5
محمد موافي
30
إبريل
2012
07:17 PM
بعد الفجر مررت لألتقط ما نضحت به المطابع من أقاويل وأباطيل وأسمار وبعض حقيقة، ولدقيقة، تسمَّرت في مكاني، تغزوني التأملات فيما يعجّ من عناوين، تفور بها بلادي، وبلادي وإن جارت عليَّ عزيزة، وأهلي وإن عموا وصَمُّوا، ثم عموا وصموا، فهم أهلي، وأخاف لو قلت إني مهاجر، أن يذبحني القلب، ولم أعد أدري بماذا أفاتحكم هذا الصباح، حيث الكل في مركب هوجاء لا تكاد تستقر، وكانت الدماء كالفضيحة، حيث أربعة قتلى، ومئات الجرحى، في موقعة العباسية !، وأكاد أقسم بالله أن القاتل لا يدري لماذا قَتل؟، والمقتول لا يعرف لماذا ساح دمه؟، وصار بعين شقيقه ماءً، بل أرخص من الماء.
والقاتلون كُثُر، وأولهم كل مَن سكت ولم ينصح -وكان باستطاعته النصيحة - وكل مَن لم يقل للهمج الرعاع: كُفّوا بلاطيكم وسيوفكم وخناجركم وفِرَدكم القبيحة، وتساءلت: هل كل مَن دعا لتلك الفتنة ، نام الليل مستريحًا، سليم الضمير؟!، وهل حينما شد طرف
اللحاف فوق وجهه لم يبصر الدم يضىء تلك اليد الملوَّثة، ولم يتحسَّس العنكبوت يعشش في تلك الرءوس التي تزكمها رائحة الموت؟.
ومن العباسية، أعود بذاكرة سمكية، إلى أحداث مجلس الوزراء، وأمُرُّ على شارع محمد محمود، وأقف قليلاً عند مدخل وزارة الداخلية، وأكاد لو استطعت أو ملكت ذيل "بقرة بني إسرائيل الفاقعة لونها"، أن أضرب القتلى لعلهم يستيقظون - وسبحان ربي : "ما لي إلى ذلك سبيل"- وأسألهم فِيمَ قُتلتم؟!، وهل تعنيكم اليوم معارك البرلمان؟! ، التي ما هدأت حتى منحتكم تعويضات وألقابًا.
يرحمكم الله، و يا سبحان الله، كأن كتب الصِّحاح ليس بها أحاديث تعظم الدم، وتثبت أن حرمته أعظم من حرمة البيت الحرام، وكأن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، ما وقف في عرفات، وما قال إن دماءنا وأموالنا وأعراضنا علينا حرام، كحرمة أعظم يوم طلعت
عليه الشمس، وليتها ما غربت.
فكيف إذن صرنا إلى هذا الهوان، مع أننا دبَّجنا القصائد ولحنّا الأغنيات، مدحًا لسِلمية الثورة، و ذمًا في الطرف الخفي، الذي لم يظهر؛ لأن يده هي نفس اليد التي تلتصق بذراعنا، صدِّقوني إنما نحن والطرف الثالث سواء!؛ فنحن الذين نظمنا المسيرة، ولم نفُضّها سيرة، وسعينا بأرجُلنا نحو الصدام، ونحن أيضًا الذين سلَّطنا البلطجية علينا، مع أن البلطجية مصريون مثلنا، ونحن المجلس العسكري الذي ترك السكة سبيلاً، ومجلس الشعب والشغب نحن، كلنا في واحد في ذات اليد الخفية.
لو تضايقتَ من مقالي، واستهزأتَ بسؤالي، فقل لي بالله عليك: مَن يتحمل وِزر تلك الدماء التي ساحت ابتداءً من مجلس الوزراء، وحتى العباسية، ودَعْك طبعًا من مجزرة بورسعيد؟!، فتلك لا تحوطها كلمات كاتب ركيك العبارة مثلى.
مِصر اليوم تقتل مصرًا، ومصر اليوم تحارب مصرًا، ومصر التى كانت تثور أحاديثها، ويلتهب رغيها لمجرد حادث سير، يروح ضحيته خمسة أشخاص، هي نفسها مصر التي لا تبالي بمقتل وإصابة العشرات، وربما المئات، في معركة بضاحية العباسية، هل تغيرت مصر، أم أن بيننا مَن لا يستحقها ؟!
رحم الله المقتول، وطهر من أيدينا دماءه.
نشرت فى 1 مايو 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش