-----------------------
الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, قضايا المجتمع
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
8/4/1411
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
قصة يوسف عليه السلام والموضوعات التي تناولتها : 1- الغرائز والمواقف والطبائع البشرية وآثارها وتهذيبها : الغيرة والحسد - الفساد والانحراف الخلقي - صراع الشهوة الجنسية 2- عاقبة الصبر والثبات 3- القصص القرآني حقيقة وثابت وليس من نسج الخيال وله فوائد ودروس - من الدروس المستفادة : 1- أهمية تنوع أساليب الدعوة المشروعة مثل ( الحديث القصة - التذكير ) وضرورة اقتحام الدعاة لهذا المجال , وعدم تركه لأصحاب الشهوات - انتشار مظاهر البذخ والبطر في المجتمع وخطورة ذلك ( الإسراف في الولائم - إلقاء الباقي في المزبلة ) كيف يتحقق إدراك النعمة وشكرها , ودور الجمعيات الخيرية في ذلك
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
فمنذ اليوم نعرض إن شاء الله ما في سورة يوسف من الدروس والعبر. وإن فيها كثيرا من الدروس التي تتعلق بكثير من مشكلاتنا في حياتنا المعاصرة.
إن هذه السورة الكريمة تتعلق بشخصية كريمة لنبي من الأنبياء وما واجهه في حياته من حوادث ووقائع وابتلاءات ومحن فمنذ أن رأى الرؤيا ثم ألقي في الجب ثم تقلب في الرق ثم وهو يواجه محنة الإغراء والفتنة ثم وهو يعاني من محنة السجن ثم وقد خرج من الشدة إلى الرخاء فإذا بالسلطان بين يديه وإذا به المتحكم في الرقاب وفي الأرزاق في رقاب العباد وأرزاقهم.
إنها قصة نبي كريم منذ رأى الرؤيا إلى أن تحقق له تأويلها فرفع أبويه على العرش ورفع التثريب عن اخوته الذين كادوا له.
إنها قصة الصديق نبي الله يوسف عليه السلام. وكيف ثبت بعقيدته وبنقاء نفسه وبطهارة ثوبه أمام مختلف المحن والابتلاءات التي مرت به فإذا به يخرج منتصرا بصلابة عقيدته وثبات إيمانه ونقاء نفسه وطهارة ثوبه.
إنها قصة تتحدث عن مجموعة من الغرائز والطبائع البشرية والمواقف البشرية وتأثير هذه الطبائع والغرائز في الحياة الاجتماعية وتأثير الدعوة الربانية في إصلاحها في إصلاح هذه الغرائز والطبائع وتهذيبها وتوجيهها.
تتحدث عن الغيرة وعن الحسد الذي قد ينهش قلوب أقرب الأقربين وعن المؤامرات والمناورات التي تنبع من هذه الغريزة المدمرة وتنشأ عنها.
تتحدث عن الفساد والخراب الخلقي والانحلال الذي يعتلي الحياة الاجتماعية المترفة والظلم الذي يتفشى عادة بأسباب أولئك المترفين. تتحدث عن الصراع؛ صراع الشهوة والغريزة الجنسية بين ثبات وصمود الأنقياء الأتقياء من الشباب الصالحين وعباد الله المخلصين وبين المتدهورين المنحطين من المترفين الفاسدين.
تتحدث عن عاقبة الصبر والثبات في الشدائد والمحن والابتلاءات وهذه العاقبة هي التمكين في الأرض.
كل هذه الجوانب الإنسانية تتحدث عنها هذه السورة العظيمة في قالب قصصي بديع وأسلوب قرآني رفيع ولكن القصص القرآني يتحدث عن الحقائق وليس عن الخيالات إنه يتحدث عن تجارب الأمم السابقة وبعض الشخصيات السابقة من الأنبياء والمرسلين أو من غيرهم أو ما واجههم من حوادث ووقائع ومواقف كلها حقيقية ثابتة فالقصص القرآني حقيقي ولهذا بدأت هذه السورة العظيمة سورة يوسف وهي أروع مثال وأطول مثال للقصص القرآني بدأت بقول الله تعالى في الآية الثالثة منها: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [يوسف:3]. وختمت هذه السورة بقوله تعالى في آخر آية منها: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [يوسف:111]. فالشأن في القصص القرآني ليس كالشأن في ما يكتبه القصاصون من الناس عادة، يتخيل القصاص من الناس الشخصية والحوادث والمواقف كلا فالقصص القرآني ما كان حديثا يفترى ليس للخيال ولا للافتراء فيه أي نصيب إنه يتحدث عن شخصيات حقيقية وعن حوادث ووقائع ومواقف صادقة ولكن باسلوب رفيع محكم بديع لا ترقى إليه أى قصة مكتوبة ولا ترقى إليه أي قصة محبوكة.
وفي هذا درس لأهل الأقلام والمواهب ليتعلموا من القرآن ويستغلوا مواهبهم وليسخروا أقلامهم حتى تكون أداة حتى تكون أدوات للرحمة حتى تكون أدوات للهدى وحتى يفصلوا للناس ما يحتاجون إليه من الدروس والعبر.
فإن الدعوة والإصلاح يحتاجان إلى تنوع الأساليب فالنفوس البشرية تملّ وها هو القرآن في هذه السورة العظيمة يعلمنا أول درس إنه درس للموجهين والمصلحين بل هو درس للعلماء المربين كأنما القرآن يهتف بهم جميعا: لا تجمدوا على وسيلة واحدة أو وسيلتين فالمنبر على عظم أهميته وحده لا يكفي وحلقة الدرس على عظم نفعها وبركتها وأهميتها وحدها لا تكفي.
لابد من تنوع الأساليب لابد من تنوع الأساليب لابد من استغلال سائر الوسائل المتاحة التي يأذن لنا الشرع باستغلالها وهذه الوسيلة الفعالة الشديدة الأثر هي من هذه الوسائل المباحة والمتاحة القصة. القصة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية مسموعة إنها من أشد الوسائل تأثيرا في النفوس وها هو القرآن الكريم يقدم لنا أروع مثل لهذا اللون من ألوان البيان وهذا الأسلوب من أساليب الإصلاح.
النفوس تمل ولذلك لابد من استخدام جميع الوسائل المتاحة والأساليب المباحة.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة - أي اعتراهم الملل في يوم من الأيام - فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: حدثنا فأنزل الله تعالى قوله: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها [الزمر:23].
و عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: هلا حدثتنا فأنزل الله تعالى قوله: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها فقالوا: هلا قصصت علينا فأنزل الله: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن فقالوا: هلا ذكرتنا. فأنزل الله تعالى قوله: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق [الحديد:16].
فهذه ثلاثة أساليب: الحديث والقصة والتذكير كلها من ألوان البيان وأساليب البيان وقد استخدمها القرآن واستخدم غيرها من الأساليب.
فهذا هو أول درس قرآني في هذه السورة فيا حملة الأقلام ويا أرباب التوجيه والإصلاح هذا الدرس لكم ويا شباب الإسلام يا أهل الأدب يا أهل الأقلام الأدبية هلا اقتحمتم هذا المجال هذا المجال الشديد التأثير مجال القصة هلا خرجتم لنا بالقصة الإسلامية الهادفة التي تبني ولا تهدم وتصلح ولا تخرب وتعلم ولا تفسد.
لقد امتلأت ساحاتنا بغثاء بركام من إفراز الخبيثين والخبيثات من إنتاج أتباع الشهوات الذين يريدون من المؤمنين أن يميلوا ميلا عظيما.
ما أكثر القصص المفسدة المخربة في ساحاتنا في أسواقنا على صفحات مجلاتنا وجرائدنا فهذه قصص نجيب محفوظ وهذه قصص يوسف إدريس وأمثالهما من العلمانيين والزنادقة واليساريين والبعثيين فتحنا لها أبوابنا فملئت ساحاتنا ودخلت بيوتنا وقد تترجم إلى قصص مسموعة أو مسموعة مرئية حتى يزداد تأثيرها في الهدم والتخريب.
فهيا يا شباب الإسلام يا أصحاب الأقلام يا أصحاب المواهب الأدبية اقتحموا هذا المجال فإن هذا المجال لكم لا تتركوه لأولئك المفسدين القذرين من اليساريين والبعثيين والحداثيين أتباع الشهوات الذين يريدون أن يميل المؤمنين ميلا عظيما: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [الرعد:17].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فقد روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به سائل فأعطاه تمرة فسخطها ولم يقبلها فمر به آخر فأعطاه إياها فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطي أربعين درهما، وأرسل جارية إلى بيت أم سلمة أن ادفعوا الأربعين درهما التي عندكم وهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم(1)[1].
إن المشاهد في مجتمعاتنا اليوم كثير من مظاهر البطر كثير من الناس وقعوا في البطر لا يعرفون قدر النعمة ولا يقدرون حق شكرها يهينون نعم الله عز وجل ولا يعرفون قدرها ولا يؤدون حق شكرها.
وإن من مظاهر هذا البطر وهذا الكفر بالنعمة ذلك الإسراف والبطر الذي يقترفه الكثيرون في الولائم والمناسبات تتكدس الأطعمة على الصحون أرزاً ولحما وشحما حتى إذا صالت الأيدي فيها وجالت تقززت نفوسهم مما بقي بعد ذلك وتأففوا منه فربما رمى به بعض الذي يكفر النعمة ولا يعرف قدرها رمى بهذا الباقي وهو كثير رمى به في المزبلة وكذلك ربة البيت قد ترمي ببقايا الطعام في الصحون والقدور مما يمكن أن يؤكل ترمي به في المزبلة.
وهذا من كفر النعمة وهو محرم لا يجوز هذا من مظاهر البطر ومن أسباب العقوبات العقوبة الإلهية قد تحل على الفرد الذي يقترف مثل هذا الفرد الذي يقترف مثل هذا البطر وقد تحل على المجتمع الذي تتفشى فيه مثل هذه الظاهرة فإن الرب تبارك وتعالى وعد بمزيد من النعم لمن شكر وتوعد من كفر بنعمه بالعذاب الشديد فقال تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم:7].
إذا أردت أن تعرف قدر النعمة التي تتقلب فيها، النعمة التي أنعم الله عليك بها من رغد في العيش وأمن في الحياة ورخاء وتنعم في المأكل والمشرب والملبس إذا أردت أن تعرف قدر نعمة الله عليك فتذكر أن هناك اليوم عبادا لله ماتوا جوعا وعطشا لم يجدوا حتى بعض هذا الذي ترمي به في المزبلة ليسدوا به رمقهم أفلا تخاف أن يصيبك الله بما أصابهم.
إن من شكر نعمة الله عليك أن تشرك الفقير معك في طعامك وشرابك أن تتذكر الفقير فتشركه معك في طعامك وشرابك وأضعف الإيمان أن توزع على الفقراء ما تبقى من موائدك وصحونك وقدورك بدلا من أن تهين نعمة الله عليك فترمي بها في المزبلة.
لقد سمعت أن هناك بعض الجمعيات النسائية الخيرية تقوم بهذه المهمة إذا اتصل بها صاحب المناسبات الباذخة التي تكدست فيها الأطعمة إذا اتصل بها يأتون ويأخذون ما تبقى من الأطعمة ويوزعونه على بيوت فقيرة لا تجد ما تقتات به هنا في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونعم ما فعلت هذه الجمعيات النسائية الخيرية ما أحسن ما صنعت لقد عرفت كيف تداوي الداء، داء الإسراف وداء الكفر بالنعمة وعرفت كيف تُعنى بأولئك الفقراء الذين لا يجدون ما يسد به رمقهم وهم جيراننا في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وليت سائر الجمعيات الخيرية تفعل مثل ما سمعت بدلا من إقامة الحفلات الدعائية والمؤتمرات الفارغة التي ليس وراءها أي نفع للناس التي لا يرضى عنها الفقير ولا الكبير كلها رياء وسمعة لا تجلب على أصحاب تلك الجمعيات الخيرية إلا الإثم والوزر والعقوبة وكراهية الناس.
سئل أحد التابعين: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيهما أفضل أما الأولى فقد ستر الله علي ذنوبي فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد وأما الأخرى فقد ألقى الله محبتي في قلوب العباد مع أن عملي لا يبلغ ذلك.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الاحزاب:56]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا))(2)[2] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

__________
(1) مسند احمد 3/155 ،260.
(2) صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 67 مشاهدة
نشرت فى 16 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,948