوائر الرسمية التي كانت تفتح لتخليص البضائع، فكان لا بدّ من وجود ما يدل علي الوقت والزمن فوجدت هذه الساعات وهي ابتكارات محلية لا وجود لمثيل لها خارج تدمر.

ويضيف: لا شكّ أن علم الفلك كان في تلك الفترة معروفاً عند العرب وبشكل خاص عند البابليين والكلدانيين، وكان في تدمر مرصد أيام الخليفة المأمون كما يذكر التاريخ، كما كان هناك مرصد مماثل في جبل قاسيون لرصد الحركات الفلكية في المنطقة وإعطاء ميلاد الشهور، وخاصة الشهور القمرية وتوقيت شهر الصيام ومواقيت الحج وأوقات الصلاة..

الدب الأصغر

ويقول الباحث الأسعد إن الإنسان التدمري استخدم منذ القدم إضافة إلي الساعات الشمسية الحجرية خلال الليل النجوم للاهتداء بها أثناء ترحاله وتجواله، وذلك لتحديد الاتجاهات فبعد الغروب كانت هناك نجمة المساء التي عبدها العرب التدمريون وغيرهم باسم "الربة العزة"، وعبدها الرومان واليونانيون باسم "فينوس" و"أفروديت". وتُشاهد بعد الغروب مباشرة باتجاه ثابت نحو الغرب لذلك أطلق عليها العرب أيضاً اسم "معشية الرعيان". فعند مشاهدتها بعد الغروب يباشر الرعاة بتقديم الأعلاف لمواشيهم ثم تغيب هذه النجمة اللامعة المتلألئة بعد العشاء، وكذلك هناك نجم القطب الذي يُشاهد باتجاه الشمال دائماً ثم الثريا والميزان، ويُطلق عليها اسم "الدب الأصغر" و"الدب الأكبر" وأيضاً "درب التبانة"، وهو القسم المضيء في السماء ويشاهد علي الغالب متجهاً من الشمال إلي الجنوب.

ولتحديد الساعات يومياً وتقسيم الزمن نهاراً وليلاً، اخترع التدمريون ما يعرف باسم "الساعة الرملية"، وهي عبارة عن إناء من الزجاج علي شكل كرتين بينهما أنبوبة، يتم ملء الأولي بالرمال الناعمة وتُوضع الكرة الممتلئة من الأعلي بشكل شاقولي فتنساب حبات الرمل إلي الكرة الثانية السفلي عبر الأنبوب وهي مؤقتة لمدة 60 دقيقة، وهكذا كانت تُقلب من الأعلي إلي الأسفل كل ساعة. لا يسمح باستخدام الاكواد هنا
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 33 مشاهدة
نشرت فى 28 مارس 2019 بواسطة abkyasserabk

ابحث

عدد زيارات الموقع

49,351