للكاتب : القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن

 
 


تعثر خطة عنان وتصاعد الضغوط الدولية يضعان سوريا على أعتاب الحرب الأهلية

تشتت المعارضة السورية وضعف «السوري الحر» عرقلا محاولات تسوية الأزمة داخليًا

واشنطن وباريس تتحدثان عن اللجوء للباب السابع واللجوء إلى قناة خارج مجلس الأمن لتجنب الفيتو الروسي

اللجوء إلى العمل العسكري قفز إلى صدارة المشهد بعد حسم سباق الإليزيه واقتراب انتخابات البيت الأبيض

لعبة الانتخابات محاولة عبثية لكسر جدار العزلة الدولية والإقليمية

خطة عنان وفرت فرصة جيدة للنظام الطائفي لتصفية الثورة

سدد استمرار مجازر النظام الأسدي ضد الشعب السوري وفشل خطة المبعوث العربي والأممي كوفي عنان والرفض الدولي لهذا المسلك رصاصة الرحمة على جهود إيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية، وقفز بكل الخيارات لصدارة المشهد السوري فالنظام لم يبد استجابة للمطالب الدولية ولاسيما الخاصة بسحب أسلحته وآليته من المدن والتجمعات السكنية ولم يتوقف عن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين وعن استمرار شلالات الدماء في صفوف شعبه رغم دخول شهرها الثاني دون أن تظهر في الأفق أي إشارات عن نهاية قريبة للأزمة.

البحث عن آلية

        ودخلت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على خط الأزمة عبر مطالبتها لمجلس الأمن بضرورة البحث عن آلية لإلزام النظام السوري باحترام تعهداته الدولية، وكان نظيرها الفرنسي آلان جوبيه قد سبقها بالتلويح بإمكانية اللجوء للفصل السابع لتنفيذ خطة كوفي عنان، فيما طالبت المعارضة السورية بضرورة تجميد عضوية سوريا في الأمم المتحدة، وهو ما كشف عن وجود توجه دولي لتبني خيارات متشددة للرد على استمرار آلة القتل الأسدية في الضرب في كل مكان لدرجة أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أكد أن الأسد يريد محو حمص كما كان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي يرغب في إلقاء بني غازي في البحر، وهو تصريح ذو مغزى بأن مراهنة بعضهم على إمكانية التزام النظام البعثي بالخطة الأممية تعد ضربا من الخيال.

رهان خاسر

        ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد في ظل تيقن أطراف عربية وإقليمية من أن الرهان على إمكانية استجابة النظام للخطة الأممية يعد إضاعة للوقت، بل لا تزيد عن كونها إعطاء فرصة للنظام للولوغ في دماء السوريين تحت سمع المجتمع الدولي وبصره، وهو موقف أعاد الأزمة للمربع الأول وقفز بخيار العمل العسكري لصدارة المشهد مجددًا بعد أن كان قد توارى بعد إعلان النظام قبوله بخطة عنان وتقديمه ضمانات لحماية المراقبين الدوليين.

        ويحاول الأسد في ظل هذه الأجواء تخفيف حدة الضغوط المتصاعدة على نظامه؛حيث سيركز هذه الأيام على مسألة الانتخابات البرلمانية التي وعد بعقدها كمظهر من مظاهر تخفيف قبضته على السلطة، وهو ما قوبل باستجهان دولي وتساؤلات عن كيفية تنظيم انتخابات والمذابح تضرب المدن السورية كافة من درعا إلى حمص ولا يستثنى من ذلك إلا العاصمة دمشق وبعض ضواحي مدينة حلب، بل إن هذه الانتخابات التي جوبهت بانتقادات شرسة قللت من إمكانية توظيفها من قبل لكسر العزلة الدولية المضروبة حوله.

دعم روسي ـ صيني

        ولكن لا يبدو أن الأسد المرتاح لاستمرار الدعم الروسي –الصيني لنظامه قد يكترث للانتقادات الموجهة للعبة الانتخابات التي ستعقد في وقت تفرض قواته حصارا على المدن السورية ويسيطر حزب البعث على مجمل المشهد السوري، بل إن الأسد لن يأبه طويلا للتهديدات الدولية التي تنطلق تارة من باريس وأخرى من واشنطن ولا سيما أن هذه التهديدات تفتقد للجدية في كثير من الأحيان خصوصا أن موسكو وعلى لسان وزير خارجيتها سيرجيه لافروف تقابل مثل المواقف - التي كان آخرها تأكيدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما من على متن الطائرة الرئاسية أن بلاده ستكثف ضغوطها وستستخدم أقسى العبارات الممكنة لإجبار الأسد على الوفاء بالتزاماته- بالتقليل من شأنها والزعم بوجود قوى إقليمية ودولية تقف وراء إفشال خطة عنان، بل تحمل المعارضة السورية جزءًا من المسؤولية عن هذه التطورات بشكل يوفر للأسد رئة للتنفس ولقواته الفرصة لدك المدن السورية ودفن الثوار أحياء كما حدث بوتيرة متصاعدة خلال هذا الأسبوع.

تصفية وعدم اكتراث

        ولعل استمرار قوات الأسد في تصفية الثوار السوريين وأرقام الهيئة العامة للثورة السورية وبياناتها التي تتحدث عن عمليات إعدام جماعية لأشخاص في حمص وإدلب لمجرد حديثهم مع المراقبين يكشف عدم اكتراث النظام للضغوط الدولية، بل يشير لوجود توجه إستراتيجي يسير في إطار التراجع عن تنفيذ خطة عنان والتصميم على عدم الوفاء بالتزاماته بموجبها بعد مرحلة كان حلفاؤه يطالبونه بقبول كل شيء حتى لا يخسر كل شيء خصوصًا مع ورود تسريبات بنصائح وجهتها للأسد مرجعيات سياسية وأمنية مفادها أن توقف آلة القتل والقبول بانتشار مكثف للمراقبين الدوليين سيجعل الثوار يقفون على باب القصر الجمهوري ويقتربون شيئا فشيئا من إسقاطه وطي صفحة نظامه.

        ويزيد من حجم التوتر في الساحة السورية أن استمرار إجرام  قوات الأسد ومضيها قدما في قصف  تجمعات المدنيين والتوقف عن سحب آليته  واللجوء إلى عمليات تصفية بشعة بشكل عزز توجها في أوساط الثوار بعدم اكتراثه للضغوط الدولية، بل بإقدامه  وعبر سياسة «الخطوة خطوة»  في تفريغ خطة عنان من مضمونها وتحويل  مهمة المراقبين الدوليين من  منع المجازر في صفوف المدنيين السوريين إلى مجرد إحصائيين لعدد القتلى ورصد  للمجازر ليس إلا بشكل وضع الشعب السوري بين مطرقة قواته وشبيحته وبين سندان العجز الدولي والإقليمي عن وقف هذا الإجرام.

شكوك عديدة

        بل إن هذه الأوضاع أعادت خطة عنان إلى المربع الأول وفتحت الأبواب طويلا أمام شكوك عديدة في جدوى هذه الخطة وإمكانية أن تؤدي دورا في إنهاء مأساة السوريين، فالأغلبية بين القوى المعارضة تقر بشدة بهشاشة هذه الخطة وعدم قدرتها على وقف هذا الإجرام لكونها تعاطت مع مظاهر وتداعيات الأزمة وتجاهل بيت الداء المتمثلة في بقاء نظام الأسد لمدة 40 عاما وغضت الطرف عن جرائمه في حق السوريين والتي وصلت خسائرها حتى الآن ما يقرب من 10 آلاف قتيل بحسب إحصائيات محلية ودولية.

        وتعيب القوى المعارضة على خطة عنان عدم تطرقها إلى مسألة رحيل الأسد عن السلطة بوصفه سبيلاً لتسوية مأساة الشعب السوري وتعاملت معه بوصفه رئيساً لنظام يواجه متاعب وكرسته لاعباً أساسياً في الساحة السورية وقدمت له مهله 3 أشهر لتقييم درجة التزامه بها رغم وجود إجماع عربي ودولي على عدم احترامه لكافة التزاماته بل استغلال هذه المهلة لتصفية الثورة وتخفيف حدة الضغوط الدولية وتطويق محاولات عزله والرهان على تطور إقليمي قد يقدم له فرصة ذهبية لتكريس هيمنته على السلطة مجددًا حتى لو جاء ذلك على جماجم السوريين.

عملية عسكرية

        ولكن لا يبدو أن لعبة استغلال الوقت التي درج الأسد على الاستفادة منها قد تفلح هذه المرة بحسب ما يؤكد السفير سعد عزام مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون العربية، فالمجتمع الدولي لن يستطيع الصمت طويلا حيال هذا الإجرام الأسدي حيث بدأت دوائر دولية تتحدث عن إمكانية البحث عن قناة خارج مجلس الأمن تمهد السبيل لعملية عسكرية تنهي المجازر الجارية في صفوف السوريين تحت ذريعة تهديد النظام للأمن والسلم الدوليين خصوصا بعد أن خلصت القوى الدولية لعدم جدوى الرهان على تسليح الجيش السوري الحر أو إمكانية إسهام هذا التوجه في تغيير لعبة توازن القوى في إطار المواجهة مع الأسد.

        بل إن السفير عزام يرى أن فشل خطة عنان قد يعيد واشنطن لصدارة المشهد الشرق أوسطي مجددا بعد أن توارت خلال الأشهر القليلة عنه لصالح قوى أوروبية مثل فرنسا وقوات الناتو التي أدت الدور الأهم في إسقاط القذافي، وهو خيار قد يصطدم باقتراب انتخابات البيت الأبيض وتزامنها مع عدد من الاستحقاقات السياسية والعسكرية المهمة والتي بدأت مع سحب معظم القوات الأمريكية من العراق والاتجاه لتكرار السيناريو نفسه في أفغانستان بحلول 2014 وعدم وجود مساحة مناسبة قد يتحرك فيها الرئيس أوباما لفرض هذا التوجه خصوصًا أنه تعهد خلال حملته الانتخابية الأولى بعدم التوسع في استخدام الآلة العسكرية الأمريكية في الخارج إلا إذا تعرضت مصالح واشنطن للخطر.

أسهم أوباما

        ولكن كثيرا من المراقبين يرون أن تطورات المشهد الانتخابي الأمريكي ونتائج استطلاعات الرأي في عام الانتخابات الأمريكية قد تؤديان الدور الأهم في تحديد واجهة السياسية الأمريكية تجاه سوريا ولاسيما أن السعي لإسقاط نظام دموي إجرامي في دمشق قد يرفع أسهم الرئيس أوباما إذا اقتصر الأمر على ضربات جوية لا تتعرض معها حياة الجنود الأمريكيين للخطر، بل تعيد تحسين صورة واشنطن في المنطقة ولاسيما أن موقفها من ثورات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن كرسها بوصفه داعماً للديكتاتوريات.

حسم الصراع

        ومما يزيد من حجم الضغوط على النظام السوري نجاح الاشتراكي هولاند في حسم سباق الرئاسة نحو الإليزيه مما سيسمح له بحرية حركة أكثر في الملف السوري، بل إنه قد يتبنى تكرار السيناريو الليبي لإنهاء المأساة السورية ولاسيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الانتخابات الفرنسية قد حدت كثيرًا من قدرة ساركوزي على تدشين تحالف دولي لإسقاط نظام الأسد وهو ما تغير بالكلية بعد هزيمته في الانتخابات.

        بل إن وصول الاشتراكيين للرئاسة قد يمهد السبيل للقيام بعملية عسكرية محدودة ضد نظام متهاو في دمشق بشكل قد يرفع شعبية ساكن القصر الرئاسي الفرنسي الجديد ويعيد تقديم فرنسا كقوة داعمة لخيارات الشعوب الطواقة لإسدال الستار على الحكم الديكتاتوري وهو دور أدته فرنسا بشكل جيد في ليبيا وخلف عليها فوائد سياسية واقتصادية غير متوقعة.

        بل إن فرنسا قد تسير في الشوط لآخره عبر تكريس اعتقاد بأن استمرار الدعم الروسي الصيني لنظام الأسد لن يستمر لوقت طويل وأن العاصمتين قد تقبلان بنهاية هذا النظام إذا سمعتا صوتًا موحدًا من المجتمع الدولي أو قدم إليهما ما يسيل لعابهما في سوريا أو أي من بؤر النزاع الدولية، وهو طرح لا تؤيده حاليا أي إشارات من موسكو وبكين رغم أن روسيا كانت قد طالبت الأسد صراحة بالتعاطي الإيجابي مع خطة عنان باعتبار أن استمرار تأييدها له حتى النهاية أمر شديد الصعوبة خصوصا إذا صمم الغرب على القيام بعملية عسكرية أو إذا اقتربت نذر الحرب الأهلية من سوريا.

السيناريوهات المتوقعة

        وأيا كانت السيناريوهات المتوقعة سواء إذا عزمت واشنطن أو باريس على التحرك ضد النظام أو تصعيد الضغوط عليه عبر اللجوء للفصل السابع أو توسيع رقعة العقوبات أو العمل عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن فشل خطة كوفي عنان قد أطلق رصاصة الرحمة على أية تسوية سلمية للأزمة السورية كما يؤكد د. جابر عوض أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وفتح الباب واسعا أمام خيارات أكثر صعوبة منها خيار العمل العسكري، وهو أمر قد لا ينتهي بإسقاط النظام فقط، بل سيقود إلى شرذمة الدولة السورية.

        وأضاف: لا شك أن ما حدث في ليبيا كانت له تداعيات لا نستطيع إنكار مخاطرها على وحدة الدولة الوطنية ولاسيما أن مخاطر الحرب الأهلية لا تقل تداعياتها خطورة عن العمل العسكري فضلاً عن أن إمكانية نجاح القوى الدولية في الوصول لتسوية مع موسكو وبكين تحجب الدعم الدولي عن النظام  وتجعل سقوطه مسألة وقت قد زادت احتمالاتها مع فشل خطة عنان في تحقيق أي نجاح أو وقف شلالات الدماء في سوريا.

        وأشار إلى أن الوضع السوري أصبح شديد التعقيد ولا يسمح لأحد بمعرفة وجهة الأحداث في ظل ضبابية الموقف الدولي وعجز الأطراف الإقليمية عن تقديم تسوية للأزمة أو إحكام الضغط على بشار الأسد في ظل عدم امتلاك المعارضة السورية القدرة على تغيير موازين القوى.

ومع هذا لا يخفي عوض أن للأزمة وجها ايجابيا يتمثل في أن تاريخ الثورات يشير إلى أن أصعب لحظات الكفاح وشراسة النظم في التعامل مع الثوار هما اللذان يمهدان السبيل لإسقاط مثل هذه الأنظمة الديكتاتورية وكسر إرادتها في ضوء قناعة بأن هزيمة الشعوب أمر مستحيل، وهو أمر يراهن عليه السوريون كثيرا بل يسود إجماع في أوساطهم بأن نهاية الأسد قادمة مهما طال الأمد

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 58 مشاهدة
نشرت فى 13 يونيو 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,720