-----------------------
العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القرآن والتفسير, القصص
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
27/5/1411
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
الآيات من ( 16- 18 ) : تنفيذ المؤامرة على يوسف , وموقفهم من أبيهم - براعة الوصف القرآني للموقف - علامات كذبهم , وإدراك أبيهم كذبَهم ومؤامرتهم - معنى الصبر وفضله , وصبر يعقوب لمّا نُعي إليه ابنه
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد فقد قال الله تعالى: وجاؤوا أباهم عشاء يبكون. قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين. وجاؤوا علي قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف:16-18].
بعد أن نفذ أخوة يوسف مؤامرتهم الشنيعة وتخلصوا من أخيهم يوسف بإلقائه في ذلك الجب الموحش المهلك وحيداً ضعيفاً لا حول له ولا حيلة وبذلك خلا لهم وجه أبيهم على حد زعمهم, كان لابد لهم أن يواجهوا أباهم ذلك الأب الشيخ الجليل النبي يعقوب عليه السلام وقد وعدوه أن يكونوا ليوسف ناصحين وأن يكونوا له حافظين وتعهدوا له بحمايته والعناية بحراسته حتى لا يأكله الذئب أو يصيبه أي مكروه وإن مواجهة أبيهم الذي لم يكن أصلاً واثقاً بهم وكان شديد التعلق بابنه الصغير يوسف شديد المحبة له حتى إنه لا يطيق فراقه ويحزنه ابتعاده عنه, إن مواجهة أبيهم تحتاج منهم إلي قدر كبير من التمويه والخداع وبدؤوا تمثيليتهم جاءوا إلى أبيهم في أول الليل يحملون له النبأ المفجع المحزن, يظهرون حزناً ويذرفون دموعاً, إنهم يتباكون بل هم من شدة عنايتهم بالتباكي تحول تباكيهم إلى بكاء حقيقي ولذلك قالت الآية يبكون ولم تقل يتباكون جاؤوا أباهم عشاء يبكون ولم تقل يتباكون, فأظهروا حزنهم وذرفوا دموعهم وبكوا وهم واقفين بين يدي أبيهم المفجوع المحزون لذلك النبأ كل هذا صورته الآية في إيجاز محكم بديع في أربع كلمات فقط اختزلت صفحات وصفحات جاؤوا أباهم عشاء يبكون فأي وصف أبدع من هذا الوصف وأي وصف أجمل من هذا الوصف وأي تعبير أقوى من هذا التعبير, ياله من إبداع محكم بديع السبك كثير المعاني واسع الدلالات, تأملوا مثلاً قوله عشاء لم لم يقل ليلاً؟ العشاء أدق معنى وأرق وصفاً من الليل إنه تلك السويعات من أول الليل حين تختفي شمس الغروب تلملم ذيولها الذهبية ولا يبقى أي أثر لشفقها حين يغيم الدجى بعباءته السوداء على تلك الروابي الصحراوية من بادية فلسطين حيث كان يقيم يعقوب النبي عليه السلام مع أهله وولده, فياله من تحديد بديع للوقت الذي جاؤوا فيه إلى أبيهم ينقلون له ذلك الخبر المفجع, يا للأسى يأخذون يوسف العزيز الحبيب نهاراً وهاهم جاؤوا ينعونه إلى أبيهم ليلاً ولكن هل أتقن المتآمرون حبك التمثيلية وتلفيق الكذبة؟ دائماً يترك المجرم وراءه خيوطاً تدل على فعلته وتكشف ما اقترفت يداه وإنما يدرك ذلك أولو الألباب, والنبي يعقوب عليه السلام هذا الأب الجليل أدرك بفطنته وفراسته أدرك زيف تلك الخديعة وكذبها لعدة قرائن:
أولها: أنهم بادروا بلا روية إلى استخدام نفس السبب الذي أبداه الأب قبل أن يرسل معهم يوسف حينما عبر عن مخاوفه من أن يأكل الذئب يوسف, فما أسرع ما اصطادوا هذا السبب واتخذوه عذراً يتسترون وراءه, ما أسرع ما كان ذلك الذئب الذي خافه يعقوب عليه السلام على ابنه يوسف, ما أسرع ما كان حاضراً فأكل يوسف كما زعموا.
ثانيها: القميص قميص يوسف الذي اتخذوه بينة على عدوان الذئب عليه وهو بريء من دمه والدم المزيف الذي لطخوا ذلك القميص به فضحهم ونادى بكذبهم فكيف ينهش الذئب جسد يوسف ولا يمزق قميصه ولذلك روى عن يعقوب عليه السلام أنه لما رأى قميص ابنه ملطخاً بالدم سليماً من التمزيق قال لهم: يا بني إنه لذئب حليم هذا الذي أكل يوسف ولم يمزق قميصه.
ولقد عبرت الآية عن هزال هذه الخديعة وانكشاف هذه الكذبة عبرت بقوله سبحانه: وجاؤوا على قميصه بدم كذب فوصف الدم بأنه كذب كأن الدم نفسه صار نفس الكذب وإلا فالمعنى بدم ذي كذب أو بدم مكذوب وهذا من أسلوب العرب في لسانها أنها تصف بالمصدر بدلاً من اسم المفعول زيادة في التأكيد ومبالغة في توضيح المرام, فهذه الخديعة من شدة وضوحها وانكشافها وهزالها صار الدم نفسه كذباً فلم ينفع أولئك المذنبين كذبهم ولا تمويههم ولا خداعهم ولا حرصهم علي إخفاء معالم جريمتهم, وهكذا يأبى الله تعالى إلا أن يظهر آثار الجريمة دائماً ولو بعد حين وهذا من حكمته ولطفه ورحمته بعباده سبحانه وتعالى, ولقد أعلن يعقوب عليه السلام شكه وارتيابه في تلك الدعوى التي سمعها فقال عليه السلام: قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف:18]. وكم في كلمة "سولت" هذه الكلمة القرآنية البديعة من معان كبيرة ودلالات واسعة خاصة في عالم الجريمة وعالم الذنوب ولكن لعلنا نذكر طرفاً من ذلك في الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))(1)[1] رواه مسلم.
الصبر هو احتمال حكم الله تعالى والرضا به سواء كان حكماً قدرياً كونياً وهي الوقائع والحوائج التي تقع للناس والمصائب التي تحل بهم أو كان حكماً دينياً شرعياً وهي أوامر الله ورسوله ونواهي الله ورسوله فمن فعل ذلك وصبر على حكم الله ورضي به وأظهر الرضا بحكم الله عز وجل فقد كسب الرضا من ربه وأما من لم يصبر على حكم الله ولم يرض به بل سخط من حكم الله وأظهر السخط والجزع فقد كسب السخط من الله تعالى وكذلك من يجزع ويظهر الجزع ولا يتجلد عند حلول المصائب والفتن فإنه يكون كأنما اتهم ربه عز وجل شعر بذلك أم لم يشعر, ولماذا تجزع يا أيها المؤمن وأنت تعلم أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وأن الملك كله لله يفعل فيه ما يشاء لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى, ولماذا تخاف وتفزع من النوائب والمصائب والحوادث وأنت تعلم أنك وغيرك في كلاءة الله تعالى وعنايته ورعايته, ربما كرهت شيئاً من المصائب التي تحل بك وفيها خير لك وأنت لا تدري, يغفر الله لها بك من الخطايا ويكفر من السيئات ويرفع في درجاتك وربما يدفع بها بأساً أعظم وفتنة أكبر ومصيبة أشد وربما كانت ابتلاء وامتحاناً لك لينظر ربك سبحانه كيف تفعل, فإذا ما وجدت نفسك في وسط المصائب والفتن وقد حفت اليوم المصائب والفتن المسلمين في كل مكان فتذكر يا مؤمن حكمة ربك عز وجل وعدله ولطفه ورأفته ورحمته بعباده فإن ذلك يعينك على الصبر وحينئذ إذا تذكرت ذلك وحضر إيمانك به وتذرعت بالصبر فإنه تحيطك أعين العناية الإلهية والرعاية الربانية على حد قوله تعالى: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [الطور:48]. فمن صبر لحكم ربه فإن أعين الرعاية الإلهية وأعين الكلاءة الربانية تحوطه حينئذ والعاقبة للمتقين وإن الله عز وجل لا يضيع أجر المحسنين وهو سبحانه مع الصابرين يوفيهم أجرهم بغير حساب.
تأملوا كيف كان موقف يعقوب عليه السلام لما نعي إليه ابنه الصغير العزيز الحبيب إلى قلبه ماذا قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون , تذرع عليه السلام بالصبر وتقوّى بالاستعانة بالله تعالى وهذان ركنان الصبر الجميل وهو الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى والاستعانة بالله تعالى وحده, هذان ركنان ما لجأ إليهما مكروب أو مهموم إلا كشف الله عنه كربته وأزال همه وغمه ونصره سبحانه وتعالى, فهذان ركنان عظيمان علينا جميعاً أن نتمسك بهما ونلجأ إليهما وخاصة عند توالي الفتن وتواتر المحن, قال عمر الفاروق رضي الله عنه: "وجدنا خير عيشنا في الصبر لما في ذلك من الرضا حكم الله عز وجل والخضوع لحكمه سبحانه وتعالى".
قال تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم [محمد:31].
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا)) اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

__________
(1) مسلم: ك: الزهد والرقائق (2999).

 

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 72 مشاهدة
نشرت فى 17 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,811